كيف يهدد تغير المناخ الأمن الغذائي والصحة العالمية؟

كيف يهدد تغير المناخ الأمن الغذائي والصحة العالمية؟
في السنوات الأخيرة أصبحت الأسواق العالمية تشهد موجات غير مسبوقة من غلاء الغذاء؛ فالمستهلك العادي لم يعد يندهش حين يرى سعر الكيلو الواحد من البطاطس أو الزيت يتضاعف خلال شهور قليلة. غير أنه خلف هذه الظاهرة تقف قوة متصاعدة التأثير، تتمثل في التغير المناخي، الذي لم يعد مجرد تهديد بيئي، وإنما تحول إلى محرّك اقتصادي يؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، من قوائم المشتريات إلى استقرار المجتمعات.
مِن هنا، تشير دراسة علمية حديثة صادرة عن مركز الحوسبة الفائقة في برشلونة (Maximillian Kotz of the Barcelona Supercomputer Center) إلى أن الظواهر الجوية المتطرفة -التي أصبحت أكثر تواترًا وحدة بسبب تغير المناخ– كانت وراء قفزات حادة في أسعار المنتجات الأساسية في 18 دولة بين عامي 2022 و2024، من الخس والخضروات في أستراليا، إلى الزيتون في إيطاليا وإسبانيا، ثم الأرز في اليابان والكاكاو في غرب إفريقيا، وجميعها قصص غذائية تتشارك خيطًا واحدًا؛ هو الطقس المتطرف.
كيف تسبب تغير المناخ في غلاء أسعار الكاكاو؟
الظروف المناخية التي أدت إلى هذه القفزات لم تكن عادية، وإنما تجاوزت كل السوابق التاريخية قبل عام 2020، كما توضح الدراسة؛ فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار الكاكاو بنسبة مذهلة بلغت 300% في إبريل 2024، بعد موجة حر في غانا وساحل العاج جعلها أشد حرارة بأربع درجات مئوية بسبب تغير المناخ، وهما الدولتان اللتان تنتجان ما يقرب من 60% من الكاكاو عالميًّا؛ ومن ثم فإن ارتفاع الأسعار لم يعد نتيجة فقط لسوق وعرض وطلب، وإنما لصراع مع الطبيعة نفسها.

ومع استمرار الاحتباس الحراري، يتوقع الخبراء تكرار هذه الأحداث بشكل أكبر، وهو ما يجعل الأثر الاقتصادي للتغير المناخي ملموسًا أكثر من أي وقت مضى. والمفارقة أن هذا التأثير لا يتوزع بعدالة؛ إذ إن المجتمعات ذات الدخل المنخفض، التي تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء، تتعرض لضغوط هائلة على أمنها الغذائي.
هل يؤثر تغير المناخ في السياسة؟
يمتد تأثير تغير المناخ إلى ما هو أبعد من البيئة والاقتصاد؛ إذ إن الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء الناتج عن الظواهر المناخية المتطرفة بات يهز استقرار الأنظمة السياسية؛ فالخبراء يحذرون من أن التضخم الغذائي الناتج عن تغير المناخ قد يتحول إلى عامل سياسي ضاغط، لا سيما في الدول النامية؛ لأنه عندما ترتفع الأسعار بشكل متسارع بسبب الجفاف أو موجات الحر، تزداد نقمة الشعوب، وتصبح الحكومات تحت ضغط شعبي متزايد.
مظاهرات تسببت فيها ظواهر مناخية
في المملكة المتحدة، أسهم ربيع جاف في عام 2024 في ارتفاع معدل التضخم؛ مما أعاق جهود البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة. وفي موزمبيق -كما تذكر الدراسة- خرجت التظاهرات احتجاجًا على ارتفاع أسعار الخبز، بعد أن منعت روسيا تصدير القمح نتيجة موجة حر محلية أدت إلى تراجع إنتاجها. وهكذا يتكرر المشهد في عدة دول؛ ليصبح الأمن الغذائي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالأمن السياسي.
نتائج الانتخابات تتأثر بأزمات المعيشة
وتشير التقارير الحديثة إلى أن “التضخم المرتفع يمكن أن يغير نتائج الانتخابات”، كما حدث في الولايات المتحدة، حيث لعبت أزمة المعيشة دورًا في توجيه أصوات الناخبين، وهذا يؤكد أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فقط، وإنما تحول إلى مسألة سيادة واستقرار داخلي.

تغير المناخ يتسلل إلى الصحة العامة
غلاء أسعار الغذاء الناتج عن الطقس المتطرف لا يقتصر أثره على القدرة الشرائية للأسر، وإنما يمتد ليطال صحة الناس، خاصة في الفئات الأكثر هشاشة؛ فتقارير الباحثين توضح أن الأسر ذات الدخل المنخفض غالبًا ما تستبدل الخضروات والفواكه الطازجة، التي أصبحت باهظة الثمن، بأطعمة رخيصة مليئة بالسعرات والدهون والسكريات؛ مما يرفع معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب.
أمثلة على تأثير ارتفاع أسعار السلع في الصحة
في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، ارتفعت أسعار الكرنب بنسبة 70% في سبتمبر 2024 مقارنة بالعام السابق، نتيجة موجة حر شديدة، وفي المكسيك، تسببت واحدة من أشد موجات الجفاف منذ عقد في زيادة حادة في أسعار الفواكه والخضروات، الأمر الذي انعكس سلبًا على النظام الغذائي للأسر الفقيرة، وقد تكرر المشهد نفسه في اليابان، حيث ارتفعت أسعار الأرز بنسبة 48% بعد صيف كان الأشد حرارة منذ عام 1946.
تداعيات أزمة ارتفاع الأسعار
هذه التحولات لا تهدد فقط الصحة الفردية، وإنما تُنذر بأزمات صحية وطنية تتطلب أنظمة رعاية أكثر استعدادًا؛ فالغذاء الصحي بات رفاهية للكثيرين، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل أصبح التغير المناخي تهديدًا صحيًّا من نوع جديد؟ ووفقًا للدراسة، فإن هذه التداعيات قد تؤدي إلى “سلسلة مخاطر مجتمعية”، حيث يصبح غلاء أسعار الغذاء أحد العوامل التي تسهم في تفاقم الفقر، وتراجع جودة الحياة، وتضخم العبء الصحي، وهذه كلها عوائق مباشرة أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خصوصًا الهدف (2) الخاص بالقضاء على الجوع، والهدف (3) المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.

نحو نظم غذائية قادرة على الصمود
تتقاطع أزمات الغذاء والمناخ والصحة والسياسة في مشهد عالمي معقد، يفرض علينا مراجعة شاملة لكيفية إنتاج غذائنا وتوزيعه واستهلاكه، في ضوء تحديات بيئية متسارعة تتطلب حلولًا عادلة ومستدامة، من أجل أن نجعل نظمنا الغذائية أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ؛ فالأمن الغذائي لم يعد يتطلب فقط الإنتاج والتوزيع، وإنما الحماية من الظواهر الجوية المتطرفة، وتطوير سياسات مرنة، وشبكات أمان اجتماعي قوية، تتوافق مع الهدف (16) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالسلام والعدل والمؤسسات القوية.
الزراعة المستدامة خط دفاع أول
في مواجهة هذا الواقع المقلق، تأتي الزراعة المستدامة باعتبارها من أهم أدوات التكيف مع الأزمة؛ فالتحول نحو نظم غذائية مرنة وقادرة على الصمود أمام تغير المناخ بات ضرورة، ويشمل هذا التحول الاعتماد على تقنيات الزراعة الذكية مناخيًّا، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير أصناف زراعية مقاومة للحرارة والجفاف.

جهود دولية لإعادة تصميم النظام الغذائي
المبادرات العالمية مثل مؤتمر “استعراض أنظمة الغذاء”ــ(UN Food Systems Summit Stocktake)ــ الذي يُعقد في أديس أبابا، تسعى إلى توحيد جهود الدول من أجل تعزيز الأمن الغذائي العالمي، ومن المنتظر أن يشهد هذا المؤتمر مشاركة رفيعة المستوى لمناقشة المخاطر المناخية التي تهدد استقرار سلاسل الإمداد الغذائية؛ فمثل هذه اللقاءات تمثل فرصة لإعادة تصميم نظام غذائي عالمي أكثر عدلًا واستدامة.
خفض الانبعاثات ضرورة غذائية وإنسانية
وفي هذا السياق، يُعد خفض الانبعاثات الكربونية خطوة حاسمة؛ فكل يوم نتأخر فيه عن بلوغ الحياد الكربوني يعني موجات حر أشد، ومحاصيل أقل، وأسعار أعلى؛ لذا فإن الوصول إلى “صفر انبعاثات” لم يعد خيارًا بيئيًّا فقط، وإنما أصبح اليوم خيارًا اقتصاديًّا وإنسانيًّا أيضًا، يخدم أهداف التنمية المستدامة من القضاء على الجوع إلى التخفيف من آثار تغير المناخ.
وختامًا، فإنَّ ما يكشفه هذا الترابط العميق بين تغير المناخ والأمن الغذائي والصحة العالمية هو سلسلة متكاملة من التهديدات التي يتسبب فيها ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، حيث يعيد تغير المناخ تشكيل معادلات الاقتصاد والسياسة والصحة، واضعًا البشريةَ أمام اختبار وجودي يتجاوز الكوارث الطبيعية إلى تفكيك أسس الاستقرار الاجتماعي.
ولذلك تؤكد مؤسسة حماة الأرض ضرورةَ إعادة تعريف الأمن القومي في ظل مناخ مضطرب، بحيث يشمل صمود سلاسل الإمداد الغذائية، وعدالة الوصول إلى الغذاء الصحي، والوقاية من موجات الغلاء التي تُهدد الفئات الأكثر هشاشةً؛ من أجل تحقيق الكرامة الإنسانية والبقاء العادل للجميع.




