عظماء في تاريخ العلوم.. من اكتشاف الخلية إلى أسرار الكم والإشعاع

عظماء في تاريخ العلوم.. من اكتشاف الخلية إلى أسرار الكم والإشعاع
يحفل تاريخ العلوم بسيرٍ مضيئة لعظماءَ نذروا عقولهم لاكتشاف أسرار الكون وبناء دعائم المعرفة الإنسانية في مجالات عديدة بين الحقب الزمنية المختلفة. ومن بين الذين جمعوا بين الشغف والدقة والإلهام، نسلّط الضوء على ثلاثة من أبرز العلماء الذين قدموا بالعلم إنجازات رائدة ومستدامة.
18 يوليو 1635: روبرت هوك
يُعد “روبرت هوك” أحد أبرز العقول في إنجلترا في القرن السابع عشر، فقد كان فيزيائيًّا ومهندسًا ومخترعًا متعدد المواهب. وُلِد في جزيرة وايت عام 1635، واشتهر بقدرته الفائقة على الربط بين الملاحظة الدقيقة والتجريب المنهجي؛ وهو ما جعله من رواد المنهج العلمي الحديث.
كان “هوك” أولَ مَن استخدم مصطلح الخلية (Cell) في وصف البنية الميكروسكوبية للكائنات الحية، وذلك عندما فحص شرائح من الفلين عبر الميكروسكوب الذي قام بتطويره بنفسه، ففتح الباب أمام نشأة علم الأحياء الدقيقة. كما وضع “قانون هوك للمرونة”، الذي يصف العلاقة بين القوة والاستطالة في الأجسام الصلبة، وهو قانون أساسي في الفيزياء والهندسة إلى اليوم.
ثم امتدت إسهاماته إلى مجالات الفلك والميكانيكا، حتى مجال العمارة الذي أسهم فيه بتصميم عددٍ من المباني بعد حريق لندن الكبير سنة 1666؛ ليكون “هوك” بتلك الإسهامات المتنوعة نموذجًا للعالم الموسوعي الذي جمع بين الخيال العلمي والتطبيق العملي، فكان بحقٍّ من أوائل من مهدوا للثورة العلمية الكبرى في أوروبا.
15 أغسطس 1892: لويس دي بروي
وُلِد الفيزيائي الفرنسي “لويس فيكتور دي بروي” في مدينة دييب -شمال فرنسا- عام 1892، في أسرة أرستقراطية عُرفت باهتمامها بالثقافة والعلم. وبالرغم من دراسته الأولى في تاريخ العلوم والفلسفة فإنَّ سِحر الفيزياء النظرية قد جذبه بشدة؛ فغاص في أعماقها حتى غيَّر مسارها جذريًّا.
في أطروحته العلمية عام 1924 قدِّم “دي بروي” فكرته الثورية عن ازدواجية الموجة والجسيم، مؤكدًا أنَّ كل جسيم مادي يمكن أن يُظهِر خصائصَ الموجة تحت ظروف معينة، وهو المفهوم الذي شكَّل حجر الأساس لميكانيكا الكم الحديثة. وقد أُثبتت فرضيته بشكل تجريبي -لاحقًا- عبر حيود الإلكترونات؛ فاستحق ذلك -عن جدارة- جائزةَ نوبل في الفيزياء عام 1929.
أيضًا، تميَّز “دي بروي” بتفكيره الفلسفي حول العلاقة بين المادة والطاقة، ورؤيته العميقة لوحدة الطبيعة، فجمع بين العقل الرياضيّ والحدس الفلسفيّ، وجعل من الفيزياء علمًا يتجاوز الحسابات إلى التأمل في بنية الوجود ذاته.
12 سبتمبر 1897: إيرين جوليو كوري
هي ابنة العالِمينِ العظيمينِ “بيير وماري كوري“، ووريثة نادرة لعبقريتهما العلمية. وقد ُلِدت “إيرين جوليو كوري” في باريس عام 1897، وتربَّت في بيئة يملؤها حب البحث والاكتشاف، ثم درست الفيزياء والكيمياء، وعملت في مختبر والدتها، لتبدأ رحلتها في مجال الإشعاع.
في عام 1934 تمكنت “إيرين” مع زوجها “فريدريك جوليو” من اكتشاف النشاط الإشعاعي الصناعي، عندما نجحَا في إنتاج نظائر مُشعَّة لعناصر غير مُشعَّة طبيعيًّا، وهو إنجاز فتح الباب أمام تطبيقات طبية وصناعية هائلة، خصوصًا في علاج السرطان، وتشخيص الأمراض؛ ولذلك حصلت “إيرين” على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1935، لتصبح واحدةً مِن بين عدد قليل من النساء اللواتي حصلنَ على هذه الجائزة في ذلك العصر.
كذلك تميَّزت “إيرين” بشجاعتها في الدفاع عن دور المرأة في البحث العلمي، وإيمانها العميق بأنَّ العلم رسالة إنسانية في خدمة الحياة، لا مجرد أداة للمعرفة. وبالرغم من إصابتها بتسمم إشعاعي لاحقًا فإنها واصلت بحوثها حتى آخر أيامها، لتبقى مثالًا للعالمة التي مزجت بين الإرادة والعطاء.
وهكذا نكون قد استعرضنا ثلاثَ صفحات خالدة من تاريخ العلوم؛ صفحات خُطَّت بأيدي روادٍ جمعوا بين الإبداع والمثابرة؛ مِن “روبرت هوك” الذي فتح نافذة على الخلية، إلى “لويس دي بروي” الذي كشف ازدواجية المادة والموجة، وصولًا إلى “إيرين جوليو كوري” التي جعلت من النشاط الإشعاعي طاقة للشفاء. هؤلاء العظماء الذين غيَّروا وجه تاريخ العلوم، وصنعوا بجهودهم جسورًا بين الماضي والمستقبل؛ فكانوا -بحقٍّ- حماة الأرض وحراس المعرفة عبر العصور.




