كيف تؤثر خسائر الحروب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

كيف تؤثر خسائر الحروب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟
مما لا شك فيه هو أنَّ التنمية المستدامة إطار شامل تبنته دول العالم منذ أنْ أطلقت هيئة الأمم المتحدة أجندة 2030؛ من أجل تحقيق توازن متكامل بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، غير أنَّ الحروب والصراعات المسلحة تظل عائقًا واسع النطاق أمام هذا المسار.
وفي هذا المقال نحلل -عبر موقع مؤسسة حماة الأرض– تأثيرَ خسائر الحروب في جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة عبر أبعادها الثلاثة: الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، مع قراءة التداعيات الممتدة إلى الأجيال القادمة؛ فتابعوا القراءة.
تفكك المجتمعات وتآكل رأس المال البشري
يرتكز البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة على ضمان التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والمساواة، والعيش الكريم، ويصل أثر مثل هذه الصراعات إلى رأس المال البشري، ويترك آثارًا تستمر عقودًا من الزمان، حيث يصبح التعافي الاجتماعي مسارًا طويل الأمد، ويتطلب إعادة بناء الثقة وترميم المؤسسات.
وفي هذا السياق، توجه الحروب ضربة مباشرة إلى الأسس الاجتماعية عبر تقويض منظومات التعليم، وزيادة معدلات الفقر، وتفكيك شبكات التضامن؛ مما يعرقل جهود التنمية ويعمّق الفجوات بين المجتمعات، وذلك من خلال:
النزوح واللجوء
تؤدي النزاعات المسلحة إلى موجات نزوح داخلية وخارجية واسعة؛ فعلى سبيل المثال شهدت الحرب في أوكرانيا موجات نزوح كبيرة داخليًّا وخارجيًّا، فأصبحت أكبر أزمة لاجئين في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث سجلت الإحصائيات أكثر من 7 ملايين لاجئ من أوكرانيا في أنحاء أوروبا عام 2022؛ مما يضع ضغطًا مباشرًا على الهدف العاشر: الحد من أوجه عدم المساواة، الذي تقوم غاياته على ضرورة تيسير الهجرة والتنقل الآمن والمنظم والمسئول لجميع أفراد المجتمعات في كل مكان.
وفضلًا عما سبق يمتد تأثير خسائر الحروب -وفق البعد الاجتماعي- إلى الدول المضيفة، حيث تفقد رأس مالها البشري، وتتعطل شبكات إنتاجها، وهذا يرفع من معدلات الفقر، ويزيد من هشاشة مثل هذه المجتمعات، ويطيل مسار التعافي.
انهيار المنظومة الصحية والتعليمية
كذلك تتعرض المستشفيات والمدارس للتدمير أو التوقف عن العمل في أثناء النزاعات، فيُحرم ملايين الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، وحينها لا يمكن تكوين جيل ذي مهارات ومعارف تمكنه من بناء مستقبل مستدام. وذلك مما يحرم المجتمعات من تحقيق الهدف الثالث: الصحة الجيدة والرفاه، الهدف الرابع: التعليم الجيد.

اتساع فجوات عدم المساواة
وفي سياق خسائر الحروب تتسع أيضًا الفجوة الاجتماعية بين فئات المجتمع؛ إذْ تزداد الفجوة بين القادرين على الصمود اقتصاديًّا والفئات الأكثر هشاشة، وتتراجع مشاركة المرأة في سوق العمل وصنع القرار، وكذلك تظهر تداعيات اجتماعية خطيرة، من بينها انتشار ظواهر الاتجار بالبشر وعمالة الأطفال، وهي مشكلات تقوض حقوق الإنسان وتعيق بناء مجتمعات مستقرة.

استنزاف الموارد وتعطل النمو
تقوم التنمية الاقتصادية المستدامة على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاجية، وبناء بنية تحتية قادرة على الصمود، سوى أنَّ خسائر الحروب تؤثر في الاقتصاد العالمي عبر اضطراب أسواق الغذاء والطاقة، وهذا يهدد الأمن الغذائي حتى في دول بعيدة عن بؤر الصراع، لتتحمل بصورة غير مباشرة جزءًا من تكلفة الأزمات، وتؤدي إلى نتائج سلبية تشمل:
تدمير البنية التحتية
يتسبب النزاع المسلح في تدمير البنية التحتية الأساسية، حيث تتعرض الطرق، والموانئ، ومحطات الطاقة، وشبكات المياه لأضرار مباشرة أو غير مباشرة. ويؤدي ذلك إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة النقل، وانخفاض القدرة الإنتاجية. وذلك كله مانع مباشر من موانع تحقيق الهدف التاسع المعنيّ بالابتكار والبنية التحتية، والهدف الحادي عشر الرامي إلى بناء مدن ومجتمعات مستدامة.
ارتفاع معدلات البطالة والفقر
وتتجلى أيضًا خسائر الحروب في الجانب الاقتصادي حين تزيد معدلات البطالة، التي تمتد أيضًا إلى قطاع السياحة العالمي الذي يتكبد خسائر تُقدر بالمليارات، بالإضافة إلى الاضطرابات الحادة في سلاسل توريد الغذاء والطاقة التي تهدد الأمن العالمي كله.

دمار صامت يهدد الأجيال القادمة
وفضلًا عما سبق نجد أنَّ انبعاثات الغازات الملوثة من أبرز الآثار البيئية الناتجة عن النزاعات المسلحة التي تضر بالصحة العامة والبيئة على حد سواء، وهذا ما كشفته دراسة منشورة في أكتوبر 2025 بمجلة “Atmospheric Pollution Research”، بالاعتماد على بيانات القمر الصناعي “TROPOMI”، مؤكدةً وجودَ تغيرات ملموسة في تلوث الهواء حول منطقة البحر الأسود؛ بسبب الحرب والنشاط العسكري عن طريق عمليات القصف المكثف والحرائق الواسعة واستخدام الأسلحة المتفجرة خلال الحرب في أوكرانيا.
ويرتبط هذا التدهور البيئي مباشرة بالهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة المعني بالصحة الجيدة والرفاه، وكذلك الهدف الخامس عشر: الحياة في البر؛ إذْ إنَّ تلوث الهواء الناتج عن الحرب يهدد حياة الإنسان وجميع الكائنات داخل مناطق النزاع. وبصورة تفصيلية تؤدي النزاعات المسلحة إلى:
استنزاف الموارد الطبيعية
في بعض الصراعات تتحول الموارد الطبيعية -مثل النفط والمعادن- إلى مصادر لتمويل العمليات العسكرية، ما يشجع على استخراج جائر وغير منظم. ويؤدي هذا الاستغلال إلى استنزاف الثروات الطبيعية وتدهور البيئة، فضلًا عن حرمان المجتمعات المحلية من عوائد التنمية التي كان يمكن توجيهها لتحسين البنية التحتية والخدمات العامة.
تدهور التنوع البيولوجي
كذلك تتضرر المحميات الطبيعية والغابات، ويختل التوازن البيئي نتيجة النزوح الكثيف للسكان والضغط المتزايد على الموارد، وحينها تتدهور المواطن الطبيعية للكائنات ويُفقد التنوع البيولوجي؛ ولذلك تُحذر تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أنَّ الآثار البيئية للنزاعات قد تستمر عقودًا من الزمان، وهو ما يجعل جهود تحقيق الأهداف المرتبطة بالعمل المناخي والحفاظ على النظم البيئية أكثر تعقيدًا.
الحروب والتنمية علاقة عكسية
من منظور تحليلي تتسم العلاقة بين خسائر الحروب وأهداف التنمية المستدامة بطابع عكسي؛ فكلما تصاعدت النزاعات المسلحة تراجعت فرص تحقيق الاستقرار المؤسسي اللازم للتنمية. كما أنَّ غياب التنمية العادلة قد يكون في ذاته عاملًا من عوامل زيادة الصراعات المسلحة.
وفي النهاية تجد مؤسسة حماة الأرض أنَّ بقاء الحروب يمنع من مواصلة جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية؛ لأنها تُراكم الخسائرَ بدل المنافع، وتستهلك المستقبلَ لا أنْ تبنيه!




