وزارة الزراعة والصحة في أمريكا تعيدان تشكيل الهرم الغذائي

وزارة الزراعة والصحة في أمريكا تعيدان تشكيل الهرم الغذائي
تصاعد الجدل خلال الفترة الماضية حول مسألة الغذاء بوصفه قضية تتجاوز الاختيارات الفردية، ليمتد إلى نقاش أوسع تتقاطع فيه الأبعاد الصحية والاقتصادية والتنموية. وفي قلب هذا النقاش، عاد الهرم الغذائي إلى الواجهة باعتباره عنوانًا لتحول أعمق في السياسات الغذائية الرسمية، يعكس إعادة التفكير في دور الغذاء ضمن منظومة الصحة العامة والتنمية المستدامة.
ففي يناير 2026، أعلنت كل من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية ووزارة الزراعة في الولايات المتحدة إصدار التوجيهات الغذائية للأمريكيين للفترة 2025–2030، في خطوة وُصفت بأنها إعادة الضبط الكبرى للسياسة الغذائية الفيدرالية منذ عقود، مع رسالة مركزية واضحة مفادها: العودة إلى “الطعام الحقيقي” بوصفه أساسًا للصحة.
ويأتي هذا التحول في سياق أزمة صحية متفاقمة؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن قرابة 90% من الإنفاق الصحي يوجَّه لعلاج أمراض مزمنة يرتبط جزء كبير منها بأنماط الغذاء ونمط الحياة، بينما يعاني أكثر من 70% من البالغين من زيادة الوزن أو السمنة، وتظهر مؤشرات اضطراب التمثيل الغذائي لدى شريحة واسعة من المراهقين. وقد أعادت هذه المعطيات طرح الهرم الغذائي وأنماط التغذية السائدة بوصفها مدخلًا للوقاية الصحية، لا مجرد توصيات سلوكية معزولة.
الهرم الغذائي… كيف تشكَّل ولماذا أُعيد طرحه؟
شكَّل الهرم الغذائي لعقود طويلة أحد أكثر النماذج شيوعًا في توجيه السلوك الغذائي، بوصفه أداة تعليمية تبسِّط العلاقة بين أنواع الطعام والكميات الموصى بها يوميًّا. ويعتمد هذا النموذج على تقسيم الغذاء إلى طبقات متدرجة، تبدأ في قاعدته بالأطعمة التي يُفترض الإكثار منها، مثل الحبوب ومنتجاتها، ثم تتدرج صعودًا لتشمل الخضراوات والفواكه، فمصادر البروتين والألبان، وصولًا إلى الدهون والسكريات في قمته، باعتبارها عناصر يُنصح بالحد من استهلاكها.
وقد ارتبط هذا التصور، منذ ظهوره في السياسات الصحية الحديثة، بفكرة التوازن الغذائي وتنظيم الحصص اليومية، ما جعله مرجعًا أساسيًّا في حملات التوعية الصحية والمدارس والبرامج الحكومية. غير أن هذا النموذج، رغم انتشاره الواسع، ظل محل نقاش علمي متواصل حول مدى قدرته على مواكبة التحولات في أنماط الغذاء الحديثة.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول الهرم الغذائي مع تزايد الانتقادات الموجهة إلى النماذج التقليدية التي ركزت على الحسابات الكمية والسعرات الحرارية أكثر من تركيزها على جودة الغذاء ومستوى معالجته الصناعية. ومع تنامي معدلات السمنة والأمراض المزمنة، بدأت أصوات علمية وصحية تشكك في كفاية هذه المقاربات، معتبرة أن الهرم الغذائي بصيغته القديمة لم يعد يعكس الواقع الغذائي المعقد، ولا يلبِّي متطلبات الوقاية الصحية في المجتمعات الحديثة.

ما الذي تغيَّر في الهرم الغذائي الجديد؟
جاء التغيير في الهرم الغذائي الجديد ليعيد صياغة الأساس الذي بُنيت عليه التوصيات الغذائية، عبر تحويل بوصلة الإرشاد من تنظيم الكميات إلى تقييم نوعية الغذاء ذاته. وتركِّز المقاربة الجديدة على طبيعة ما يُستهلك ومستوى معالجته الصناعية وجودته الغذائية، بما يجعل اختيار الطعام اليومي محور الوقاية الصحية، لا مجرد الالتزام بحصص رقمية ثابتة.
وفي هذا الإطار، خففت التوجيهات الجديدة من النظرة السلبية العامة التي سادت لعقود تجاه الدهون الحيوانية الطبيعية، وفي المقابل، شددت على التمييز بين الدهون النباتية الطبيعية المستخرجة من أطعمة كاملة، والزيوت النباتية الصناعية فائقة المعالجة التي ارتبط استهلاكها المتزايد بأنماط غذائية غير صحية. ويعكس هذا التحول قطيعة مع مقاربات سابقة تعاملت مع الدهون بوصفها فئة واحدة، من دون اعتبار كافٍ لجودة المصدر أو أثر المعالجة الصناعية.
وقد عبَّر وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت كينيدي جونيور عن هذا التوجه باعتباره “عودة إلى الأساسيات”، في إشارة إلى أن الوقاية الصحية تبدأ من اختيار الطعام قبل أي تدخل علاجي. غير أن هذه الصياغة الجديدة أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الصحية والإعلامية، بين من رأى فيها تصحيحًا طال انتظاره لمسار السياسات الغذائية، ومن حذَّر من أن الابتعاد عن النماذج الكمية الصارمة قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة للتوصيات. وبين هذين الموقفين، تحوَّل الهرم الغذائي إلى مساحة جدل تعكس صراعًا أوسع حول تعريف الغذاء الصحي في عالم تتغير فيه أنماط الاستهلاك بوتيرة متسارعة.
وفي ضوء هذا التحول المفاهيمي، تأتي التوجيهات الغذائية الجديدة لترجمة هذه الرؤية إلى إرشادات عملية توضِّح كيف ينعكس هذا التغيير في الاختيارات الغذائية اليومية، وما الذي يعنيه ذلك على مستوى السلوك الغذائي للأفراد والأسر.
ماذا تقول التوجيهات الغذائية عمليًّا؟
تعكس الإرشادات الواردة في الوثيقة هذا التحول بوضوح، من خلال مجموعة توصيات مباشرة، من أبرزها:
- إعطاء أولوية واضحة للبروتين في الوجبات اليومية.
- استهلاك منتجات الألبان كاملة الدسم من دون سكريات مضافة.
- الإكثار من الخضراوات والفواكه بصورتها الكاملة والطبيعية.
- إدماج الدهون الصحية المستمدة من أطعمة كاملة مثل الأسماك والمكسرات والزيوت الطبيعية.
- التركيز على الحبوب الكاملة مع تقليص الكربوهيدرات المكررة.
- الحد من الأغذية فائقة المعالجة والسكريات المضافة والمواد الصناعية.
- مواءمة كميات الطعام مع العمر ومستوى النشاط البدني.
- تفضيل الماء والمشروبات غير المُحلّاة، وتقليل استهلاك الكحول.
وتأتي هذه التوصيات بصيغة شاملة تغطي مختلف الفئات العمرية والاحتياجات الصحية، من الأطفال والمراهقين إلى الحوامل وكبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، إضافة إلى النباتيين، بما يعكس توجهًا يربط الهرم الغذائي بمفهوم العدالة الغذائية ومراعاة اختلاف أنماط الحياة. وفي الوقت نفسه، يفتح هذا الإطار الإرشادي نقاشًا أوسع حول موقع الغذاء داخل السياسات الصحية العامة، ودوره باعتباره أداة وقائية داعمة لمسارات التنمية المستدامة.
الغذاء بين السياسات الصحية والتنمية المستدامة
يحمل التحول في الهرم الغذائي دلالات تتجاوز تحسين صحة الأفراد، ليصبح جزءًا من نقاش أوسع حول دور الغذاء في حماية الصحة العامة ودعم التنمية. فتبنِّي أنماط غذائية أعلى جودة ينعكس على خفض كلفة الرعاية الصحية، ورفع الإنتاجية، وتحسين جودة الحياة، وهي عناصر تدعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، يطرح تحديث السياسات الغذائية أسئلة أعمق حول العلاقة بين الصحة العامة، والسياسات الزراعية، وأنماط الإنتاج، والاستهلاك. إذ يرتبط تشجيع “الطعام الحقيقي” بدعم المزارعين المحليين، وإعادة توجيه سلاسل الإمداد نحو نماذج أكثر استدامة، بما يقلل الاعتماد على الأغذية فائقة المعالجة ويعزز الأمن الغذائي.
وتظل القضية المحورية متمثلة في نقل هذه التوجيهات من مستوى الإرشاد إلى واقع الممارسة اليومية، في ظل هيمنة الأغذية المصنعة وسهولة الوصول إليها. وهنا تتقاطع أدوار التوعية والتعليم الغذائي والسياسات العامة الداعمة، من أجل جعل الخيارات الصحية أكثر توافرًا وأقل كلفة، بحيث يصبح الهرم الغذائي أداة عملية مؤثرة في أنماط الحياة، لا إطارًا نظريًا معزولًا عن الواقع.

تعكس التغييرات الأخيرة في الهرم الغذائي تحولًا في النظرة إلى الغذاء بوصفه ركيزة أساسية للصحة العامة والتنمية المستدامة، لا مجرد مسألة فردية تتعلق بنمط الحياة. فإعادة صياغة التوجيهات الغذائية تشير إلى وعي متزايد بدور أنماط الاستهلاك في الوقاية الصحية وتقليص أعباء المرض وتحسين جودة الحياة.
ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أن تحديث السياسات الغذائية يمثل فرصة لتعزيز استهلاك أكثر وعيًا، ودعم نظم غذائية أكثر استدامة، والمساهمة في تضييق الفجوات الصحية، بما يتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالصحة الجيدة والرفاه وأنماط الاستهلاك المسؤول. وحين يُنظر إلى الغذاء كمدخل للتنمية، يتحول الهرم الغذائي من إطار توعوي إلى أداة وعي جماعي تسهم في بناء مجتمعات أكثر صحة وقدرة على الاستدامة.




