علوم مستدامة

خارج الصندوق.. هل تتحول فضلات الإنسان إلى وقود؟

فضلات الإنسان

خارج الصندوق.. هل تتحول فضلات الإنسان إلى وقود؟

في خطوة بحثية تحمل بُعدًا ثوريًّا، يعمل عدد من المراكز العلمية حول العالم على تطوير تقنية جديدة تستفيد من فضلات الإنسان، وخاصة البول؛ لتكون مصدرًا لإنتاج الكهرباء ومعالجة المياه في وقت واحد. الفكرة تقوم على استثمار مورد طبيعي متجدد، وتحويله من عنصر مهمل إلى جزء من منظومة الطاقة النظيفة.

ومع التقدم في هذه التجارب، اتجهت الأنظار إلى الأنظمة البيولوجية التي توظف كائنات دقيقة لتحويل المركبات العضوية إلى طاقة داخل بيئة محكمة، وقد ركز الباحثون على فهم تفاعلات هذه الكائنات مع مكونات البول لاستغلالها في توليد تيار كهربائي واسترجاع عناصر حيوية تدعم الاستخدامات الزراعية والصناعية.

كيف يتحول البول إلى كهرباء نظيفة؟

تعتمد هذه الأبحاث على خلايا الوقود الميكروبية (MFCs)، وهي أنظمة حيوية تستخدم بكتيريا دقيقة قادرة على تحويل المركبات العضوية في البول إلى طاقة كهربائية. تنمو هذه البكتيريا على أقطاب الخلية، وأثناء تغذيتها على مكونات البولِ تطلق إلكترونات تنتقل عبر دائرة كهربائية لتوليد تيار يمكن الاستفادة منه. وفي أثناء هذه العملية، تسهم التقنية في تنقية البولِ من ملوثاته واسترجاع عناصر مهمة، مثل: النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، داخل نظام بيئي صغير يعمل بموارد طبيعية ويوفر كهرباء نظيفة مع إعادة تدوير المياه.

تحمل هذه التكنولوجيا تصورًا لمستقبل تتحول فيه المراحيض إلى وحدات لإنتاج الطاقة، وتتمكن المنازل الصغيرة من توليد جزء من احتياجاتها الكهربائية اعتمادًا على مخلفاتها. ويتوافق هذا الاتجاه مع أهداف التنمية المستدامة التي تشجع على إدارة المياه والنفايات بطرق أكثر كفاءة؛ إذ يشكل استخدام البولِ في خلايا الوقود الميكروبية (MFCs) خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد دائري متكامل.

من الفضلات إلى الأسمدة

فإلى جانب قدرته على توليد الكهرباء، يكشف هذا المورد البشري عن إمكانات زراعية غير مستغلة بعد؛ إذ يحتوي البول على نسب مرتفعة من النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وهي العناصر الأساسية التي تدخل في تركيب الأسمدة (NPK)، ومع المعالجة الحيوية المناسبة، يمكن تحويله إلى بديل طبيعي يقلل الحاجة إلى المصانع الكيميائية باهظة التكلفة ومرتفعة الأثر البيئي.

وتشير الدراسات إلى أن البول بعد خضوعه للتفاعلات البكتيرية اللازمة يصبح أكثر قابلية للامتصاص من قِبل النباتات مقارنة بالأسمدة الصناعية، وهذا ما يعزز إنتاجية التربة دون الإضرار بالمياه الجوفية أو إدخال مركبات كيميائية تُخلّ بتوازن النظم البيئية، وبهذا يتحول مصدر بسيط ومتجدد إلى عنصر داعم للزراعة المستدامة وحماية الموارد الطبيعية.

فضلات الإنسان

استخدام البول في إنتاج طوب بيولوجي

علاوة على ذلك، يمكن الاستفادة من البولِ لإنتاج طوب بيولوجي؛ فبواسطة بكتيريا منتجة لإنزيم اليورياز (إنزيم موجود بكميات كبيرة في فول الصويا والأنسجة الحيوانية)، يتفكك البول لتتفاعل أيونات الكربونات مع الكالسيوم، منتجة كربونات الكالسيوم التي تُستخدم في ربط حبيبات الرمل، وينتج عن ذلك نوع مستدام من طوب البناء، والذي ينشأ من “نفاية” بشرية دون استهلاك طاقة حرارية أو إطلاق ثاني أكسيد الكربون.

لماذا يعد البول مصدرًا للطاقة النظيفة؟

قد يبدو هذا التساؤل طبيعيًّا؛ إذ إن هناك الكثير من أنواع النفايات العضوية، مثل روث الحيوانات أو مخلفات الطعام؛ فما الذي يجعل استخدام البول مميزًا؟ الإجابة عن ذلك تتمثل في أن الدراسات العلمية أثبتت أن البولَ يتمتع بخصائص تجعله أكثر كفاءة في خلايا الوقود الميكروبية، حيث يتميز بتركيبة غنية بالعناصر المغذية، كما يتميز بسهولة تحلله البكتيري، وهذا ما يجعله قادرًا على إنتاج طاقة نظيفة وفي الوقت نفسه توفير مغذيات يمكن إعادة استخدامها زراعيًّا.

وعلى عكس أنواع النفايات الأخرى التي غالبًا ما تخلّف مواد جانبية صعبة المعالجة، يُعد البول من الفئة “النظيفة نسبيًّا”، حيث لا ينتج عنه مخلّفات ضارة ويحقق كفاءة أعلى في توليد الكهرباء داخل هذه الخلايا، كما أن توافره اليومي بكميات ضخمة في البيئات الحضرية والريفية على حد سواء يمنحه ميزة إضافية؛ إذ يمكن جمعه ومعالجته بسهولة بدلًا من فقدانه في شبكات الصرف الصحي.

ومع تطور التصميمات الهندسية لخلايا الوقود الميكروبية، أصبح من الممكن تكييف هذه الأنظمة للعمل في أماكن محدودة الإمكانيات، وهذا ما يجعل البولَ مصدرًا عمليًّا للطاقة في المجتمعات غير المزوّدة بالكهرباء وحتى في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية، وهذه الخصائص مجتمعة تضعه في موقع مميز ضمن البدائل البيولوجية لتوليد الطاقة النظيفة.

تطبيق تقنية تحويل البول إلى طاقة نظيفة

تشير أبحاث خلايا الوقود الميكروبية إلى أن تحويل البولِ إلى مصدر للطاقة تجاوز كونه تجربة مخبرية؛ لصبح قريبًا من التطبيق العملي، حيث تعمل الفرق البحثية على تطوير تصميم الخلايا وتحسين أداء البكتيريا المستخدمة، إلى جانب خفض تكلفة الإنتاج لتسهيل نشر التقنية على نطاق واسع.

وتقترح الدراسات إمكانية جمع البولِ من مرافق جماعية مثل المدارس أو المراحيض العامة لتوليد الكهرباء بشكل عملي وبتكلفة منخفضة، وهو ما يعزز الفوائد الاقتصادية والبيئية للمشروع، كما يبحث العلماء في دمج البولِ مع نفايات أخرى لمعالجة الملوثات الصناعية؛ مما يجعل التقنية أداة مزدوجة لإنتاج الطاقة وحماية البيئة في آن واحد.

وختامًا تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن تحويل البول إلى مصدر للطاقة والأسمدة يعكس تحولًا جذريًّا في إدارة الموارد، حيث تتحول المواد المهملة إلى قيمة اقتصادية وبيئية عالية. هذا التوجه يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويقدم نموذجًا عمليًّا يربط بين إنتاج الطاقة النظيفة وتحقيق الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد المائية؛ مما يجعله خطوة متقدمة في مسار التنمية المستدامة.

ونجاح هذه التقنية في الانتقال من المختبرات إلى الاستخدام المجتمعي يوفر فرصة لتقليل الضغط على شبكات الطاقة والمياه، مع تعزيز الإنتاج الزراعي بطرق صديقة للبيئة، كما يفتح المجال أمام سياسات جديدة تعيد تصميم العلاقة بين الإنسان وموارده الطبيعية؛ مما يجعل من هذا الابتكار ركيزة لدعم أنظمة أكثر توازنًا بين التنمية الاقتصادية وحماية النظم البيئية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى