جهاز الملكية الفكرية يناقش الصناعات الثقافية في معرض القاهرة الدولي للكتاب

جهاز الملكية الفكرية يناقش الصناعات الثقافية في معرض القاهرة الدولي للكتاب
لم تعد الصناعات الثقافية أنشطة ثقافية أو تعبيرات فنية معزولة عن مسار التنمية، وإنما باتت اليوم أحد المحركات الصاعدة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما تحمله من قدرة على توليد فرص العمل، وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل، ودعم الابتكار، وحماية التنوع الثقافي.
وينبغي أنْ نوضح أنَّ الصناعات الثقافية تتقاطع مع عدد من أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها الهدف الثامن المعنيّ بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والهدف التاسع المتعلق بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، فضلًا عن الهدف الحادي عشر الخاص بالمدن والمجتمعات المحلية المستدامة، والهدف السابع عشر المعنيّ بالشراكات.
وكذلك تسهم هذه الصناعات في تمكين الشباب والنساء، وتقليص أوجه عدم المساواة، ودعم الاقتصاد المحلي، من خلال نماذج إنتاج مرنة تعتمد على المواهب البشرية، وتستند إلى حماية فعَّالة للملكية الفكرية بوصفها الضامنَ الأساسيَّ لاستدامة الإبداع.
ومن هذا المنطلق، تلقي حماة الأرض الضوءَ على أبرز ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، استمرارًا لتغطيتها المستمرة لجميع الفعاليات المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
الملكية الفكرية مدخل للاستثمار الثقافي
في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام بالاقتصاد الثقافي بوصفه أحد روافد التنمية المستدامة، نظَّم الجهاز المصري للملكية الفكرية ندوة فكرية حول الملكية الفكرية والصناعات الثقافية والإبداعية، وذلك ضمن مشاركته الأولى في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين.
وكان ذلك بحضور الأستاذ الدكتور/ هشام عزمي “رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية”، والدكتور/ محمد العدل “المنتج والموزع السينمائي”، والدكتورة/ مي حسن “مساعدة رئيس الجهاز لشئون العلامات التجارية والنماذج الصناعية. وقد أدار الجلسة الأستاذ الدكتور/ سعيد المصري “أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة، والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة”.
وقد جاءت الندوة في إطار توجه الجهاز نحو تعزيز الوعي المجتمعي بالدور الاقتصادي للملكية الفكرية، خاصة في القطاعات الثقافية والإبداعية، باعتبارها أدوات قادرة على تحويل الإبداع الفردي إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وهو توجه يتكامل مع محاور الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية، لا سيما ما يتعلق بتنظيم الأصول الإبداعية وتعظيم عوائدها الاقتصادية.
مشاركة خبراء السينما والنشر
وشهدت الندوة مشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في مجالات السينما والنشر والابتكار، حيث ناقشوا التحديات التي تواجه الصناعات الثقافية في مصر، وأدوار الحماية القانونية، والاستثمار، والتحول الرقمي في دعم هذه الصناعات، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.

وهنالك سلطت المناقشات الضوءَ على ما تمتلكه مِصرُ من رصيد تاريخي ممتد وتراث ثقافي عريق في مجالات النشر، والسينما، والإذاعة، باعتبارها أحدَ أبرز مصادر القوى الناعمة. وبالرغم من ذلك لا يزال إسهام الصناعات الثقافية في الاقتصاد الوطني محدودًا مقارنةً بالمعدلات العالمية، وهو ما يرتبط بتحديات إدارة الأصول الثقافية، وضعف آليات الاستثمار، والحاجة إلى بناء منظومة متكاملة تعظم العائد الاقتصادي للإبداع.
التحول من الحماية إلى التنمية الاقتصادية
وأكد مشاركو الندوة أنَّ مفهومَ الملكية الفكرية أصبح أداة فاعلة لدعم التنمية الاقتصادية، من خلال الشراكات المؤسسية، والتوعية المبكرة، والاعتماد على الرقمنة في حفظ التراث الثقافي -خاصة السمعي والبصري- وإعادة توظيفه اقتصاديًّا بما يحفظ قيمته ويضمن استدامته.
وفي هذا السياق، تناولت النقاشات التحديات المرتبطة بحماية حقوق المبدعين في مجالات السينما والنشر، بما في ذلك القرصنة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وغياب الأطر الأكاديمية المتخصصة، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بإنتاج محتوى مقلد بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
العلامات التجارية والحرف التراثية
ومن هذه الزاوية أيضًا، أكَّدت المناقشات في ندوة الجهاز المصري للملكية الفكرية أهميةَ ربط الحِرف التراثية بعلامات تجارية تحمي حقوق أصحابها، مع التمييز بين المنتجات التراثية الأصيلة وتلك المستوحاة من التراث، بما يسهم في حمايتها وتسويقها بصورة عادلة ومستدامة، ويعزز من حضورها في الأسواق المحلية والدولية.
وعلى ما سبق، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ مستقبلَ الصناعات الثقافية يُقاس بقدرة المجتمعات على بناء منظومة متكاملة تحمي الإبداع، وتستثمره، وتعيد توزيعه توزيعًا عادلًا مستدامًا؛ لأنَّ الإبداعَ في جوهره موردٌ متجدد لا ينضب.
ومن منظور حماة الأرض تمثل الملكية الفكرية حجر الأساس لأي اقتصاد إبداعي مستدام، باعتبارها أداة وآلية إنصاف تحفظ حقوق المبدعين، وتمنع استنزاف التراث، وتواجه أنماط الاستغلال غير العادل، خاصةً في ظل التحولات الرقمية المتسارعة والانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولذلك تؤكد المؤسسة أنَّ دمجَ الصناعات الثقافية والإبداعية في السياسات الوطنية للتنمية المستدامة ضرورةٌ استراتيجية لتحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة، يوازن بين الابتكار وحرية الإبداع وحماية الحقوق؛ أي أنَّ الرهانَ الحقيقي موجودٌ في بناء بيئة تمكينية تُطلق طاقة المبدعين، وتحول الثقافة من عبءٍ إنفاقيٍّ إلى أصل تنموي، ومن خطاب رمزي إلى قوة فاعلة في مسار التنمية المستدامة الشاملة.




