علوم مستدامة

كيف تؤثر موجات الحر في دماغ الإنسان؟ حقائق صادمة تكشفها أزمة المناخ

موجات الحر

كيف تؤثر موجات الحر في دماغ الإنسان؟ حقائق صادمة تكشفها أزمة المناخ

مع ارتفاع درجات الحرارة التي باتت أكثر قسوة وامتدادًا بفعل تغير المناخ، بدأ العلماء يدقون ناقوس الخطر حول تأثير هذا الاضطراب المناخي في أحد أهم أعضاء الجسم: الدماغ. من الإرهاق العقلي وانعدام التركيز إلى تفاقم أمراض عصبية خطيرة، يبدو أن موجات الحر باتت تشكل تهديدًا مباشرًا لقدراتنا الإدراكية والنفسية، وربما لتوازننا العصبي.

الحرارة التي لطالما ارتبطت بمخاوف الجفاف والحرائق والانقطاعات الكهربائية، تحولت اليوم إلى محور لتساؤلات طبية تتجاوز آثارها البيئية المعتادة لتطرق أبواب الدماغ البشري نفسه؛ إذ تتزايد المخاوف من أن موجات الحر الشديدة تضغط على قدراتنا العصبية ومهاراتنا في التفكير واتخاذ القرار، وهو ما بدأت ملامحه تتجلى بوضوح في عيادات الأعصاب، ومراكز الأبحاث، وفي قصص إنسانية تُشكّل جرس إنذار جماعي.

درجات الحرارة

موجات الحر تضرب أدمغة الأطفال

ومن بين هذه القصص قصة الطفل “جيك” التي نشرها موقع “بي بي سي” البريطاني، حيث لم يكن قد أتم عامه الأول عندما بدأت نوبات الصرع تُهاجمه مع اشتداد حرارة الصيف، ومع تكرار الحالة اتضح أنها ليست عرضًا عابرًا وإنما نمطًا موسميًّا مرتبطًا بارتفاع درجات الحرارة؛ لينتهي الأمر بتشخيص إصابته بمتلازمة نادرة تُعرف بـ”درافيت” (بالإنجليزية: Dravet syndrome)، وهي حالة تجعل الدماغ هشًّا أمام أي تغير حراري، وتعجز فيها الأعصاب عن الحفاظ على توازنها.

وما يجعل الأمر أكثر خطورة أن حالة الطفل “جيك” ليست استثناءً؛ فأطباء الأعصاب -منهم البروفيسور “سانجاي سيسوديا” من جامعة لندن- يؤكدون أن اضطراباته ليست سوى نموذج لعشرات الحالات العصبية، التي تتفاقم مع كل موجة حر، بدءًا من أنواع معينة من الصرع وصولًا إلى السكتات الدماغية والاضطرابات النفسية، وفي كل صيف ترتفع فيه الحرارة تتضاعف زيارات الطوارئ للمستشفيات، في حين تظهر مؤشرات مقلقة على أن الدماغ البشري بدأ ينهار تدريجيًّا تحت ضغط المناخ الجديد.

السكتات الدماغية والاضطرابات النفسية

العمليات الذهنية تولد حرارة إضافية

على الرغم من أن درجة حرارة الدماغ البشري لا تختلف كثيرًا عن حرارة الجسم، فإنه من أكثر الأعضاء إنتاجًا للحرارة الداخلية نتيجة لطبيعته عالية النشاط. التفكير، والتذكر، والانفعالات، كلها عمليات تولد حرارة إضافية، ويحتاج الجسم إلى آلية دقيقة لتبريد الدماغ عبر الأوعية الدموية. وعندما تخرج درجات الحرارة عن السيطرة -كما في أيام الصيف الحالية- تصبح هذه الآلية غير كافية، وقد يؤدي ذلك إلى اختلالات في الإشارات العصبية.

وينتج عن ذلك تغير في المزاج، وتراجع في التركيز، وضعف في اتخاذ القرار، وربما اضطرابات أكثر عمقًا. وقد أكدت دراسات حديثة أن موجات الحر تؤثر على إفراز بعض الجزيئات المسئولة عن نقل الإشارات العصبية، وهو ما قد يجعل الدماغ يعمل كساعة خُلعت منها بعض التروس، بناءً على وصف “سيسوديا”، ويضيف قائلا: «إنَّ أكثر المتأثرين هم أولئك الذين يعانون أصلًا من أمراض عصبية، حيث تكون قدرتهم على التعرق أو تنظيم حرارة أجسامهم محدودةً».

الأدوية قد تزيد خطر الحرارة

والعجيب في الأمر هو أنَّ الأدوية قد تصبح جزءًا من المشكلة؛ فبعض العلاجات النفسية والعصبية تؤثر في مراكز تنظيم الحرارة، وهو ما يجعل المرضى عرضة لحالات مثل “الإجهاد الحراري” أو ضربة الشمس، وتزداد هذه الخطورة حين تقترن الحرارة المرتفعة بسوء النوم، وهي حالة شائعة في فصول الصيف؛ مما يجعل أعراض التشنجات أو نوبات الصرع أكثر حدة.

ولا تتوقف الآثار عند هذا الحد؛ ففي حالات الخرف مثل الزهايمر، يُلاحظ ارتفاع معدلات الدخول إلى المستشفيات أثناء موجات الحر، لا بسبب الحرارة وحدها، وإنما لأن كبار السن يصبحون أقل قدرة على التفاعل مع التغيرات البيئية، وقد ينسون مثلًا شرب الماء أو تشغيل أجهزة التبريد، ويعني هذا أن موجات الحر لا تهاجم الأدمغة فقط، وإنما تُسقط مناعتنا السلوكية والإدراكية أيضًا.

الأطفال الرضع والنساء الحوامل ضحايا تغير المناخ

في قلب هذه الأزمة، هناك فئات أكثر هشاشة لا تكاد تُذكر في معظم النقاشات، كالأطفال الرُضع، والنساء الحوامل، حيث تظهر الدراسات أن موجات الحر الشديدة ترتبط بازدياد حالات الولادة المبكرة بنسبة قد تصل إلى 26%، وهو عامل خطر كبير على نمو الدماغ لدى الأجنة، وهذه الولادات المبكرة قد تؤدي لاحقًا إلى صعوبات إدراكية، كتأخر في النطق، أو اضطرابات عصبية كامنة لا تظهر إلا بعد سنوات.

وتشير الأستاذة “جين هيرست” من كلية إمبريال البريطانية، إلى أن هناك الكثير مما نجهله عن الفئات الأكثر عرضة للخطر؛ فمع وجود أكثر من 130 مليون ولادة سنويًّا، معظمها في مناطق حارة وفقيرة، فإن الحرارة قد تكون عاملًا مهددًا للنمو العصبي في مراحل حاسمة من التكوين.

ولا يقتصر الخطر على ارتفاع الحرارة وحده؛ إذ يسهم تغيّر المناخ أيضًا في توسيع نطاق انتشار فيروسات تنقلها الحشرات، مثل: زيكا وحمى الضنك، وهي فيروسات قادرة على إصابة الجهاز العصبي للمواليد بشكل مباشر. ومع امتداد مواسم تكاثر البعوض بفعل ارتفاع درجات الحرارة، تتزايد احتمالات انتقال هذه الأمراض في بيئات تفتقر إلى أنظمة صحية قادرة على المواجهة؛ مما يضاعف من حجم التهديد على النمو العصبي في مراحله الأولى.

الأطفال الرضع والنساء الحوامل ضحايا تغير المناخ

موجات الحر تدفع أدمغتنا نحو الخطر

مع كل صيف جديد، تتضح صورة هذا الخطر الخفي، حيث تتزايد حالات السكتات الدماغية، وترتفع معدلات الاكتئاب، وربما تنتشر ظاهرة “القلق المناخي”، وهو اضطراب نفسي يولده الخوف من مصير الأرض واحتباسها الحراري. وفي حين أن بعض الأشخاص قد يتأقلمون مع الحرارة، فإن آخرين يشعرون بأنهم يُختنقون عقليًّا، ويتراجعون نفسيًّا، ويُصبحون أكثر عرضة للهشاشة العصبية.

وهنا يأتي دور العلم في محاولة فك لغز هذه الظاهرة؛ إذ يرجع بعض الباحثين التفاوتات في التأثر بموجات الحر إلى اختلافات جينية تجعل بعض الأدمغة أكثر هشاشة أمام الحرارة من غيرها، وهو ما قد يتحول مستقبلًا إلى مفتاح لفهم قدرة الإنسان على التأقلم مع مناخ متغير. وربما يصبح ما يعيشه مرضى الأعصاب اليوم تجربة جماعية إذا استمر التغير المناخي بهذه الحدة.

إن ما تكشفه هذه الحقائق لا يتعلق بالصحة الفردية فحسب، وإنما يمس جوهر علاقتنا بالكوكب الذي نعيش عليه؛ فموجات الحر أصبحت مرآة لعجز الأنظمة الصحية والبيئية عن مواكبة تسارع التغير المناخي، ومن هنا تبرز الحاجة إلى نهج يجمع بين البحث العلمي والسياسات الوقائية وحملات التوعية المجتمعية.

ومن هنا ترى مؤسسة حماة الأرض أن التحدي لم يعد حماية الغابات أو السواحل فقط، وإنما حماية الدماغ البشري، باعتباره آخر خطوط الدفاع في معركة البقاء، وهي معركة لا يمكن كسبها إلا إذا أدركنا أن كل ارتفاع في درجات الحرارة يمثل رسالة عاجلة تهدد توازننا البيولوجي، وقدرتنا على التفكير واتخاذ القرارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى