خطى مستدامة

إنجاز إماراتي جديد.. إدراج الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو

الفاية

إنجاز إماراتي جديد.. إدراج الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو

في عالمٍ يزداد فيه الوعي بقيمة الجذور الثقافية والهوية التاريخية، تبرز أهمية حماية التراث الثقافي باعتباره إحدى الركائز الأساسية التي تعزز استقرار المجتمعات وتدعم جهود التنمية المستدامة؛ فكل موقع أثري يحمل في طيّاته قصة إنسانية عميقة، تعبّر عن مراحل تطور الإنسان، وتمنح الأجيال المتعاقبة مفاتيح لفهم الذات، ومن هنا تواصل العديد من الدول الاستثمار في حماية مواقعها التاريخية، ليس فقط بوصفها رموزًا للماضي، وإنما باعتبارها موارد حيّة تعزز السياحة الثقافية، وتدعم التعليم، وتحفّز الوعي المجتمعي.

وتُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز النماذج الإقليمية في هذا المسار، من خلال رؤية ثقافية متكاملة تقودها إمارة الشارقة وجهود الشيخة/ بدور بنت سلطان القاسمي، التي كرّست عملها في السنوات الأخيرة لتعزيز مكانة التراث الوطني على الساحة العالمية، انطلاقًا من إيمانها العميق بأن الثقافة والتعليم المستدام هما مفتاحا النهوض بالمجتمعات.

وقد تبنَّت الشيخة/ بدور القاسمي نهجًا يدمج بين الدبلوماسية الثقافية والتأثير المؤسسي، مدعومةً بتجربتها في رئاسة الاتحاد الدولي للناشرين -وغيرها من المناصب الرفيعة عربيًّا وعالميًّا- حيث رفعت صوت الثقافة العربية على المنصات العالمية، ودافعت عن حرية الوصول إلى المعرفة، وضرورة ربط الشعوب بتراثها في سياق تنموي معاصر.

وقد أسهم ذلك في أن تسجّل الإمارات إنجازًا لافتًا في هذا الشأن، تمثل في إدراج المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ في الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو؛ ليرتفع بذلك عدد المواقع الإماراتية المعترف بها عالميًّا، وتُضاف صفحة جديدة إلى سجل جهود إمارة الشارقة في حفظ الذاكرة الإنسانية.

الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو

وقد جاء هذا الاعتراف خلال حفل رسمي احتضنته العاصمة الفرنسية باريس، برعاية الشيخة/ بدور بنت سلطان القاسمي، التي قادت هذا المسار بخطوات ثابتة، باعتبارها السفيرة الرسمية لملف ترشيح الفاية، وحرصت على أن يُعرض أمام لجنة التراث العالمي مدعومًا بالأدلة العلمية والتاريخية التي تبرز تفرده وأهميته في مسيرة الإنسان.

ويُعد هذا الإنجاز خطوةً وامتدادًا لرؤية الشيخة بدور، التي جمعت بين العمل الثقافي الدولي، وجهودها المؤسسية المحلية، بصفتها رئيسة هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير، ورئيسة مؤسسة كلمات لتمكين الأطفال، التي تترجم رؤيتها في جعل القراءة حقًا إنسانيًّا، وربط الأطفال والشباب في الوطن العربي بهوياتهم وثقافاتهم، من خلال كتب تحاكي التراث المحلي وتُقدّمه بلغة معاصرة؛ مما يسهم في رفع وعي الأطفال بأهمية حماية الإرث الثقافي، وتعزيز الرابط بين الأجيال وتاريخها المشترك.

مؤسسة كلمات لتمكين الأطفال، التي تترجم رؤيتها في جعل القراءة حقًا إنسانيًّا، وربط الأطفال والشباب في الوطن العربي بهوياتهم

وخلال كلمتها الافتتاحية، عبّرت الشيخة بدور القاسمي، عن اعتزازها بهذه الخطوة، مشيدة بالجهود الجماعية التي أفضت إلى هذا الإنجاز، وموضحة أن “النجاح الذي تحقق يعكس تصميم إمارة الشارقة على حماية إرثها الثقافي وتقديمه للعالم ضمن إطار علمي وإنساني متكامل”، مع تأكيدها أن قصة إدراج الفاية ليست مجرد اكتشاف أثري، وإنما نافذة تتيح فهمًا أوسع لتاريخ الإنسان الأول في شبه الجزيرة العربية.

أهمية موقع الفاية

يُعد موقع الفاية في إمارة الشارقة من أقدم الشواهد على وجود الإنسان في شبه الجزيرة العربية، ويتميّز بكونه سجلًا جيولوجيًّا حيًّا يوثّق آثار النشاط البشري في المنطقة منذ أكثر من 200 ألف عام، ويكمن تفرده فيما يقدّمه من أدلة علمية على قدرة الإنسان القديم على التكيّف مع الظروف في واحدة من أقسى البيئات الصحراوية على وجه الأرض، وهو ما يجعل منه نقطة محورية لفهم تطور الإنسان المبكر في هذه البقعة من العالم.

ومع إدراج الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، يصبح ثاني موقع إماراتي يحصل على هذا الاعتراف الدولي بعد المواقع الثقافية في مدينة العين المُدرجة عام 2011، وهو ما يعزّز حضور دولة الإمارات على خريطة التراث الإنساني، ويؤكد التزامها بحماية الإرث الحضاري المشترك للبشرية.

أهمية موقع الفاية

وقد تمكّنت هيئة الشارقة للآثار، على مدى أكثر من ثلاثين عامًا من البحث والتعاون مع بعثات علمية دولية مرموقة، من توثيق 18 طبقة جيولوجية متعاقبة، تسجّل كلٌّ منها مرحلة من مراحل النشاط البشري في الفاية، وهو ما يجعل هذا الموقع شهادة فريدة على عبقرية الإنسان الأول، وقدرته على التأقلم والابتكار، ويمنح العلماء نافذة لفهم أعمق لبداية الاستيطان البشري في المنطقة، خارج الصورة النمطية التي حصرت الجزيرة العربية في كونها مجرد معبر للهجرات.

وفي هذا السياق، أشار “عيسى يوسف” المدير العام لهيئة الشارقة للآثار، إلى أن هذا الإدراج يُمثل تتويجًا لعقود من الجهد المؤسسي، الذي بدأ برؤية الشيخ الدكتور/ سلطان بن محمد القاسمي، ويُستكمل اليوم بقيادة الشيخة/ بدور بنت سلطان القاسمي، من خلال العمل على توفير بيئة علمية مستدامة وداعمة للبحث والتوثيق. وكذلك أوضح أن موقع الفاية أعاد تشكيل فهمنا لجغرافيا الهجرة البشرية، مؤكّدًا أن الجزيرة العربية لم تكن مجرد معبر، وإنما كانت موطنًا أصيلًا للابتكار البشري في المراحل المبكرة من التاريخ.

حماية التراث يعزز التنمية المستدامة

لا تنفصل جهود حماية التراث الثقافي عن مسارات التنمية المستدامة، وإنما تمثّل رافدًا حيويًّا يدعم أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية؛ فالمواقع الأثرية المحمية تُسهم في تنشيط السياحة المستدامة، وتوفر فرص عمل ترتبط بالحفاظ والتوثيق والخدمات الثقافية، كما تشكّل منصّات تعليمية وبحثية تعزز الإنتاج المعرفي، وتوسّع من مشاركة المجتمعات في صون تراثها.

ومن هذا المنطلق، يعكس إدراج موقع الفاية في قائمة التراث العالمي توجهًا استراتيجيًّا لدولة الإمارات نحو الاستثمار في موروثها الحضاري بوصفه موردًا تنمويًّا متجددًا، يرسّخ الهوية الثقافية من جهة، ويفتح نوافذ للتعاون الدولي من جهة أخرى، بما يتفق مع أهداف التنمية المستدامة، ويؤكد مكانة الدولة في حماية التراث الإنساني المشترك.

واللافت هنا أن الشيخة/ بدور بنت سلطان القاسمي أسهمت بشكل غير مباشر، من خلال مبادراتها المعرفية، في خلق وعي مجتمعي يدعم الحفاظ على هذا التراث، بدءًا من دمجه في الكتب المدرسية، وصولًا إلى تضمينه في البرامج الثقافية للطفل والشباب؛ كي تسهم كل تلك الجهود في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

حماية التراث يعزز التنمية المستدامة

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن إدراج الفاية ضمن قائمة التراث العالمي لا يمثل مجرّد إنجاز إماراتي في مجال حماية الآثار، وإنما يُجسّد تحوّلًا نوعيًّا في كيفية توظيف التراث الثقافي باعتباره أداة لتحقيق التنمية المستدامة؛ فالموقع الذي يحمل بصمة الإنسان الأول في الجزيرة العربية، يتحوّل اليوم إلى مصدر للمعرفة، ومنصة للتعاون الدولي، وجسر يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وإنَّ ما تحققه إمارة الشارقة من إنجازات تنموية -بجهود وقيادة الشيخة/ بدور بنت سلطان القاسمي- يعكس نموذجًا متقدّمًا لحوكمة التراث، وهو نموذج يدمج بين البعد العلمي، والقيمة الرمزية، والوظيفة التنموية للمواقع الثقافية؛ ومن هنا تدعو حماة الأرض إلى تعميم هذا النهج عربيًّا، بما يعزز حضور المنطقة العربية في السرد الثقافي العالمي، ويضع مواقعها الأثرية على خريطة المستقبل، باعتبارها قوة دافعة نحو التقدم والوعي والارتباط بالهوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى