علوم مستدامة

تحديات تواجه قطاع الزراعة في إفريقيا.. فأين يكمن الحل؟

الزراعة في أفريقيا

تحديات تواجه قطاع الزراعة في إفريقيا.. فأين يكمن الحل؟

تشهد الزراعة في إفريقيا مفارقة حادة؛ فعلى الرغم من كونها أحد أهم مصادر القوة الكامنة في القارة، فإن حضورها في سوق الأغذية العالمي ما يزال محدودًا، الأمر الذي يكشف عن تحدٍّ تنموي عميق ينعكس على الأمن الغذائي، ومستويات المعيشة، والقدرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويطرح هذا الوضع سؤالًا جوهريًّا حول أسباب تراجع أداء هذا القطاع الحيوي، وكيف يمكن لإفريقيا استعادة موقعها في التجارة الزراعية العالمية.

إمكانات الزراعة في إفريقيا وتحديات الواقع

تمتلك إفريقيا ما يقرب من نصف الأراضي الصالحة للزراعة عالميًّا. وهذه الأراضي في معظمها مناسبة لزراعة المحاصيل، وغير محمية أو مغطاة بالغابات، كما تتميز مناطق واسعة بانخفاض الكثافة السكانية. وتشير دراسة بجامعة ستراثمور أن المناخ الإفريقي يتيح إنتاج ما يصل إلى 80% من الأغذية المستهلكة حول العالم، وهو ما يفترض أن يمنح القارة مكانة تنافسية قوية في التجارة الزراعية.

لكن الواقع مغاير تمامًا؛ فحسب الدراسة نفسها قد تراجعت حصة إفريقيا من الصادرات الزراعية من نحو 8% في ستينيات القرن الماضي إلى 4% فقط في العقد الحالي، وفق بيانات البنك الدولي. هذا التراجع لا يؤثر على الزراعة في إفريقيا فحسب، بل يحدُّ كذلك من قدرة القارة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وخاصة القضاء على الفقر (الهدف 1) والقضاء على الجوع (الهدف 2).

الزراعة

ورغم هذا التحدي، لم تُولِ حكومات كثيرة قضية الصادرات الزراعية الاهتمام المطلوب، فإن القطاع الزراعي لا يحصل إلا على نحو 4% من الإنفاق الحكومي، رغم أنه المساهم الأكبر في الناتج المحلي والعمالة. وترتفع النسبة قليلًا في مالي وجنوب السودان، لكنها تظل أقل من 3% في كينيا وغانا، كما أدى التركيز الواسع على التصنيع باعتباره المسار الأسرع للاندماج العالمي إلى تراجع الاستثمار في تطوير الزراعة في إفريقيا.

وبرغم ذلك، يبقى هذا القطاع قادرًا على قيادة الاندماج الاقتصادي إذا تبنَّت الدول إصلاحات واضحة تشمل: تعزيز التسهيلات التمويلية، وتوثيق ملكية الأراضي، وتطوير سياسات عابرة للحدود، والاستفادة من أدوات التجارة الدولية بفعالية. وتمثل هذه الركائز أساسًا لبناء منظومة زراعية أكثر استدامة وكفاءة، ما يدعم الإنتاج والاستهلاك المسؤولين (الهدف 12)، ويحسّن إدارة الموارد الطبيعية (الهدف 15). وفيما يلي تحليلٌ تفصيلي لكل إصلاح على حدة:

أولًا- تحسين التسهيلات التمويلية

يمثل نقص التمويل العقبة الأبرز أمام توسُّع الزراعة في إفريقيا وتطوير الأعمال الزراعية. فالمؤسسات المالية تتردد في الإقراض بسبب ارتفاع المخاطر، وطول دورة الاستثمار، وضعف الضمانات، بالإضافة إلى تأثر الأرباح بتقلبات الأسعار. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، لا يحصل القطاع الزراعي إلا على نحو 1% من التمويل التجاري، رغم مساهمته بما بين 25% و40% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ترتفع النسبة إلى 6% فقط في نيجيريا وإثيوبيا. كما تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن أسعار الفائدة على القروض الزراعية في أوغندا غالبًا ما تتجاوز ضعف المتوسط الوطني.

ورغم هذا الواقع، تستطيع الحكومات تقليص فجوة التمويل عبر توجيه استثمارات مباشرة للقطاع. ففي عام 2024، خصصت كينيا 7.7 ملايين دولار لدعم صناعة الشاي، بينما نجح مشروع توماتو جوس (Tomato Jos Project) في نيجيريا في خفض واردات معجون الطماطم بنحو 360 مليون دولار سنويًّا، ما يعكس أثر الاستثمار المحلي في تقليل الاعتماد على الواردات.

ويتطلب تعزيز التمويل الزراعي توسيع الإقراض الحكومي، إلى جانب تمكين القطاع الخاص من المشاركة عبر آليات توزيع المخاطر. ويُعد برنامج خولا لضمان الائتمان (Khula Credit Guarantee Scheme) في جنوب إفريقيا نموذجًا فعّالًا لتمويل المزارعين ضعيفي الضمانات من خلال تقديم ضمانات حكومية. وقد جرى تطبيق النموذج نفسه في كينيا وتنزانيا بدعم من الاتحاد الأوروبي والبنوك التنموية، ما عزز قدرة المزارعين على الحصول على التمويل.

وفي المقابل، سجَّل التمويل الخاص نموًّا لافتًا خلال السنوات الأخيرة. فوفقُا للدراسة سالفة الذكر قد جذب كل من نيجيريا وجنوب إفريقيا نحو 500 مليون دولار من استثمارات رأس المال المخاطر في عام 2024. كما شهدت القارة توسعًا سريعًا في تأسيس الشركات الناشئة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بستة أضعاف، بينما تجاوزت قروض منصات الإقراض المصغر 8.5 مليارات دولار، في مؤشر واضح على صعود دور الحلول المالية الابتكارية في دعم القطاع الزراعي.

ثانيًا- توثيق ملكية الأراضي

ما زالت ملكية الأراضي تمثل أحد أكبر التحديات أمام تطوير الزراعة في إفريقيا؛ إذ إن أكثر من 80% من الأراضي الصالحة للزراعة غير موثقة وتُدار بأنظمة عرفية لا ترتبط بإطار قانوني واضح. هذا الوضع يحدّ من قدرة المزارعين على استخدام أراضيهم كضمان للحصول على التمويل، ويُضعف ثقة المستثمرين، ويؤخر عمليات نقل الملكية التي تستغرق ضعف الوقت وتكلف ضعف التكلفة مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وخلال السنوات الماضية، أظهرت إصلاحات متعددة أهمية التوثيق الرسمي للأراضي. ففي إثيوبيا، أدى إصدار شهادات ملكية لنحو 20 مليون مزارع صغير إلى تنشيط سوق الإيجار الزراعي ورفع كفاءة استخدام الأراضي. وفي ملاوي، أسهمت إعادة توزيع ما يقارب 35 ألف فدان في زيادة دخل الأسر بنسبة 40%. أما موزمبيق وأوغندا وليبيريا، فقد اعترفت حكوماتها بالمؤسسات العرفية ضمن الإطار القانوني، مما سهّل إبرام عقود رسمية للأراضي. وفي رواندا، عزز مشروع خرائط الأراضي الشامل مستوى الشفافية، ورفع جاذبية الاستثمار، وحسّن إدارة الموارد الزراعية.

ثالثًا- وضع سياسات عابرة للحدود تُركِّز على متطلبات التصدير

تحتاج الأسواق الإقليمية والعالمية إلى استراتيجيات مختلفة لضمان نجاح الصادرات الزراعية. فعلى سبيل المثال، تستفيد التجارة الداخلية بين دول إفريقيا من القرب الجغرافي وتوحيد اللوائح وتسهيل حركة السلع، وقد أدت إجراءات تبسيط التجارة في مجموعة شرق إفريقيا إلى زيادة صادرات الألبان داخل الإقليم بنحو 65 ضعفًا خلال عقد واحد فقط.

لكن الجزء الأكبر من صادرات قطاع الزراعة في إفريقيا يتجه إلى أسواق خارج القارة، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والخدمات اللوجستية للحفاظ على جودة المنتجات وسرعة وصولها. فقد ارتفعت صادرات السنغال الزراعية بنسبة 20% سنويًّا بعد الاستثمار في الشحن السريع، بينما اعتمد توسع إثيوبيا في زراعة الزهور على تطوير النقل الجوي وسلاسل التبريد.

كما تحتاج السياسات الزراعية إلى أن تكون موجهة حسب المحصول. فقد جعلت الاستراتيجية الكينية لتصدير الأفوكادو البلاد أكبر مُصدِّر في إفريقيا بنمو سنوي قوي ومستقر. وفي مالي، ساعدت سياسة تصدير المانجو في بناء سلسلة قيمة قادرة على المنافسة في الأسواق الأوروبية.

رابعًا- توظيف سياسات التجارة للارتقاء بمستوى المنتجات المصدّرة

ما زالت معظم الصادرات الزراعية الإفريقية تعتمد على المواد الخام منخفضة القيمة. ففي نيجيريا، رغم كونها من أكبر منتجي الطماطم، يُصدَّر أغلب الإنتاج دون إدخاله في أي صناعات محلية، لتعود الدولة وتستورد معجون الطماطم من الخارج. وفي كينيا، ورغم أن الشاي يمثل أهم صادراتها، لا يحمل سوى أقل من 5% منه علامات تجارية محلية، ما يفقده قدرًا كبيرًا من قيمته السوقية. وهنا يأتي دور سياسات التجارة التي يمكنها معالجة هذا الخلل من خلال تحفيز التصنيع المحلي وتطوير المنتجات قبل تصديرها.

ونجحت مجموعة شرق إفريقيا في تقديم نموذج واضح لهذا التحول عبر تطبيق هيكل جمركي متدرِّج خفَّض الرسوم على السلع الوسيطة، مع توفير حماية مدروسة لقطاع تصنيع الأغذية المحلي، ما شجع على زيادة القيمة المضافة داخل الحدود قبل خروج السلع إلى الأسواق الخارجية. ويمكن للحكومات اعتماد سياسات مشابهة، مثل فرض ضرائب أو قيود على تصدير المواد الخام غير المصنعة، لدفع المنتجين نحو تطوير منتجات أعلى جودة.

لكن أي سياسة تجارية لن تحقق نتائج ملموسة ما لم تُدعَّم باستثمارات حقيقية في البنية التصنيعية. فقد حاولت دول مثل بوتسوانا وأوغندا وساحل العاج فرض حظر على تصدير المواد الخام، إلا أن النتائج كانت محدودة بسبب غياب المصانع المتخصصة والبنية التحتية اللازمة لتطوير الصناعات المحلية.

رابعًا- توظيف سياسات التجارة للارتقاء بمستوى المنتجات المصدّرة

تحوُّل حاسم

يمثل قطاع الزراعة في إفريقيا رصيدًا تنمويًّا ضخمًا لم يُستغل كما يجب، رغم ما تمتلكه القارة من أراضٍ واسعة، ومناخ مواتٍ، وطلب محلي يتزايد بوتيرة لافتة. ورغم هذه المقومات، ما زال حضور إفريقيا في التجارة الزراعية العالمية أقل كثيرًا من إمكاناتها، نتيجة تراكمات مؤسسية عطلت نمو القطاع وأضعفت تنافسيته.

ويقدّم هذه المقال أجندة عملية لعكس هذا الاتجاه، تقوم على أربع ركائز واضحة: تعزيز التسهيلات التمويلية، وتوثيق حقوق الأراضي، وتطبيق سياسات عابرة للحدود تدعم حركة السلع الزراعية، إلى جانب توظيف التجارة بشكل يساند التصنيع المحلي. حيث تبنّي هذا التحول كخيار استراتيجي -لا كإجراء مرحلي- هو ما سيمنح القارة قدرة حقيقية على تحرير طاقاتها، وتحسين موقعها الاقتصادي داخليًا، وتعزيز حضورها في سلاسل القيمة العالمية.

تمثل أزمة الزراعة في إفريقيا اليوم نقطة مفصلية في مسار التنمية بالقارة؛ فالنهوض بهذا القطاع لم يعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة لتحقيق أهداف عالمية جوهرية مثل القضاء على الفقر (الهدف 1) والقضاء التام على الجوع (الهدف 2)، إذ إن تعزيز التسهيلات التمويلية، وتوثيق حقوق الأراضي، وتحسين البنية الإقليمية للتجارة، ودعم التصنيع المحلي، تشكِّل جميعها الأساس الذي يمكن أن يُعيد صياغة مستقبل الزراعة الأفريقية.

وترى مؤسسة حماة الأرض أن تمكين المزارعين، وتطوير نظم إنتاج مستدامة، وبناء سلاسل قيمة أكثر عدلًا، هو الطريق الحقيقي لتحويل الإمكانات الزراعية الهائلة في إفريقيا إلى قوة تنموية تُخرج المجتمعات من دائرة الجوع والفقر، وتمنح القارة موقعًا أقوى داخل الاقتصاد العالمي. ومع التحول الجاد نحو سياسات زراعية شاملة، يمكن لإفريقيا أن تقترب خطوة كبيرة من مستقبل أكثر أمنًا غذائيًّا، وأكثر استدامة لأجيالها القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى