جيل تيك توك.. ماذا يحدث للمراهقين والأطفال خلف شاشات الهواتف؟

جيل تيك توك.. ماذا يحدث للمراهقين والأطفال خلف شاشات الهواتف؟
مع تفشِّي استخدام تطبيق تيك توك (TikTok) بين المراهقين حول العالم، باتت التساؤلات تتزايد بشأن تأثيره الحقيقي في الصحة النفسية لجيلٍ كاملٍ يتشكّل داخل شاشات الهواتف؛ لذا نتساءل معكم: هل هو وسيلة ترفيهية بريئة، أم بيئة رقمية تتسبب في زيادة معدلات القلق والاكتئاب؟
ولذلك تسلط مؤسسة حماة الأرض الضوءَ على هذه الظاهرة من منظور يُراعي التحولات الرقمية المتسارعة، وذلك بالاعتماد على تقارير علمية وأنظمة صحية عالمية، مثل “UCLA Health” ،”The Children’s Society” ،”National Library of Medicine”؛ فتابعوا القراءة.
تيك توك وعلاقته بالاكتئاب
تشير الأبحاث إلى أنَّ متوسط عمر فتح أول حساب على وسائل التواصل هو 12 عامًا ونصف، وإذا كانت هذه المنصات تُوصف -سابقًا- بوسائل تواصل اجتماعي، فإنها الآن صارت تؤثر تأثيرًا شديدًا في البناء النفسي للمراهقين.
وإنَّ استخدام تيك توك -بشكل مكثّف- قد ارتبط بزيادة أعراض الاكتئاب والشعور بالوحدة والعزلة. ومما يزيد الصورة قتامةً هو أنَّ خوارزميات التطبيق مصممة لجذب الانتباه، والاستمرار في تمرير الفيديوهات دون توقف.
وبسبب جائحة كورونا التي عصفت بالعالم عامَ 2020، ازداد الاعتماد على تيك توك وسيلةً للهرب من العزلة، خصوصًا مع توقف المدارس والأنشطة الاجتماعية. ويرى مختصون في الطب السلوكي أنَّ هذا الاعتماد المفرط أدّى إلى تعويض التفاعل الواقعي بالافتراضي؛ مما أحدث خللًا في التوازن العاطفي والنفسي للمراهقين.

ثقافة المقارنة والإدمان الرقمي
بعيدًا عن المشهد السطحي الممتع الذي يقدمه تطبيق تيك توك، فإنه يفرض تعقيداته الشديدة على مستخدميه من المراهقين. وبحسب تقرير”The Children’s Society“، فإنَّ ثقافة المقارنة التي يرسخها التطبيق تُعد من أخطر ما يواجه المراهقين اليوم؛ فمن خلال استعراض أجساد مثالية، وأنماط حياة فاخرة، يشعر كثير من الشباب بأنهم أقل من غيرهم؛ مما يُعزّز شعورهم بالنقص ويضرّ بثقتهم الذاتية.
وهذه الثقافة الرقمية تصنع وهمًا جماعيًّا يُقاس فيه النجاح بعدد المتابعين أو الإعجابات؛ فيصبح المراهق في حالة دائمة من التقييم الذاتي. ولأنَّ التطبيق يعمل من خلال خوارزميات تتابع السلوك وتُغذّي الاهتمامات نفسها، يجد المراهق نفسه محاصرًا بمحتوى قد يُفاقم من حالته النفسية دون أنْ يدرك. وهنا تتجلّى أزمة يطلق عليها مصطلح “الفقاعة الرقمية”، التي تُحوّل المحتوى إلى سجن إلكتروني مغلق.
من جهة أخرى، أشار باحثون في البرنامج الصحي الأمريكي المسمَّى “UCLA Health” (برنامج صحي تابع لجامعة كاليفورنيا) إلى أنَّ بعض المراهقين الذين يعانون من اضطرابات سلوكية أو قلق اجتماعي يُظهرون تدهورًا ملحوظًا في الأعراض بعد التفاعل المتكرّر مع محتوى تيك توك، حيث يكون مثل هذا المحتوى سريعَ الإيقاعِ؛ لا يمنح العقل وقتًا للراحة، بل يفرض عليه حالة من التحفيز المستمر؛ مما قد يؤدي إلى التوتر المزمن والأرق.
متى يهدد ترند تيك توك قيم المجتمع؟
لم يعد تأثير تيك توك مقتصرًا على الجانب النفسي أو السلوكي بين المراهقين، بل امتدّ ليطول أنسجة الثقافة المجتمعية ذاتها. ومع الانتشار الواسع للتحديات والاتجاهات -أو ما يُعرف بالترند- التي يولدها التطبيق، يُلاحَظُ أنَّ كثيرًا من المستخدمين الصغار يلجؤون إلى تقليد الأفعال والمظاهر دون وعي كافٍ بسياقها أو مخاطرها.
هذا التقليد لا يتم بدافع الإعجاب فحسب، وإنما يأتي في إطار البحث عن القبول الرقمي والتفاعل؛ أي أنَّ بعض السلوكيات المستهجَنة اجتماعيًّا تصبح شيئًا شائعًا ومألوفًا على تطبيق تيك توك، ويحفز الأمراض النفسية.
وفي هذا الإطار، تُثار كثير من التساؤلات حول المحتوى الذي يُروَّج له، خصوصًا المقاطع التي تُظهر حركات أو كلمات خارجة عن الذوق العامّ أو تمسّ قيم الحياء، وغالبًا ما تتصدر هذه السلوكيات السلبية قوائمَ المشاهدات والتفاعلات.
ومع غياب آليات رقابة فعالة داخل التطبيق، يندفع كثير من المراهقين نحو هذه النوعية من المحتوى رغبةً في الشهرة، ودون إدراك منهم لمدى تأثير ذلك في ثقافاتهم وهوياتهم المجتمعية، وذلك كله يعوق المراهقين من تحقيق إسهامات مجتمعية مستدامة؛ فيصبحوا طاقات معطلة.
وكلك أشار تقرير “The Children’s Society” إلى أنَّ جزءًا من هذا التأثير مرتبط بصعود ما يُعرف بـ”ثقافة المؤثرين”، حيث يقوم بعضهم بتصوير مقاطع مستفزة أو مثيرة للجدل؛ من أجل تحقيق مشاهدات أعلى. وهي ثقافة لا تتطلب موهبة بقدر ما تعتمد على الجرأة أو الخروج عن المألوف، وذلك يدفع المراهقين إلى تقليد محتوى غير مناسب، من أجل أنْ يُلاحظهم الآخرون، حتى وإنْ كان ذلك على حساب سمعتهم أو قيمهم الأسرية.
هل يحمل تيك توك فوائد نفسية؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل الجوانب الإيجابية لتطبيق تيك توك، التي أتاحت مساحة للتعبير عن الذات ومشاركة قصص وتجارب عن الصحة النفسية. ووفقًا لـ”National Library of Medicine“، فإنَّ بعض المستخدمين وجدوا في التطبيق أداة لتوجيه حالتهم النفسية، والتواصل مع آخرين يعانون من الأعراض نفسها، ليكون ذلك مقدمة جيدة للعلاج.
كما يؤدي التطبيق دورًا في كسر الحواجز النفسية والاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، خاصة في المجتمعات التي لا تعترف بسهولة بهذه التحديات. وفي ظل غياب الدعم الواقعي، يجد بعض المراهقين في تيك توك نوعًا من الأمان العاطفي والانتماء إلى مجتمع لا يحكمهم، بل يستمع إليهم.
ومع انتشار مقاطع الفيديو التعليمية عن القلق، والاكتئاب، واضطراب فرط الحركة، وتشتت الانتباه، أصبحت الصحة النفسية موضوعًا شائعًا يمكن الحديث عنه بلا خجل. وهذا النوع من المحتوى -عندما يُقدَّم من قِبل متخصصين أو من خلال تجارب صادقة- يسهم في نشر الوعي، ويساعد على توجيه المستخدمين للبحث عن المساعدة.
لكن في الوقت ذاته، تُحذِّر الدراسات من أنَّ هذا التفاعل قد يُنتج “عدوى سلوكية” في بعض الحالات، حيث يبدأ المراهق في تقليد أعراض معينة، أو التصرف كما لو كان يعاني من اضطراب، محاولةً منه للانتماء إلى مجموعة ما.

خطوات نحو استخدام أكثر وعيًا
ومما سبق ندرك أنَّ التحديات الرقمية المعاصرة تتطلب أكثر من مجرد القلق؛ بل تستدعي استراتيجيات عملية لحماية المراهقين من الوقوع في فخ الإدمان الرقمي أو الأذى النفسي؛ ولذا يؤكد مختصون من برنامج “UCLA Health” أنَّ أهم خطوة تبدأ من تعليم المراهقين كيفية وضع حدود رقمية صحية، وتحديد أوقات لاستخدام الهاتف، وتعلُّم مهارات التفاعل الرقمي الآمن.
وكذلك ينصح الخبراء بأنْ تكون وجبات الطعام بعيدةً عن أوقات استخدام الهواتف، وأنْ يُحدَّد وقت معين كل ليلة لإغلاق الشاشات تمهيدًا للنوم. كما يجب تدريب المراهقين على كيفية تجاهل التعليقات المسيئة، وعدم الانجراف وراء التحديات الخطرة التي تنتشر على تطبيق تيك توك.
وهناك أيضًا دور للأهل؛ لأنهم مسئولون عن غرس السلوك الرقمي السليم من خلال القدوة؛ فحين يرى الأبناء آباءهم يخصصون وقتًا للحوار والتواصل الواقعي دون شاشات، يصبح من الأسهل عليهم أنْ يتبنَّوا السلوكَ الرقميَّ الإيجابيَّ نفسه.
وفي نهاية المطاف، تشدد مؤسسة حماة الأرض على أنَّ تطبيق تيك توك بيئةٌ رقميةٌ يعيد تشكيل وعي المراهقين وسلوكهم ونظرتهم إلى الذات. ومع تنامي الاعتماد عليه تتزايد المخاوف من آثاره النفسية، خاصةً ما يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب نتيجة لثقافة المقارنة وخوارزميات الإدمان.
ولذلك فإنَّ القضية تتجاوز البعد النفسي لتلامس الصحة العامة والتنمية المستدامة، لا سيما في علاقتها بالهدف الثالث من أهداف التنمية، المعنيّ بالصحة الجيدة، حيث يصبح فهم هذه الظاهرة ضرورة لحماية الأجيال الجديدة في عالم تشكله شاشات الهواتف ومواقع الإنترنت.




