تيك توك بين الأجيال.. منصة للوعي المشترك أم فجوة في المعرفة؟

تيك توك بين الأجيال.. منصة للوعي المشترك أم فجوة في المعرفة؟
صار تيك توك -وغيره من التطبيقات والمنصات الرقمية- فاعلًا مؤثرًا في مسارات أهداف التنمية المستدامة، بما يحمله من قدرة على تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، وصناعة الرأي العام؛ إذْ أصبح بإمكانه نشر الرسائل التوعوية بسرعة واسعة بين المستخدمين، وتحفيز المشاركة المجتمعية في قضايا مثل الطعام المستدام، وغيرها من القضايا والأدوار المحورية.
وانطلاقًا من هذا الدور المتنامي الذي يقوم به تطبيق تيك توك، يصبح من الضروري إلقاء الضوء على مدى تأثيره في وعي الشعوب، وقياس تحولاته التي أمستْ مدخلًا أساسيًّا لفهم العلاقة المعقدة بين الاقتصاد الرقمي ومتطلبات التنمية المستدامة؛ لذا تابعوا القراءة.
صناعة الترند
منذ ظهوره قبل أقل من عقد تحول تيك توك إلى واحدة من أكثر منصات التواصل الاجتماعي تأثيرًا وانتشارًا في العالم، جامعًا بين الترفيه السريع، وصناعة الترندات (Trends – اتجاهات بحث المستخدمين)، وقوة الخوارزميات الذكية.
وبالرغم من أنه جاء في البدء تطبيقًا خاصًّا بمقاطع الفيديو القصيرة، فإنه سرعان ما أصبح مساحة رقمية تتقاطع فيها الثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والهُوية الاجتماعية؛ وهذا ما جعله محط اهتمام الحكومات، والشركات، والمجتمعات على حد سواء.
وقد انطلقت الفكرة الأولى للتطبيق في الصين عام 2016 تحت اسم “دوين” (Douyin)، قبل أنْ تُطرَحَ النسخةُ الدولية لاحقًا باسم «تيك توك»، حينما رأى الصينيون أنَّ الاكتفاءَ بالسوق الصيني لا يضمن الاستدامة في عالم رقمي تنافسي، وهو ما دفعهم إلى التوجه ناحيةَ الأسواق العالمية.

غير أنَّ نقطة التحول الكبرى جاءت مع دمجه بمنصة «ميوزكلي» في أغسطس 2018، وهو ما منح التطبيق دفعة هائلة في الولايات المتحدة وأوروبا، وفتح له أبواب جمهور شاب كان بالفعل معتادًا على محتوى الفيديو القصير.
بين تيك توك ودوين
وبالرغم من ذلك التشابه الذي لا يُنكَرُ في التصميم وتجربة الاستخدام بين تيك توك ودوين، فإنَّ الفصل بينهما يتجاوز مسألة اختلاف الاسم؛ لأنَّ كلًّا منهما يعمل على خوادم مستقلة تخضع لسياسات تنظيمية مختلفة، وهذا جعل المحتوى غير متبادل بين النسختين.
وتتميز نسخة دوين داخل الصين بتكاملها مع خدمات الحياة اليومية، مثل التجارة الإلكترونية، وحجز الفنادق، والتقييمات الجغرافية، إضافة إلى أدوات تقنية متقدمة كالبحث عبر التعرف على الوجوه. وفي المقابل ركز تيك توك على صناعة المحتوى والترفيه عالميًّا، مع إدخال تدريجي لأدوات الإعلان والتسويق.
سر خوارزمية الذكاء الاصطناعي
يعتمد نجاح تيك توك بشكل أساسي على خوارزمية ذكية قادرة على تحليل سلوك المستخدم بدقة، من خلال مدة المشاهدة، ونوع التفاعل، وعمليات البحث، وهو ما يسمح بتقديم محتوى مخصص للغاية. وهذه الآلية جعلت الوصول إلى جمهور واسع ممكنًا حتى للحسابات الجديدة، وكذلك أسهمت هذه الآلية في ظهور موجات متتالية من الترندات العالمية في فترات زمنية وجيزة وشديدة التأثير في الأجيال الحالية.

صناعة النجوم والعلامات التجارية
كذلك أسهم التطبيق في إتاحة نمط جديد من الشهرة الرقمية، حيث أصبح بإمكان مستخدمين عاديين التحول إلى مؤثرين عالميين في أشهر قليلة، كما أنَّ للتطبيق تأثيرًا واضحًا في صناعة الموسيقى على وجه الخصوص؛ إذْ تحولت مقاطع قصيرة إلى أدوات ترويج غير تقليدية للأغاني والفنانين.
ومع التوسع الكبير في قاعدة المستخدمين، دخلت الشركات والعلامات التجارية بقوة إلى تيك توك، مستفيدةً من نمط المحتوى العفوي والتفاعلي. وهنا تلاشى الإعلان التقليدي، وحل محله تسويق المؤثرين، حيث يُنظر إلى صانعي المحتوى باعتبارهم وسطاء ثقة بين العلامة التجارية والجمهور.
تيك توك بأبعاده التنموية
وفي السنوات الأخيرة توسع محتوى تيك توك ليشمل اتجاهات ومبادرات ذات أبعاد معرفية واجتماعية واقتصادية، مثل ما أُثير حاليًّا حول أنَّ تيك توك قد تحول إلى عامل مؤثر في تشكيل القرارات الغذائية اليومية لدى المستخدمين، خصوصًا فئة الشباب.
وذلك ما أظهره استطلاع علمي حديث أجراه فريق بحثي نشر نتائجه في المجلة الدولية لدراسات المستهلك (International Journal of Consumer Studies)، وفيه أشار المشاركون إلى أنهم باتوا يحددون نوعية الطعام الذي يتناولونه بناءً على ما يتعرضون له من محتوى مرئي خلال تصفحهم المنصةَ، سواء عبر وصفات قصيرة، أو مراجعات مطاعم، أو تحديات غذائية رائجة.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث بجامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا “أرتور سترتسيليكي”، وأحد المشاركين في تحليل نتائج الاستطلاع؛ أنَّ اتجاهات الطعام المنتشرة عبر مقاطع تيك توك أصبحت قادرة على توجيه ذائقة الشباب الغذائية، والتأثير في اختياراتهم للمطاعم، وحتى في تقييمهم لجودة الوصفات المعروضة، بعيدًا عن المعايير التقليدية.

ومن منظور مؤسسة حماة الأرض، لا يمكن التعامل مع منصات مثل تيك توك بمنطق الرفض المطلق أو القبول غير المشروط؛ أي أنَّ حماة الأرض ترى في هذه المنصات طاقة هائلة يمكن توظيفها في نشر الوعيينِ الاجتماعي والبيئي، وتعزيز ثقافة الاستدامة، وتمكين الشباب من المشاركة الإيجابية في قضايا مجتمعاتهم.
وفي المقابل، تحذر المؤسسة من الانزلاق نحو محتوى سطحي أو ترندات استهلاكية تضعف منظومة القيم، وتحول المنصة إلى أداة لإعادة إنتاج اللامسئولية الرقمية؛ رغبةً في أنْ يكون الفضاء الرقمي رافعة للتنمية المستدامة.




