علوم مستدامة

تغيرات المناخ تساعد على انتشار الأمراض الوبائية وتهدد التنمية المستدامة

الأوبئة

تغيرات المناخ تساعد على انتشار الأمراض الوبائية وتهدد التنمية المستدامة

مع تسارع تغيرات المناخ في أنحاء العالم، يزداد قلق العلماء بشأن التهديدات الصحية المترتبة على هذه التحولات. ويكمن أبرز هذه التهديدات في الأمراض المنقولة بالنواقل، وعلى رأسها الأمراض التي تنشرها البعوضة، مثل مرض حمى الضنك.

مِن هنا، فإنَّ دراسة حديثة نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (PNAS)؛ قد أطلقت تحذيرًا واضحًا مفاده أنَّ تغيرات المناخ قد تُعجِّلُ بظهور موجات من هذه الأمراض قبل سنوات مما كان متوقعًا، الأمر الذي يفرض على الحكومات والمجتمعات ضرورة التحرك الاستباقي من خلال تعزيز أنظمة الرصد والجاهزية الصحية.

هذا التحذير ليس مجرد قراءة مستقبلية، بل هو إنذار يرتبط مباشرة بواقع تغير المناخ وما يحمله من انعكاسات على الصحة العامة، والاقتصاد، والاستدامة؛ لأنَّ انتشار الأمراض الوبائية يقوِّض -بشكل أو بآخر- الهدفَ الثالثَ من أهداف التنمية المستدامة (الصحة الجيدة والرفاه)، ويرتبط أيضًا بأهداف أخرى، مثل القضاء على الفقر وضمان الأمن الغذائي.

الصحة الجيدة

لذلك كله تسلط حماة الأرض الضوء في السطور القادمة على هذه القضية؛ حتى توضح كيف أنَّ تغيرات المناخ والصحة لا يمكن التعامل معها بشكل منفصل، بل هي منظومة متشابكة تستدعي حلولًا تكاملية؛ فتابعوا القراءة.

تغيرات المناخ تزيد مخاطر الأمراض

يؤكد العلماء أن تغير المناخ ليس وحده العامل الذي يعيد تشكيل خريطة الأمراض المنقولة بالنواقل، بل هناك عنصر آخر يثير قلقًا متزايدًا، وهو التقلبات الداخلية للمناخ (ICV).

وهذه التقلبات تمثل التغيرات الطبيعية التي تحدث في أنماط المناخ بغض النظر عن الانبعاثات أو النشاط البشري، ما يجعلها عاملًا معقدًا يزيد من صعوبة التنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية.

تحذير من مرض حمى الضنك

تشير الدراسة إلى أنَّ التغيرات المناخية قد ترفع أعداد بعوض الزاعجة  (Aedes) الناقلة لحمى الضنك إلى مستويات غير مسبوقة في مناطق لم تكن معرضة لهذه الأمراض سابقًا.

وهذا النوع من البعوض ينتشر في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث سُجلت حالات انتقال محلية لحمى الضنك عام 2023 (تشمل أعراض حمى الضنك ارتفاع حرارة الجسد، والصداع والطفح الجلدي) قرب باريس ولوس أنجلوس.

حتى في المملكة المتحدة تم رصد هذه البعوضة؛ وبذلك يكشف هذا التطور أنَّ مخاطر الأمراض الوبائية لم تعد مقتصرة على المناطق الاستوائية، بل باتت تهدد المدن الكبرى في الشمال أيضًا.

وأمَّا العنصر الأكثر إثارة للقلق فهو أنَّ عدم اليقين المناخي قد يُعجّل بظهور موجات جديدة من الأمراض قبل الموعد المتوقع إذا ما أخذنا في الاعتبار الانبعاثات وحدها؛ فقد قد تواجه لندن -على سبيل المثال- 120 يومًا ملائمًا لانتقال المرض بحلول عام 2038 بدلًا من عام 2047؛ أي قبل تسع سنوات مما كان يُعتقد سابقًا.

إنَّ هذه الديناميكيات تجعل من الضروري إعادة التفكير في كيفية مواجهة التحديات المناخية والصحية بشكل متكامل، وهو ما يتماشى مع مبادئ التنمية المستدامة التي تؤكد على الترابط بين الصحة والبيئة والمجتمع.

تفاصيل الدراسة وأهمية النتائج

اعتمد الباحثون على بيانات طويلة الأمد من محطات الطقس، وأجروا نماذج لتقدير عدد الأيام السنوية المناسبة لانتقال حمى الضنك عبر بعوضة Aedes، وشملت الدراسة مدينةَ لندن بين عامي 2030 و2080، إلى جانب خمس مدن أخرى؛ من أجل ضمان تنوع النتائج ومصداقيتها.

أحد أهم استنتاجات الدراسة أن التقلبات الداخلية للمناخ مسئولة عن نحو 48% من عدم اليقين في التنبؤ بعدد الأيام المناسبة لانتقال الأمراض. وهذا يعني أنه حتى مع وجود نماذج مناخية دقيقة وسيناريوهات للانبعاثات، يبقى عنصر الطبيعة غير المتوقعة، مؤثرًا بدرجة كبيرة في احتمالات تفشي الأوبئة.

محطات الطقس

جوهر السياسات الصحية

كما أظهرت النتائج تباينًا بين المدن المختلفة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى الاختلافات المناخية المحلية. لكن العامل المشترك كان دائمًا هو الحضور القوي للتقلبات المناخية الطبيعية في صياغة المستقبل الصحي.

وهذه النتيجة تحمل دلالة محورية؛ هي أنَّ السياسات الصحية لا يجب أن تعتمد على سيناريوهات الانبعاثات أو على المتوسطات المناخية دون غيرها، بل عليها أنْ تضع في الاعتبار التقلبات المفاجئة التي قد تُنشئ بؤرًا وبائية في وقت قصير.

هذا النوع من الأبحاث يفتح الباب أمام نقاش واسع حول كيفية دمج النماذج المناخية مع السياسات الصحية لتكون أكثر مرونة وقدرة على مواجهة المفاجآت. وهنا يتضح الرابط مع الاستدامة: أنظمة الصحة العامة المستدامة هي تلك التي تُبنى على استباق الأزمات لا على التعامل مع نتائجها فقط.

نحو استجابة متكاملة

أيضًا خلصت الدراسة إلى أن إدماج عنصر التقلبات الداخلية للمناخ في النماذج المستقبلية أمر لا غنى عنه إذا أردنا تقديم صورة أكثر واقعية لصانعي القرار. لكنها أوصت في الوقت نفسه بتوسيع نطاق الدراسات لتشمل عوامل أخرى مثل الهطول والرطوبة والكثافة السكانية، وكذلك استراتيجيات التدخل البشري. فالأمراض المنقولة بالنواقل ليست نتاج المناخ وحده، بل نتاج تفاعل معقد بين الإنسان والطبيعة.

التداعيات الصحية والاستدامة

الأمراض المنقولة بالنواقل مثل حمى الضنك والملاريا ليست مجرد تحديات صحية، بل هي تهديدات متداخلة تطال الاقتصاد، والسياحة، والزراعة، وحتى أنماط الحياة في المجتمعات؛ فعندما ينتشر مرض مثل حمى الضنك في مدينة أوروبية، فإنه يهدد صحة السكان، ويعطل الإنتاجية، ويؤثر في سلوكيات السفر والتجارة.

لذا، فإنَّ المطلوب -وفق نتائج الدراسة- هو تطوير برامج لمراقبة النواقل في نقاط الدخول، مثل المطارات والموانئ، وتعزيز القدرات المخبرية للكشف المبكر، وإطلاق حملات توعية عامة، إلى جانب خطط استجابة سريعة عند ظهور أي حالات.

ومما سبق يجب أنْ ندرك أنَّ ما يطرحه العلماء اليوم ليس مجرد سيناريوهات مستقبلية، بل خريطة طريق واضحة تدعو إلى تحرك عاجل؛ فالتأخر في بناء قدرات الاستجابة قد يعني أنَّ العالم سيواجه أوبئة أكثر انتشارًا، وأعلى تكلفة على المستويات كافةً.

إذنْ، تتطلب مواجهة هذه المخاطر استثمارات طويلة الأمد في البحث العلمي، وفي تعزيز البنية التحتية الصحية، وفي بناء شراكات دولية لمكافحة الأوبئة. وهذه الخطوات ليست مجرد خيار، بل ضرورة لحماية المجتمعات وضمان مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة.

وهنا يبرز دور الاستدامة كإطار شامل؛ إذ يجب أن تكون الحلول عابرة للقطاعات، بدءًا من مكافحة مواقع تكاثر البعوض عبر إدارة أفضل للمياه والنفايات، مرورًا بتعزيز البنية الصحية، وصولًا إلى التعاون الدولي في مراقبة الحدود وتبادل البيانات.

البنية الصحية

لذلك تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن هذه القضية تمثل مثالًا صارخًا على الترابط بين تغيرات المناخ والصحة والتنمية المستدامة كلها. وإذا لم نأخذ في الحسبان هذه التفاعلات المعقدة، فإننا نُعرّض جهودنا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للخطر. مع ذلك، فإن الاستثمار المبكر في الجاهزية الصحية والبيئية يقدم فرصة حقيقية لحماية الإنسان والطبيعة معًا، وبناء عالم أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى