الاستدامة والقانون

تغير المناخ في ميزان القانون الدولي: تشابكات مع التنمية وحقوق الإنسان

المناخ

تغير المناخ في ميزان القانون الدولي: تشابكات مع التنمية وحقوق الإنسان

في العقود الأخيرة، لم يعد تغيّر المناخ مجرد مشكلة بيئية تهدد الغابات والأنهار، بل أصبح قضية قانونية تؤثر في العلاقات بين الدول؛ فقد دخلت هذه الأزمة في صلب القانون الدولي، وفرضت تحديات جديدة على القواعد التي تنظم مسئوليات الدول تجاه حماية البيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

من اتفاقية باريس التي تؤكد المسئولية المشتركة، إلى قضايا اللاجئين بسبب الكوارث البيئية، أصبح تغيّر المناخ مرتبطًا بالعديد من فروع القانون، وتشمل هذه الروابط حقوق الإنسان، وتسوية النزاعات، ومشكلات التجارة والاستثمار؛ مما يدفعنا إلى التساؤل: هل قوانيننا الحالية كافية لمواجهة هذه التغيرات؟

في هذا المقال، سوف تتناول حماة الأرض الإجابة عن هذا التساؤل، مسلطة الضوء على العلاقة بين تغيّر المناخ والقانون الدولي، وتستعرض أهم الأطر القانونية والتحديات والمبادرات في هذا المجال، كما تطرح رؤى مهمة حول العدالة البيئية ومستقبلها في ظل تسارع آثار تغيّر المناخ؛ فتابعوا القراءة.

تغير المناخ وأهميته في القانون الدولي

لعل أول ما يجب التوقف عنده هو النظام الدولي لتغيّر المناخ الذي ينظم الاستجابة العالمية لتغيّر المناخ؛ إذ يُعتبر هذا النظام من أكثر الأُطُر القانونية تطورًا في العلاقات الدولية، وقد بدأ باتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC) لعام 1992، التي وضعت إطار التعاون الدولي لمواجهة الأزمة، وأدت إلى إنشاء هيئات مثل مؤتمر الأطراف (COP) لمتابعة التقدم ومناقشة الإجراءات المستقبلية.

وبعد ذلك -وتحديدًا في عام 1997- تم اعتماد بروتوكول كيوتو الذي فرض على الدول الصناعية التزامات محددة لخفض الانبعاثات، غير أن البروتوكول واجه انتقادات عديدة بسبب استثنائه الدول النامية وضعف الالتزام من بعض الأطراف. ونتيجةً لذلك، جاءت اتفاقية باريس في 2015 لتعيد هيكلة النظام القانوني بأسس أكثر مرونة، حيث اعتمدت على تعهدات وطنية قابلة للمراجعة كل خمس سنوات، مع التركيز على الشفافية والتعاون بدلًا من فرض عقوبات قانونية.

تغير المناخ وأهميته في القانون الدولي

ومع توسّع تطبيق اتفاقية باريس، واجهت الدول النامية تحديات تتعلق بالتمويل والدعم التكنولوجي اللازم للوفاء بتعهداتها، ورغم أن المادة 9 من الاتفاقية تُلزم الدول المتقدمة بتقديم هذا الدعم، فإن التقدم في هذا المجال لا يزال محدودًا؛ مما يثير تساؤلات حول مدى عدالة النظام القانوني القائم.

تغيّر المناخ وأهداف التنمية المستدامة

ورغم أن تغير المناخ يُصنَّف ضمن التحديات البيئية، فإن آثاره تمتد لتطال صميم النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان. وهنا تبرز العلاقة بين تغير المناخ والتنمية المستدامة، التي تشكّل الإطار الأوسع الذي تُصاغ في ظله السياسات الوطنية والدولية؛ فالمناخ المستقر هو شرط أساسي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من القضاء على الفقر، إلى تحقيق الأمن الغذائي والصحي، وصولًا إلى التنمية الاقتصادية العادلة.

ويُعد الهدف (13) من أهداف التنمية المستدامة الذي يدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره، دلالة صريحة على هذه العلاقة التبادلية. كما أن غالبية الأهداف الأخرى، مثل الصحة والتعليم والمياه والعمل اللائق، تتأثر سلبًا بتداعيات المناخ إذا تُركت دون تنظيم قانوني عابر للحدود. ومن هنا فإن الإطار القانوني الدولي المعني بالمناخ لا يمكن فصله عن الجهود الأشمل للتنمية المستدامة، سواء من حيث التخطيط أو من حيث التمويل والمسئوليات المشتركة.

ويمثّل هذا الترابط نقطة انطلاق ضرورية لفهم كيف تتقاطع المجالات القانونية المختلفة مع قضية المناخ، سواء في حماية حقوق الإنسان، أو في تنظيم حركة النزوح، أو في تقنين التجارة والاستثمار؛ لذلك فإن استيعاب البُعد التنموي للمناخ يهيئ لفهم أعمق للتشريعات الدولية التي تسعى إلى معالجة هذا التحدي المركب بطريقة متكاملة.

تغيّر المناخ والقانون الدولي لحقوق الإنسان

ومن هذا المنطلق، يُعد تغيّر المناخ أحد أبرز التحديات التي تواجه القانون الدولي لحقوق الإنسان، نظرًا لما يسببه من تهديد مباشر للعديد من الحقوق الأساسية، وفي مقدّمتها الحق في الحياة، والصحة، والغذاء، والمياه، والسكن، وهي حقوق يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد أكد مجلس حقوق الإنسان مرارًا أن التدهور البيئي الناتج عن تغيّر المناخ يفاقم معاناة الفئات الأكثر ضعفًا؛ مما دفع إلى تعزيز الربط بين الحقوق البيئية والحقوق الإنسانية لتحقيق المساءلة والعدالة.

أكد مجلس حقوق الإنسان مرارًا أن التدهور البيئي الناتج عن تغيّر المناخ يفاقم معاناة الفئات الأكثر ضعفًا

وفي هذا السياق، شكّل قرار لجنة حقوق الإنسان الأممية عام 2022 نقلة نوعية؛ إذ اعتبرت أن الدول التي لا تتخذ إجراءات كافية للحد من آثار تغير المناخ قد تكون منتهكة لحقوق الإنسان، وهذا القرار فتح الباب أمام مقاضاة الدول على أساس التقاعس المناخي؛ مما قوّى موقف الفئات المتضررة في المطالبة بالإنصاف.

وقد بدأت المحاكم حول العالم في الاستناد إلى هذا التوجه، لا سيما في قضايا نوعية تتعلق بتقصير الحكومات في حماية المناخ، كما في قضية (Urgenda) في هولندا، حيث ألزمت المحكمة الحكومة باتخاذ خطوات مناخية أكثر جدية بناءً على التزاماتها الحقوقية، ومثل هذه السوابق القانونية تُمهد الطريق لعصر جديد من التقاضي المناخي القائم على مبادئ حقوق الإنسان.

تغيّر المناخ والهجرة والنزوح

ومن بين أبرز الحقوق التي تتعرض للانتهاك نتيجة تغير المناخ، يبرز الحق في الاستقرار المكاني؛ إذ تدفع الكوارث البيئية المتزايدة الملايين إلى النزوح قسرًا، في ظاهرة باتت تُعرف بالهجرة المناخية، حيث أدت الظواهر المناخية القاسية مثل ارتفاع منسوب البحر، وندرة المياه، وتدهور الأراضي إلى تصاعد هذه الظاهرة؛ مما يفرض ضغوطًا جديدة على النظام القانوني والسياسي الدولي، خاصة في ظل غياب آليات فعالة للتعامل مع موجات النزوح المناخي الواسعة.

لا يعترف القانون الدولي صراحةً بفئة

ورغم خطورة الوضع، لا يعترف القانون الدولي صراحةً بفئة “اللاجئين المناخيين”؛ مما يترك ملايين المتضررين بلا حماية قانونية واضحة، نظرًا لأن اتفاقية جنيف لعام 1951 لا تعتبر الكوارث البيئية سببًا للجوء. ووسط تقديرات أممية بأن أكثر من 216 مليون شخص قد يُجبرون على النزوح الداخلي بحلول عام 2050، يزداد الضغط لإصلاح الأطر القانونية الدولية.

تغيّر المناخ والقانون التجاري والاستثماري الدولي

وفي الوقت الذي تتعلق بعض آثار تغيّر المناخ بحقوق الإنسان والاستقرار المجتمعي، فإن آثاره الأخرى تمتد إلى المجال الاقتصادي العالمي، لتُحدث توترًا متزايدًا بين السياسات المناخية والأنظمة التجارية والاستثمارية القائمة، ويشكل التوتر بين الالتزامات المناخية والقواعد التجارية الدولية تحديًا قانونيًّا في ظل جهود الدول للحد من الانبعاثات.

ففي حين تسعى الدول إلى فرض قيود على الانبعاثات أو دعم الطاقة المتجددة، تواجه هذه السياسات أحيانًا اعتراضات في المنتديات التجارية الدولية باعتبارها قد تخالف مبدأ المعاملة المتساوية أو تشكل حماية تجارية غير مشروعة، كما حدث في النزاع بين الهند والولايات المتحدة حول سياسات التصنيع المحلي للألواح الشمسية أمام منظمة التجارة العالمية.

6 تغيّر المناخ والقانون التجاري والاستثماري الدولي

ومع تفاقم هذه التحديات، بدأ إدراج بنود خاصة بالعمل المناخي في الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية، مثل اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وكندا (CETA) التي تحتوي على بند ينص على التزام الطرفين باتفاقية باريس للمناخ؛ مما يعكس توجهًا نحو تنسيق السياسات التجارية مع الالتزامات البيئية. ومن جهة أخرى، أثارت السياسات المناخية نزاعات بين الدول والمستثمرين، حيث يلجأ المستثمرون إلى التحكيم الدولي للمطالبة بتعويضات عند تأثير الإجراءات البيئية في أرباحهم؛ مما يبرز ضرورة إيجاد توازن قانوني بين حماية البيئة وضمان استقرار بيئة الاستثمار.

تغير المناخ والقانون الجنائي الدولي

ومع محدودية الردع القانوني في المجالين التجاري والاستثماري، تتجه الأنظار نحو أدوات أكثر حسمًا مثل القانون الجنائي الدولي، الذي قد يمثل وسيلة لتكريس المساءلة المناخية على مستوى الأفراد والمؤسسات عن الأضرار البيئية الجسيمة، حيث يطرح القانون الجنائي الدولي تساؤلًا مهمًا حول إمكانية تحميل الأفراد أو الكيانات مسئولية جنائية دولية عن الأفعال التي تسهم عمدًا أو بإهمال في تفاقم أزمة المناخ.

تغير المناخ والقانون الجنائي الدولي

وعلى الرغم من أن النظام الجنائي الدولي لا يتضمن حاليًّا جرائم بيئية صريحة، فإن دعوات متزايدة تطالب بإدراج جريمة “الإيكوسايد”(Ecocide)  ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها جريمة كبرى تمسّ البيئة والإنسانية على حد سواء، غير أن هذا الاتجاه لا يزال في طور النقاش القانوني ولم يُترجم إلى إطار ملزم، وهو ما يحد من قدرة المجتمع الدولي على محاسبة المتسببين في التدمير البيئي المنهجي.

أما على صعيد تسوية النزاعات المناخية، فإن الآليات المتاحة في القانون الدولي، كالمحاكم وهيئات التحكيم، لا تزال تواجه تحديات عملية تتعلق بالإثبات والاختصاص والطبيعة العابرة للحدود لهذه القضايا، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى تطوير أدوات قانونية أكثر فعالية واستجابة، قادرة على مواكبة تعقيد الأزمات البيئية المعاصرة.

نحو قانون دولي أكثر قدرة على مواجهة أزمة المناخ

بعد هذا العرض لمختلف أوجه التشابك بين تغير المناخ والقانون الدولي، يتضح أن المواجهة الفعالة لهذه الأزمة تتطلب مقاربة قانونية أكثر شمولًا وتكاملًا؛ فالنظام القائم -رغم ما يتيحه من آليات واتفاقيات- لا يزال يفتقر إلى التكامل الكافي والفعالية اللازمة للتعامل مع طبيعة الأزمة المناخية المتعددة الأبعاد.

ومن هنا ترى حماة الأرض أن المستقبل يتطلب إعادة صياغة المفاهيم القانونية بما يضمن استباق الأزمات بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل، كما تؤمن بأن تعزيز التعاون الدولي، وضمان مشاركة الدول النامية، وتحقيق العدالة بين الأجيال، كلها عناصر يجب أن تشكل حجر الزاوية في أي مقاربة قانونية جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى