خطى مستدامة

25 يوليو.. عدالة أكثر إنسانية تبدأ من القضاء

القضاء 

25 يوليو.. عدالة أكثر إنسانية تبدأ من القضاء

في خطوة تُجسِّد الاهتمام العالمي المتزايد برفاه الإنسان داخل المؤسسات، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس 2025 اعتماد يوم 25 يوليو ليكون اليوم الدولي لرفاه القضاء. ويأتي هذا القرار تتويجًا لمبادرة فكرية وإنسانية انطلقت قبلها بعام، وتحديدًا من “إعلان ناورو لرفاه القضاء”، الذي تبنّته مجموعة من القضاة والخبراء الدوليين في 25 يوليو 2024.

ومن هذا المنطلق تتناول حماة الأرض موضوع رفاه القضاة من منظور العدالة الاجتماعية، إدراكًا منها بأنَّ تحسين بيئة عمل القضاة يعزز استقلال القضاء، ويسهم في ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وهذا عبر منظومة عدلية تُدار بمهنية وإنصاف.

العدالة الاجتماعية

من أجل تعزيز سيادة القانون

إنَّ اليوم الدولي لرفاه القضاء مناسبة عالمية غير مسبوقة، وتسلط الضوء على البعد الإنساني في العمل القضائي، وتُعلي من شأن القاضي بوصفه إنسانًا يحتاج إلى بيئة متوازنة ورفاه نفسي وذهني؛ كي يؤدي مهامه بكفاءة واستقلالية. وقد جاء إقرار هذا اليوم الدولي وجعله مناسبة عالمية في سياق قانوني مدعوم باتفاقيات دولية؛ ومن أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (United Nations Convention against Corruption – UNCAC).

وهذا الاعتراف الدولي بضرورة تحقيق بيئة مؤسسية صحية في مجال القضاء يمثل تحولًا نوعيًّا في مفهوم بناء مؤسسات الدولة العادلة؛ إذْ لم يعُدِ الحديثُ مقتصرًا على التشريعات أو الهياكل القضائية فحسبُ، وإنما يشمل -أيضًا- صحةَ القاضي النفسية والجسدية والاجتماعية.

اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

وعلى ذلك يرسخ هذا التوجه مفهوم العدالة الشاملة، وبما يعزز مصداقية النظام القضائي وثقة المواطنين فيه؛ ومن ثَمَّ نكون قد حققنا مستهدفات الهدف رقم (16) من أهداف التنمية المستدامة: السلام والعدل والمؤسسات القوية، والذي يسعى إلى تعزيز المجتمعات السلمية والشاملة، وتوفير إمكانية الوصول إلى العدالة للجميع، وبناء مؤسسات فعَّالة، كذلك تعزيز سيادة القانون.

رفاه القضاة ضمان للعدالة ومكافحة الفساد

وفي وقت تتعرض فيه الأنظمة القانونية لضغوط متزايدة، يأتي هذا اليوم ليُعيد التوازن إلى المعادلة، ويُذكّر العالم بأنَّ قضاة العالم بشرٌ قبل كل شيء، ويستحقون بيئة عمل صحية تُساعدهم على صون العدالة والاستقرار المجتمعي.

لكنَّ هناك بعض المجتمعات التي تواجه تحديات كبرى كالفساد، وانعدام الشفافية، وضعف الوصول إلى العدالة؛ ولهذا يبرز دور القضاء باعتباره صمامَ أمانٍ أخير للمجتمعات، وهو ما انعكس في إعلان الأمم المتحدة: لا عدالة مستدامة دون قضاة يتمتعون بالرفاه.

رفاه القضاة ضمان للعدالة ومكافحة الفساد

ولذلك استند الإعلان عن اليوم الدولي لرفاه القضاء إلى ملفات مكافحة الفساد، والوصول إلى العدالة، والسلام المستدام؛ وهو -بلا شك- ربط ذكي بين الرفاه والقضايا الكبرى؛ مما يجعل من اليوم الدولي لرفاه القضاء نقطة التقاء بين العمل القانوني والالتزام الإنساني والتحول التنموي.

ومِن هنا يمكن القول إنَّ اليوم الدولي لرفاه القضاء لا يحتفل بمهنة، بل يحتفي بالقيمة الأخلاقية والإنسانية للعدالة، ويؤسس لثقافة جديدة ترى في العدل حالة من التوازن الداخلي قبل أنْ يكون حكمًا في محكمة.

إعلان ناورو: خريطة طريق نحو رفاه قضائي

ومما استندت إليه الأمم المتحدة في إعلان هذا اليوم وثيقةٌ محوريةٌ هي “إعلان ناورو لرفاه القضاء“، التي وُضعت بالتعاون بين قضاة من دول المحيط الهادئ وخبراء دوليين، وطرحت سبعة مبادئ رئيسية لتعزيز الصحة النفسية والجسدية للقضاة ضمن أُطر مؤسسية واضحة. ومن بين هذه المبادئ:

الضغوط النفسية

مكافحة الوصمة المرتبطة بالضغوط النفسية.

المسئولية

تعزيز المسئولية الفردية والمؤسساتية عن الرفاه.

صياغة السياسات

إشراك القضاة في صياغة السياسات الداعمة.

الكرامة الإنسانية

توفير بيئة عمل تراعي الكرامة الإنسانية، وتحقق أعلى معدلات الأداء.

وقد تم تأكيد أنَّ هذه المبادئ لا تتعارض مع استقلال القضاء، بل تُعزّزه؛ ولهذا لقد حظي الإعلان بتأييد واسع من جمعيات القضاء ومنظمات حقوق الإنسان، باعتباره مرجعية جديدة في سياسات الموارد البشرية داخل السلطة القضائية.

الموارد البشرية داخل السلطة القضائية.

وبدلًا من التركيز على التدريبات القانونية فقط، تدعو هذه المبادئ أيضًا إلى تدريب القضاة على إدارة التوتر، والتواصل، وتحقيق توازن بين الحياة المهنية والشخصية. ويفتح هذا الإطار البابَ أمام المحاكم حول العالم لإعادة التفكير في ثقافتها المؤسسية، عبر إدخال ممارسات جديدة، مثل الاستشارات النفسية، وبرامج الإرشاد المهني، وكذلك برامج التوازن بين العمل والحياة، وكلها عناصر تُسهم في رفع جودة العدالة في نهاية المطاف.

كيف نُفعِّل هذا اليوم؟

إنَّ يوم 25 يوليو لا ينبغي أنْ يمر دون تأكيد مدى أهمية إطلاق حملات توعوية في هذا اليوم، والدعوة إلى عقد ورش وجلسات حوارية مع القضاة والعاملين في السلك القضائي؛ من أجل طرح التحديات التي تواجههم.

كما يُمكن إعداد برامج دعم نفسي مستمر، وتشكيل لجان داخلية تُعنى برصد مؤشرات الإرهاق والضغوط، وإنشاء شبكات دعم بين القضاة أنفسهم. وعلى المستوى التعليمي يمكن إدراج مفاهيم الرفاه القضائي في مناهج كليات الحقوق والمعاهد القضائية؛ كي يمكننا تنشئة جيل جديد من القضاة يرى في العناية الذاتية جزءًا من رسالته المهنية. وأمَّا على الصعيد الإعلامي فلا بُدَّ من دعم الخطاب العامّ الذي يُعيد للقضاة مكانتهم الإنسانية.

وعلى ما سبق فإنَّ مؤسسة حماة الأرض تؤمن بأنَّ العدالة أحكام تُتلى، ونفوس مطمئنة تُصدرها؛ فحين نمنح القاضي بيئة عمل إنسانية نمنح المجتمع فرصةً للاستقرار، ونعزز الثقة بين جميع فئات المجتمع، ونقترب أكثر من عالم تُدار فيه العدالة بمهنية ورحمة؛ لذا يُذكِّرنا اليوم الدولي لرفاه القضاء بأنَّ بناء نظام قضائي مستقل لا يتحقق فقط بالتشريعات، بل يبدأ من رعاية من يُنزلها حيز التطبيق، وهو الشرط الأول لتحقيق العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى