أخبار الاستدامة

دافوس 2026: اتفاق هندي أوروبي يعيد رسم ملامح التجارة العالمية

دافوس

دافوس 2026: اتفاق هندي أوروبي يعيد رسم ملامح التجارة العالمية

في الساعات القليلة الماضية أكَّد مؤتمرُ دافوس 2026 حضوره البارز باعتبار أنه من أهم المنصات الدولية التي تناقش التحولات الاقتصادية العالمية، وهذا في مرحلة تتسم بزيادة الاضطرابات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد الحاجة إلى شراكات اقتصادية أكثر استقرارًا.

وفي هذا السياق، كشفت التصريحات الأوروبية عن اقتراب إبرام اتفاق تجاري واسع بين الهند والاتحاد الأوروبي، وهذا بوصفها مؤشرًا واضحًا على توجه متنامٍ نحو بناء تحالفات اقتصادية كبرى، تستجيب لمتغيرات النظام التجاري العالمي، وتسعى إلى خلق أسواق أكثر تنوعًا ومرونة.

صفقة تاريخية على طاولة دافوس 2026

على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum”” أعلنت “أورسولا فون دير لاين” رئيسة المفوضية الأوروبية عن أنَّ الهند والاتحاد الأوروبي يقفانِ على أعتاب اتفاق تجارة حرة تاريخي من شأنه إنشاء سوق يضم قرابة ملياري إنسان، ويمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وفي هذا السياق، وصفت “فون دير لاين” الاتفاقَ المرتقبَ بأنه «أمُّ الصفقات»، في إشارة إلى حجمه وتأثيره المحتمل، مؤكدةً أنَّ هذه الخطوة تمنح الاتحاد الأوروبي أفضليةَ تحركٍ مبكرةً مع أحد أكثر الأقاليم العالمية نموًّا وحيوية من حيث عدد السكان، ومعدلات النمو، ومدى توسع الأسواق الاستهلاكية.

دوافع أوروبية في سياق عالمي متغير

كذلك أوضحت “فون دير لاين” خلال كلمتها في دافوس 2026، أنَّ أوروبا تسعى إلى توسيع شبكة شراكاتها الاقتصادية مع مراكز النمو العالمية، من أمريكا اللاتينية إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في إطار رؤية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مسارات تجارية محدودة.

ثم أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى أنَّ الصدمات الجيوسياسية المتلاحقة تفرض على القارة الأوروبية -إلى جانب تقلبات سياسات التجارية الدولية- بناء نمط جديد من الاستقلالية الاقتصادية، وهو نمط يقوم على تنويع الشركاء، ويسعى إلى تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات السريعة في البيئة العالمية.

دوافع أوروبية في سياق عالمي متغير

أرقام تعكس ثقل الشراكة

ولإدراك أهمية هذا التعاون الدولي ينبغي لنا أنْ نعلم أنَّ الهند هي الشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري في السلع بينهما نحو 135 مليار دولار خلال عاميَ 2023 و2024. ويُنتظر أنْ يسهم هذا الاتفاق الذي يُوقَّعُ لاحقًا هذا العام في توسيع حجم التجارة والاستثمار بين الجانبينِ، وهذا بخفض الحواجز الجمركية، وتسهيل تدفق السلع والخدمات.

ويأتي ذلك في وقت تركز فيه دول عديدة على تقليل المخاطر المرتبطة بالتجارة الدولية، في ظل اضطرابات شهدها النظام التجاري العالمي خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، استُؤنفت مفاوضات الاتفاق عام 2022 بعد توقف دام قرابة عقد من الزمان، وتسارعت وتيرتها خلال الأشهر الماضية بفعل التحولات التي طرأتْ على السياسات الاقتصادية، فضلًا عن عدم اليقين في الأسواق العالمية.

من التجارة إلى تعاون أوسع

ولا تقتصر مخرجات القمة المرتقبة بين الهند والاتحاد الأوروبي على الاتفاق التجاري وحده؛ إذْ تتجه المباحثات إلى توسيع نطاق التعاون ليشمل شراكة في مجالي الأمن والدفاع؛ بهدف تعزيز التعاون الصناعي الدفاعي بين الجانبين. كما يُنتظر التوصل إلى اتفاق يسهِّل تنقل العمالة والمهنيين الهنود في الأسواق الأوروبية، بما يدعم تبادل الخبرات.

ومن المقرر أنْ يزور رئيسُ المجلس الأوروبي “أنطونيو كوستا” الهندَ -إلى جانب أورسولا فون دير لاين- خلال الفترة من 25 إلى 27 يناير الجاري؛ من أجل المشاركة في قمة رفيعة المستوى مع “ناريندرا مودي” رئيس وزراء الهند، حيث يُتوقع الإعلان الرسمي عن اختتام مفاوضات الاتفاق.

استقلالية أوروبية واستثمار في القدرات

وفي سياق أوسع، شددت “فون دير لاين” على أنَّ التغيرات الجارية في النظام الدولي تمثل فرصة لإعادة بناء استقلالية أوروبية طويلة الأجل في مجالات تمتد من الطاقة والمواد الخام إلى الدفاع والاقتصاد الرقمي. وأشارت إلى أنَّ أوروبا تمتلك قاعدة صناعية قوية، تضم شركات رائدة عالميًّا في طاقة الرياح، والبطاريات المتقدمة، والطيران، والصناعات الثقيلة، إلى جانب تبنٍّ متسارعٍ لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

الاقتصاد الرقمي

وترى القيادة الأوروبية أنَّ هذه القدرات تشكل أساسًا يمكن البناء عليه للاستفادة من الاتفاقيات الكبرى التي يُجرى بحثُها في دافوس 2026، وتحويلها إلى محركات نمو مستدام. وتعكس هذه التطورات كيف تحول دافوس 2026 إلى منصة عملية تتجاوز النقاشات النظرية، ليصبح مساحة حقيقية لبلورة اتفاقيات اقتصادية كبرى تؤثر في مسار الاقتصاد العالمي.

ومن منظور مؤسسة حماة الأرض، فإنَّ الاتفاق الهندي الأوروبي المرتقب تحوُّل بنيوي في كيفية إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي العالمي؛ فبينما تسعى أوروبا إلى تحصين استقلالها -عبر تنويع الشراكات- تبرز الهند بوصفها دولةً قادرةً على الجمع بين الكثافة السكانية، والنمو الصناعي، والطموح الجيوسياسي؛ مِن ثَمَّ يمكنها تحقيق التنمية المستدامة، وتحديدًا: هدف الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، وهدف عقد الشراكات لتحقيق الأهداف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى