أخبار الاستدامة

مصر تحيي لغة الفراعنة.. لماذا تعود الهيروغليفية للمشهد التعليمي؟

الهيروغليفية

مصر تحيي لغة الفراعنة.. لماذا تعود الهيروغليفية للمشهد التعليمي؟

في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتبدل اللغات، تختار مصر أن تعود إلى جذورها، وتُطلق مبادرة تعليمية رائدة تُمكّن الشباب من الإصغاء لصوت الأجداد بلغتهم الأصلية؛ فمن خلال تعاون مشترك بين وزارة الشباب والرياضة وبعض المؤسسات الخيرية، تنطلق دورة تدريبية متميزة لتعليم الكتابة الهيروغليفية؛ لتفتح أمام المشاركين نافذة على عالم المصريين القدماء وفلسفتهم في التعبير والتوثيق.

وسوف تبدأ اليوم -7 أغسطس 2025- أُولى فعاليات الدورة بقيادة نخبة من الأساتذة المتخصصين في الحضارة المصرية القديمة، وستكون رحلة تفاعلية تمزج بين التاريخ، والفن، واللغة، وتمتد على مدار خمسة أسابيع بلقاءات أسبوعية، تفتح نافذة على زمن المصريين القدماء.

ومن بين ما ستقدمه الدورة: تاريخ اختراع الكتابة وأدواتها، وأسرار الحروف التي خلدت أعظم حضارات العالم، وسيتعرف المتدربون على الفرق بين الخط الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي والقبطي، وسيتنقلون بين جدران المعابد ونقوش المقابر التراثية؛ ليتعلموا فك الشفرات وفهم الرموز والطقوس.

الهيروغليفية

لغة كتبها الأجداد منذ آلاف السنين

تعلُّم الهيروغليفية لا يخدم فقط المهتمين بالآثار أو السياحة أو الباحثين، وإنما هو تمرين فكري وجمالي، يجمع بين التحليل والمنطق والرؤية الفنية. كيف لا، وهي لغة تجمع بين الرمز والصورة والدلالة، وتحمل بين طياتها فلسفة حياة كاملة، وكثير من الكلمات التي ننطقها اليوم تعود جذورها إلى تلك اللغة.

ولتحقيق ذلك سوف تعمل هذه الدورة التعليمية الخاصة بتعلم الهيروغليفية على توسيع آفاق المشاركين، فتمدّهم بما هو أكثر من مجرد معرفة لغوية؛ إذ تمثّل مدخلًا لفهم عميق للحضارة المصرية القديمة، وتمكينًا عمليًّا لإنتاج محتوى يعكس روح تلك الحضارة بلغتها الأصلية؛ ولذلك، فإن تأهيل الشباب لقراءة وترجمة النقوش والرموز المقدسة، هو بمثابة خطوة نحو استقلال معرفي، ونحو استعادة السيادة الثقافية.

الطابع العملي والتفاعلي في الدورة

واحدة من أبرز مميزات هذه الدورة هو الطابع العملي والتفاعلي؛ فالمتدرب لن يكون مجرد متلقٍّ، وإنما سيعيش التجربة بكل حواسه. وبين تدريبات على رسم الحروف، وقراءة الجُمل الاسمية والفعلية، والتعرف على أنظمة الكتابة المختلفة، ستوفر الدورة بيئة تعليمية تُشبه الرحلة إلى وادي الملوك لا إلى قاعة دراسية تقليدية.

وسيُتاح للمتدربين الاطلاع على أدوات الكتابة القديمة كالبردي، والأحجار، والسطوح المستخدمة، وحتى تجربة كتابة الجمل باستخدام الرموز الأصلية. كما ستشمل الدورة جلسات شرح للجداريات القديمة، وكيفية ترجمتها واستنتاج المعاني الثقافية والدينية منها، هذا بالإضافة إلى الزيارات الميدانية التي تسمح بربط النظري بالواقعي، من خلال تأمل المعابد والمقابر والنصوص التي كُتبت في العصور الذهبية لمصر.

الهوية الثقافية تحقق التنمية المستدامة

وفي عصر تتقاطع فيه مفاهيم الهوية والتعليم والتنمية، تبرز مبادرة تعليم اللغة الهيروغليفية باعتبارها نموذجًا فعّالًا لدمج الثقافة في مسارات الاستدامة؛ فإحياء اللغة المصرية القديمة هو استثمار معرفي وثقافي يعزّز من مكانة الإنسان في فهم تاريخه، ويمنحه أدوات للتعبير عن حضارته بمنظوره الأصيل. وتأتي هذه الرؤية متفقة مع الهدف (4) من أهداف التنمية المستدامة، المتمثل في ضمان التعليم الجيد، وتعزيز التنوع الثقافي والمجتمعي.

وفي هذا السياق، يمثل تعلُّم الهيروغليفية خطوة استراتيجية لدعم السياحة في مصر؛ إذ يرتقي بكفاءة المرشدين السياحيين، ويحول الزيارات إلى المعابد والمواقع الأثرية إلى تجارب تفاعلية نابضة بالمعرفة والوعي الحضاري. كما يُمكن للمبدعين من الشباب في مجالات الإعلام والفن الرقمي توظيف ما يكتسبونه من معرفة في إنتاج أفلام، وألعاب تعليمية، وتطبيقات ذكية تُعيد تقديم الحضارة المصرية بلغتها الأصلية.

اللغة المصرية القديمة

ويتجاوز الأمر حدود التعليم إلى حفظ التراث غير المادي، وهو ما يتوافق مع توجهات منظمة اليونسكو لحماية الذاكرة الثقافية للشعوب؛ فالقدرة على فك رموز نقش فرعوني، تمثّل استعادة لجزء مهم من الوعي التاريخي، وتُسهم في بناء مستقبل أكثر تجذرًا في هوية وطنية ناهضة.

وفي قلب هذا المشروع الثقافي ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ تعليم الهيروغليفية خطوة أساسية نحو استعادة العمق الحضاري، وإعادة بناء العلاقة بين الشباب وتاريخهم بلغة الأجداد؛ فإحياء هذه اللغة لا يقتصر على المعرفة وحدها، وإنما يتجاوزها ليصبح أداة للتعبير، وسبيلًا لصناعة محتوى يليق بمكانة مصر بين الأمم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى