صناعات مستدامة

توطين الصناعة في مصر بين شراكة الطاقة وأهداف التنمية المستدامة

توطين الصناعة في مصر بين شراكة الطاقة وأهداف التنمية المستدامة

في العاصمة الإدارية الجديدة، شهدت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة لقاءً مهمًّا جمع بين الدكتور/ محمود عصمت “وزير الكهرباء” والمهندس/ كريم بدوي “وزير البترول والثروة المعدنية؛ لمناقشة ملفات محورية تتعلق بتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية.

جاء هذا اللقاء في ظل الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة وزيادة الأحمال الكهربائية؛ مما يفرض على الدولة مراجعة سياسات الطاقة بشكل ديناميكي؛ من أجل ضمان استقرار الشبكة الموحدة، وتحسين جودة التغذية الكهربائية لجميع الاستخدامات.

وتأتي هذه الخطوة في سياق وطني يتقاطع مع الجهود العالمية نحو تعزيز التنمية المستدامة، حيث يشكل توطين الصناعة والتحول نحو الطاقة المتجددة محورًا أساسيًا لتحقيق التوازن بين تلبية احتياجات المواطنين وحماية البيئة، مع ضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.

الطاقة المتجددة

شراكة تكاملية لتأمين الطاقة وتحسين كفاءة الكهرباء

خلال اللقاء أوضح الوزيران أن الشراكة بين قطاعي الكهرباء والبترول هي شراكة استراتيجية، تهدف إلى تحسين كفاءة وحدات توليد الكهرباء وخفض استهلاك الوقود التقليدي، وهو ما يسهم في خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما تم استعراض الجهود المشتركة لتأمين التغذية الكهربائية وضمان استقرار الشبكة الموحدة، خصوصًا خلال فترات الذروة في فصل الصيف.

كما تناول الوزيران أهمية أن يشمل التعاون وضع أسس راسخة لتكامل السياسات الصناعية مع خطط الطاقة، باعتباره امتدادًا طبيعيًا للجهود المبذولة في تحسين كفاءة وحدات التوليد وخفض استهلاك الوقود. هذا الترابط بين إدارة الطاقة والصناعة يعظم القيمة المضافة من الموارد الطبيعية، ويفتح المجال أمام الاستثمار في تقنيات حديثة ترفع كفاءة الإنتاج وتدعم توجه الدولة نحو تقليل الاعتماد على الواردات؛ مما يمهد الطريق مباشرة للتوسع في الصناعات التحويلية واستغلال الثروات المعدنية بما يخدم أهداف التنمية المستدامة.

الصناعات التحويلية وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية

وفي هذا الإطار، أشار الدكتور/ محمود عصمت إلى أهمية التوسع في الصناعات التحويلية باعتبارها رافدًا اقتصاديًّا أساسيًّا يعظم العوائد من الموارد الطبيعية، ويأتي هذا ضمن توجه الدولة نحو تصنيع السيليكون النقي، واستغلال خام الكوارتز، وتوطين تكنولوجيا معالجة المعادن النادرة، واستخلاص العناصر الاقتصادية منها، بالتعاون مع هيئة المواد النووية وهيئة الثروة المعدنية.

ويرتبط هذا التوجه ارتباطًا وثيقًا بمسار التنمية المستدامة؛ إذ يضمن نقل التكنولوجيا الحديثة إلى الداخل المصري، ويوفر فرص عمل نوعية، ويقلل من الاعتماد على الواردات؛ مما يفتح الطريق أمام بناء اقتصاد أكثر صلابة واستقرارًا، وهذه الرؤية تجعل من توطين الصناعة أداة محورية لتحقيق أهداف استراتيجية للطاقة والبيئة.

مفهوم التنمية المستدامة

توطين التكنولوجيا الحديثة في قطاع الطاقة

استعرض اللقاء خططًا طموحة لتوطين تكنولوجيا تصنيع الألواح الفوتوفولطية وأشباه الموصلات، أو ما يعرف بالرقائق الإلكترونية، وذلك بالتعاون بين وزارتي الكهرباء والبترول وهيئاتهما التابعة، ويُعد هذا المشروع خطوة جوهرية نحو تقليل الاعتماد على الخارج في هذا القطاع الحيوي.

 ويأتي ذلك استكمالًا لجهود الدولة في توطين الصناعة بمجالات الطاقة المتجددة، بما يضمن استقلالية القرار الصناعي والتقني؛ ولذلك فإن إدماج هذه التقنيات في الصناعة الوطنية يعكس إدراكًا واضحًا بأن التنمية المستدامة لا تنفصل عن امتلاك أدواتها التكنولوجية، كما أن هذا المسار يفتح المجال أمام مصر لتكون مركزًا إقليميًّا في الصناعات الخضراء، بما يعزز مكانتها على الخريطة الاقتصادية والبيئية الدولية.

الطاقة المتجددة ودور التخزين في استقرار الشبكة

وقد أكدت المباحثات على إضافة قدرات توليدية تصل إلى 2000 ميجاوات من الطاقة المتجددة للشبكة الموحدة قبل صيف العام الحالي، مع التوسع في تقنيات تخزين الطاقة لضمان استقرار الشبكة الكهربائية في أوقات الذروة، ويأتي هذا في إطار الاستراتيجية الوطنية للطاقة التي تسعى إلى تنويع مصادر التوليد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ويمثل إدماج التخزين ضمن البنية التحتية للطاقة خطوة أساسية لتجاوز التحديات البيئية، وضمان مرونة النظام الكهربائي في مواجهة تقلبات المناخ والطلب المتزايد. ومن هنا فإن ربط الطاقة المتجددة بتقنيات التخزين يعزز من قدرة مصر على تحقيق معادلة الاستدامة في قطاع الطاقة.

ختامًا، يمثل هذا التنسيق بين وزارتي الكهرباء والبترول محطة فارقة في مسار التنمية المستدامة بمصر، حيث تتجسد فيه الرؤية التي تربط بين استغلال الموارد الطبيعية وتطوير الصناعات التحويلية والاعتماد على الطاقة النظيفة، والجهود المبذولة في تحسين الكفاءة، وتوطين التكنولوجيا، وتقليل استهلاك الوقود التقليدي، تفتح الباب أمام تحولات عميقة في الاقتصاد الوطني.

الاقتصاد الدائري

من هنا فإن مؤسسة حماة الأرض ترى أن هذا التوجه يعكس انتقالًا تدريجيًّا من إدارة التحديات اليومية إلى بناء نموذج متكامل للتنمية، يوازن بين احتياجات المواطن وضمان استمرارية الموارد للأجيال المقبلة، وهو مسار يستحق التقدير؛ لأنه يضع مصر على عتبة مرحلة جديدة، تتجاوز البعد الاقتصادي إلى ترسيخ قيم العدالة البيئية والاستدامة باعتبارها أصولًا استراتيجية لمستقبل أكثر استقرارًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى