لوس أنجلوس بين نيران الهجرة ونداء الاستدامة

لوس أنجلوس بين نيران الهجرة ونداء الاستدامة
في قلب مدينة لوس أنجلوس، وعلى وقع أصوات المتظاهرين الذين خرجوا رفضًا لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المهاجرين، تجلت واحدة من أكثر الصور دراميةً وتعقيدًا في تفاعل الإنسان مع السياسة والبيئة والتنمية؛ فلم تكن تلك المظاهرات مجرد ردة فعل على مداهمات نفذتها سلطات الهجرة الفيدرالية، وإنما كانت تعبيرًا غاضبًا عن أجيال من التنقل، والتهميش، والسعي وراء الأمان والفرص، وعن مدينة وجدت نفسها في مفترق طرق بين سياسات الهجرة ومطالب العدالة الاجتماعية.
وسط هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: ما علاقة كل هذا بالاستدامة؟ وكيف تتحول الهجرة، التي تعد ظاهرة إنسانية متجذرة في التاريخ، إلى عنصر حاسم في معادلة التنمية المستدامة؟ هذا ما سوف تجيب عنه حماة الأرض من خلال هذا المقال، لتوضح كيف تُشكّل الهجرة والاحتجاجات التي شهدتها لوس أنجلوس وجهًا جديدًا للعلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة.
تصعيد عسكري غير مسبوق
اجتاحت شوارع لوس أنجلوس مسيرات سلمية تهتف ضد قرارات حكومية، وتحولت إلى لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة بين المواطنين والدولة، وذلك بعد أن اتخذ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب قرارًا غير مسبوق بنشر قوات من الحرس الوطني ومشاة البحرية (المارينز) في المدينة، دون تنسيق مع حكومة الولاية.
هذه الخطوة -التي وصفتها السلطات المحلية بأنها تصعيد متعمد وغير مبرر- أثارت موجة من الغضب والرفض على المستويين المحلي والوطني، ودفعت حاكم ولاية كاليفورنيا “جافن نيوسوم” إلى رفع دعوى قضائية ضد الحكومة الفيدرالية، اعتراضًا على انتزاع السيطرة على قوات الحرس الوطني من سلطات الولاية.

وجاء هذا القرار على خلفية مداهمات موسعة نفذتها وكالة الهجرة والجمارك الفيدرالية (ICE) في عدة مواقع داخل لوس أنجلوس، من متاجر الملابس إلى مراكز تجمع العمال؛ مما أثار هلعًا شديدًا بين السكان من أصول مهاجرة. وأعربت عمدة المدينة “كارين باس” عن حجم الخوف الذي يسيطر على الأهالي بقولها: “لوس أنجلوس مرعوبة، ليس من الجريمة أو العنف، وإنما من الحكومة الفيدرالية نفسها” وفي الوقت الذي حاولت فيه الشرطة المحلية احتواء المظاهرات وضمان سلميتها، تدخلت القوات الفيدرالية بطريقة أثارت تساؤلات خطيرة حول استخدام السلطة العسكرية ضد المواطنين.
وبحسب شهود عيان، فقد كانت أغلب الاحتجاجات سلمية، غير أن نشر قوات يبلغ قوامها أكثر من 3500 عنصر من الحرس والمارينز، زاد من حدة التوتر، وأسفر عن مواجهات محدودة، تم خلالها اعتقال أكثر من 150 شخصًا، بينهم صحفيون أصيبوا خلال تغطيتهم للمظاهرات.

القرارات الفيدرالية الصادرة عن الرئيس ترامب لم تقتصر على الجوانب الأمنية، وإنما تضمنت أيضًا رسائل سياسية واضحة تنذر بتحولات جذرية في سياسات الهجرة الأمريكية، وتطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العدالة الاجتماعية، والتوازن بين الأمن وحقوق الإنسان، خاصة في مدينة تعيش على إيقاع التنوع الثقافي والسكاني، وتزداد فيها أعداد المهاجرين مثل لوس أنجلوس.
كيف تؤثر الهجرة في أبعاد التنمية المستدامة؟
ولفهم ما جرى في لوس أنجلوس لا بُدَّ من النظر إلى الهجرة من منظور أشمل؛ فالهجرة ليست مجرد حركة أفراد من مكان إلى آخر، وإنما هي ظاهرة إنسانية معقدة تحمل في طياتها آثارًا اجتماعية واقتصادية وبيئية مترابطة، وتشكل عنصرًا محوريًّا في معادلة الاستدامة؛ فإنَّ تحركات السكان -الطوعية منها أو القسرية- تسهم في تشكيل مسارات التنمية وأبعادها من خلال تأثيرها المباشر في الموارد والبنية التحتية.
وتُعد التحويلات المالية أبرز الأمثلة على ذلك؛ فإنَّ الأموال التي يرسلها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية مصدرًا اقتصاديًّا بالغ الأهمية، يفوق في كثير من الأحيان حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية المختلفة؛ فقد كشف تقرير صادر عن البنك الدولي في عام 2023 عن أنَّ التحويلات المالية إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط بلغت ما يقارب 669 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز ما تتلقاه هذه الدول من استثمارات أجنبية ومساعدات تنموية رسمية في كثير من السنوات. وتشمل هذه البلدان -بشكل خاص- الهند، والمكسيك، والفلبين، وبنجلاديش، ونيجيريا، حيث تُسهم هذه التحويلات المالية في دعم التعليم والرعاية الصحية والمشروعات الصغيرة، كما تُعد عنصرًا أساسيًّا في تعزيز نمو الاقتصادات المحلية.
وإضافة لذلك، تنظر الدول التي تواجه شيخوخة سكانية وتراجعًا في القوى العاملة إلى الهجرة بوصفها حبلَ نجاةٍ! فقد استغلت إسبانيا -على سبيل المثال- استراتيجيات الهجرة بحكمة، واستفادت من دخول العمال الوافدين لسد الفراغ الوظيفي في بعض المجالات؛ مما أدى – حسب بيانات صندوق النقد الدولي– إلى نمو اقتصادي تجاوز 3% في عام 2024، وأدى إلى انخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ عام 2008. وهذا النمو لم يكن محض صدفة، بل نتاج سياسة هجرة ساعدت على الإدماج الفعّال، مع الاعتراف بأنَّ هؤلاء المهاجرين لهم إسهام شديد في الحفاظ على منظومة الضمان الاجتماعي.
علينا أيضًا أنْ نذكر تأثير المهاجرين في مجال الابتكار وريادة الأعمال؛ ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال- أسهم المهاجرون في تأسيس عدد كبير من الشركات الناشئة ذات القيمة السوقية العالية؛ ولهذا دورٌ بالغ الأهمية في توليد فرص عمل، وزيادة معدلات النمو الاقتصادي؛ وبذلك لا يمكن نكرانَ أنَّ الهجرة محورٌ مهم من محاور تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بشرط أنْ تُدار بوعي وسياسات ذكية.

وعلى مستوى البلدان المصدرة للهجرة، ينشأ نوع آخر من التنمية من خلال ما يُسمى بـ”الهجرة الدائرية” أو “التنمية المشتركة”؛ فإذا عاد هؤلاء المهاجرون إلى بلدانهم عادوا بمهارات كثيرة وخبرات جديدة؛ وذلك يعود بالنفع على مجتمعاتهم الأصلية. ويُطلق على هذا التبادل المعرفي مصطلح “الرابح الثلاثي – Triple-win”؛ أي أنَّ الدول المضيفة تستفيد من جوانب متعددة، وفي الوقت نفسه يكتسب المهاجرون دخلًا ماليًّا ومهارات، ثم يتحول ذلك إلى البلدان الأصلية بصورة أو بأخرى.
وأمَّا بخصوص البعد البيئي فإنَّ المهاجرين يشكلون قوة بيئية مؤثرة في مجتمعاتهم الجديدة، حيث يمكنهم تعزيز أساليب الإنتاج والاستهلاك، والعمل على نشر الثقافة البيئية الإيجابية، خاصةً مع محاولتهم إثبات أنهم نماذج إيجابية في هذه المجتمعات المضيفة؛ لذا تراهم يندمجون مع السكان الأصليين من خلال تبني سلوكيات مستدامة، مُؤكدينَ انتماءهم إلى هذه المجتمعات.
لذلك تؤمن حماة الأرض بأنَّ التحول المنشود لا يقتصر على تعديل السياسات، وإنما يجب أنْ يمتد إلى الرؤية ذاتها، من خلال النظر إلى الهجرة باعتبارها مكونًا جوهريًّا في معادلة الاستدامة؛ لذا فإنَّ ما جرى في لوس أنجلوس يُعد فرصة لإعادة التفكير في مساراتنا التنموية، وفهم أعمق لحقيقة أنَّ استدامة الأرض لا تنفصل عن كرامة سكانها.




