تغير المناخ والمحيطات.. مخاطر تهدد أسماك القرش والتوازن البيئي

تغير المناخ والمحيطات.. مخاطر تهدد أسماك القرش والتوازن البيئي
منذ مئات الملايين من السنين، سكنت أسماك القرش أعماق البحار والمحيطات، وشهدت عصورًا جليدية وعصورًا دافئة، ونجت من تقلبات طبيعية هائلة؛ حتى صارت رمزًا للصمود والتكيّف مع الطبيعة، غير أنَّ ما تواجهه اليوم من تغير المناخ مختلف تمامًا عمَّا سبق.
ذلك لأنَّ التغير المناخي السريع الذي يسببه الإنسان لم يعد مرتبطًا بدورات طبيعية بطيئة، بل أصبح اندفاعًا متسارعًا في معدلات درجات الحرارة، وتغيرات جوهرية في كيمياء المحيطات وأنماط الطقس.
كما أصبح تغير المناخ سببًا أساسيًّا من أسباب تشكيل حياة الكائنات البحرية، مثل أسماك القرش والشِّفنِين البحري (نوع من أسماك الراي ذات الأشواك الذيلية اللاسعة) التي صارت في قلب هذه العاصفة المناخية، متأثرةً بتغيرات عميقة على مستوى الغذاء والهجرة والتكاثر، وحتى على مستوى السلوك.

وإذا كانت هذه الأنواع قد عانت أساسًا من الصيد الجائر وفقدان المواطن الطبيعية، فإنَّ الضغوط المناخية تضعها على حافة الخطر. وهنا يبرز سؤالانِ: كيف يؤثر التغير المناخي في هذه الكائنات، وماذا يعني ذلك لمستقبل البحار والمحيطات؟
وللإجابة عن هذينِ السؤالينِ تسلط مؤسسة حماة الأرض الضوء في هذا التقرير على الترابط بين تغير المناخ ومستقبل أسماك القرش، موضحةً كيف أنَّ حمايتها جزء رئيسي من أهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
ما المناخ وكيف يتغير؟
لفهم كيف ينعكس التغير المناخي على أسماك القرش، لا بُدَّ من العودة إلى الأساسيات؛ فالمناخ ليس مجرد طقس يومي متقلب، بل هو متوسط أنماط الطقس على مدى فترات طويلة. ويتحدد من خلال عناصر مترابطة مثل:
- الغلاف الجوي
- المحيطات
- الغطاء الجليدي
- الطبقة الصخرية للأرض
- المجالات الحيوية التي تحتضن الحياة.
وإنَّ أيَّ خللٍ في أحد هذه المكونات يترك بصمة واضحة على بقية الأجزاء! إذْ يؤدي تبادل الحرارة بين الغلاف الجوي والمحيطات -على سبيل المثال- إلى تشكيل التيارات البحرية التي توازن المناخ العالمي. وحين يختل هذا التوازن تظهر سلسلة من الاضطرابات، مثل:
- ارتفاع درجات الحرارة
- ذوبان الجليد القطبي
- زيادة مستوى سطح البحر
وعلينا أنْ ندرك -أيضًا- أنَّ الأرضَ قد شهدت في تاريخها دورات متكررة من عصور جليدية وفترات أكثر دفئًا، غير أنَّ وتيرة التغير الحالية تفوق أي دورة طبيعية؛ فالتقارير العلمية الحديثة تؤكد أنَّ القرن الماضي شهد ارتفاعًا غير مسبوق في درجات الحرارة، وأنَّ العقدينِ الأخيرينِ ربما كانا الأكثر دفئًا منذ أكثر من ألف عام!
والأخطر أنَّ هذه الزيادة ترافقها تغييرات في كيمياء المحيطات، حيث ازدادت حموضتها نتيجة امتصاصها كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون. وهذا الاختلال لا يؤثر في الكائنات الصغيرة والشعاب المرجانية فحسب، وإنما يمتد إلى قمم الهرم الغذائي، حيث تقف أسماك القرش.
وكلما اختل النظام المناخي، انفرط عقد السلسلة الغذائية، التي تعتمد عليها هذه المفترسات العريقة؛ مما يهدد دورها في المحيطات، ويقوض الحياة تحت الماء بصورة تستدعي التوقف أمامها.
الأسباب البشرية وراء تغير المناخ
من الطبيعي أنَّ يتغير المناخ على مدى العصور، وهذا يرجع إلى سببين، أحدهما أساسي والآخر تابع له؛ هما:
الإنسان
إنَّ الإنسان -بكل أسف- محرك أساسي في هذا التغير المناخي المتسارع؛ فمنذ الثورة الصناعية بدأ البشر في حرق كميات هائلة من الفحم والنفط والغاز؛ مما أدى إلى إطلاق غازات دفيئة ضخمة في الغلاف الجوي.
وبالرغم من أنَّ “التأثير الدفيئي” ضروري للحياة على الأرض، فإنَّ ضخ ملايين الأطنان من الغازات فوق المعدلات الطبيعية جعل النظام المناخي مختلًا. وكذلك ارتفعت حرارة الأرض -وفق تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)- بما لا يقل عن درجة مئوية واحدة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
المحيطات
أمَّا السبب الآخر التابع فهو المحيطات والبحار التي امتصت أكثر من 93% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الأنشطة البشرية؛ مما أدَّى إلى تغيُّر خصائصها الكيميائية وارتفاع حرارتها. وهذا الامتصاص جعلها أقل قدرةً على الاستمرار درعًا واقيًا للبشرية ضد آثار التغير المناخي.
النتيجة أنَّ الأنظمة البيئية البحرية تُدفع إلى حافة الانهيار، وهو ما يجعل أسماك القرش عاجزة عن مواكبة سرعة التغير التي يفرضها الإنسان بعدما صمدت أمام تحولات طبيعية لآلاف السنين.

أسماك القرش في مواجهة المناخ المتغير
وتتجلى آثار التغير المناخي على أسماك القرش في مستويات عدة؛ منها:
الهجرة
تدفع حرارة المياه المتزايدة بعض الأنواع إلى الانتقال نحو مناطق أبعد عن خط الاستواء؛ فقد توقعت دراسات حديثة أنَّ نوعين من أسماك القرش في أستراليا قد يضطرانِ للانتقال جنوبًا بمعدل 65 كيلومترًا كل عقد؛ هربًا من المياه الدافئة.
الغذاء
كثير من الفرائس البحرية بدأت تتحرك نحو القطبين بحثًا عن ظروف أفضل؛ مما يترك القروش في مناطق تقليدية فقيرة بالموارد. وهذه الاضطرابات تهدد التوازن البيئي بأكمله.
المواطن الطبيعية
هناك أيضًا الشعاب المرجانية وغابات المانجروف التي تشكل ملاجئ للتكاثر والنمو، تتعرض لانهيار متزايد بسبب تحمّض المحيطات والعواصف العاتية.
هل يمكن إبطاء هذا الخطر؟
رغم قتامة المشهد، يرى العلماء أنَّ إبطاء التغير المناخي لا يزال ممكنًا عبر تغييرات جذرية في سياسات الطاقة والإنتاج والاستهلاك، شرط أنْ يكون للمجتمع الدولي -تحديدًا الحكومات- إرادة سياسية عالمية، إلى جانب التزام فردي ومجتمعي.
كذلك يمكن أن تكون الإجراءات الفردية -مثل تقليل استخدام السيارات الخاصة، اختيار الأغذية المحلية، وخفض الرحلات الجوية- فعَّالة في ذلك الأمر. كما أنَّ الضغط الشعبي على الحكومات والشركات لإقرار سياسات أكثر استدامة يُعد خطوة محورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي.

إلى جانب ذلك، فإنَّ رفع الوعي بالدور الحيوي للقروش في المحيطات ضرورة ملحة؛ لأنها ليست كائنات مفترسة مخيفة فحسب، بل “حراس التوازن البيئي”، حيث إنَّ الحفاظ عليها يعني الحفاظ على دورة الحياة البحرية؛ بالتالي الحفاظ على استدامة الموارد التي يعتمد عليها البشر.
ختامًا، فإنَّ التغير المناخي ليس مجرد قضية تخص أسماك القرش وحدها، بل هو انعكاس لمستقبل البشرية جمعاء؛ لأنَّ المحيطات التي شكلت عبر ملايين السنين درعًا طبيعيًّا لهذه الكائنات، أصبحت اليوم ساحة معركة بين الطبيعة وأنشطة الإنسان.
ومما سبق تنظر مؤسسة حماة الأرض بعين الاعتبار إلى أنَّ حماية أسماك القرش والشفنين البحري ليست قضية بيئية معزولة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على تحمل مسئوليته تجاه كوكب الأرض. وإذا نجحنا في حماية هذه الكائنات من الانقراض فسوف نثبت قدرتنا على إعادة التوازن للنظم البيئية، وتعزيز صمودها أمام التغير المناخي، وخطونا خطوة جوهرية نحو تحقيق التنمية المستدامة بحلول 2030.




