السياسات التنظيمية الشاملة ودورها في إنعاش سوق العمل وتوفير الوظائف

السياسات التنظيمية الشاملة ودورها في إنعاش سوق العمل وتوفير الوظائف
وسط تنامي التحديات الاجتماعية، ولا سيما المشكلات المتعلقة بملف سوق العمل والبطالة، تسعى الحكومات إلى مواجهتها عبر توسيع فرص العمل، وزيادة الإنتاجية، وجعل هذه السوق أكثر شمولًا. وتلعب السياسات التنظيمية لسوق العمل دورًا أساسيًّا في هذا المسار، إذ تؤثر بشكل مباشر في طريقة عمل الأسواق ومستوى رفاه العاملين وخلق فرص عمل أكثر إنتاجية.
ويشير مفهوم السياسات التنظيمية إلى إطار متكامل من القواعد يمتد ليشمل السياسات التي تحكم دخول الشركات إلى الأسواق والمنافسة بينها، والقواعد التي تحكم سوق العمل، وكيفية تفاعل كل منهما مع الآخر، غير مقتصر على قوانين العمل التقليدية.
ولا يزال جزء كبير من النقاش حول هذه السياسات يفترض وجود نموذج تنظيمي واحد يصلح للتطبيق في كل مكان، وغالبًا ما يركِّز هذا النموذج على القوانين التي تمسُّ العمال مباشرة. غير أن تحسين فرص العمل لا يتوقف على قوانين العمل فقط، فأسواق العمل ترتبط بأسواق السلع والخدمات، وتختلف من دولة لأخرى، كما تتغير بسرعة مع التحولات الاقتصادية الكبيرة.
وفي هذا المقال نتناول دور السياسات التنظيمية في التنسيق بين تلك الأسواق وأثرها عليها، وما أدواتها، وهل تصلح لتكون نموذجًا واحدًا أم لا؟
سياسات تنظيمية شاملة
في كثير من الأحيان، تفشل السياسات التنظيمية عندما تُصمَّم من منظور واحد، أو تُطبَّق دون مراعاة اختلاف ظروف الدول، أو تظل جامدة أمام التغيرات الاقتصادية. فالمشكلة ليست في وجود التنظيم، بل في طريقة تطبيقه على مختلف الدول والاقتصادات.
وللتغلب على تلك المعوقات، ينطلق النهج الحديث من فكرة واضحة: وهي أن السياسات التنظيمية الناجحة هي التي تتوافق مع الأسواق المحلية المختلفة. فعندما تُصمَّم تلك السياسات بما يتوافق مع واقع الاقتصاد، ويُؤخذ في الاعتبار الترابط بين سوق العمل وأسواق السلع والخدمات، تصبح فرص الوصول إلى وظائف أفضل أكبر، وتزداد قدرة السياسات على التكيُّف مع التغيرات بمرور الوقت.

دور السياسات التنظيمية في التنسيق بين الأسواق
تُعد السياسات التنظيمية المرتبطة بقوانين العمل، مثل الحد الأدنى للأجور، وقواعد التوظيف والفصل، عناصر أساسية في تنظيم سوق العمل. لكن تظهر المشكلة عند التركيز عليها وحدها، لأنه يؤدي بدوره إلى تجاهل قوى السوق الأخرى التي تحدد ما إذا كانت الشركات ستنمو وتخلق وظائف جديدة من الأساس أم لا. وبذلك، لا تعالج هذه السياسات سوى جزء من المشكلة.
فعند تطبيق السياسات التنظيمية بمفهومها الأعم بما يشمل: المنافسة بين الشركات، وتحدد من يستطيع دخول السوق أو الخروج منه، تؤثر بشكل مباشر في قدرة الشركات على النمو والابتكار، وهو ما ينعكس بدوره على توفر وخلق فرص العمل. وفي المقابل، عندما يتباطأ نشاط الشركات، يتراجع تلقائيًّا عدد فرص العمل المتاحة.
وبسبب الترابط المستمر بين سوق العمل وأسواق السلع والخدمات، فإن تعديل أحدهما دون الآخر غالبًا ما يحدُّ من فاعلية السياسات. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي السياسات التي تفتح الأسواق أمام منافسة أكبر وتسهِّل تأسيس الأعمال إلى دعم النمو وخلق فرص عمل أكثر على المدى المتوسط، لكنها قد تُسبِّب على المدى القصير اضطرابًا في بعض الشركات وفقدانًا لعدد من الوظائف.
وهنا تظهر أهمية تنسيق السياسات؛ إذ يساعد الجمع بين إصلاحات السوق وسياسات عمالية داعمة -مثل التدريب، وتسهيل الانتقال بين الوظائف، أو تقديم دعم مؤقت للدخل- على تقليل الآثار السلبية، وتعظيم المكاسب، وجعل الإصلاحات أكثر شمولًا وقبولًا اجتماعيًّا.
هل وجود نموذج واحد يكفي الجميع؟
إن اعتماد نموذج واحد للسياسات التنظيمية الشاملة قد لا يكفي، إذ إنها يجب أن تتوافق مع واقع كل دولة وقدراتها المؤسسية. فالسياسة التي تنجح في توسيع فرص العمل داخل بلد مرتفع الدخل قد لا تحقق النتائج نفسها في بلد منخفض الدخل، إذ يعمل عدد كبير من الناس في متاجر صغيرة، أو مشروعات عائلية، أو ضمن أنشطة غير رسمية، وليس لدى شركات كبرى.
وفي مثل هذه السياقات، غالبًا ما لا تصل السياسات العمالية التقليدية -مثل الحد الأدنى للأجور أو تنظيم ساعات العمل أو الحماية من الفصل- إلى شريحة واسعة من العاملين.
وحتى عندما تكون القواعد واضحة على الورق، فإن ضعف تطبيقها على أرض الواقع يقلل كثيرًا من أثرها. وفي الاقتصادات التي تنتشر فيها العمالة غير الرسمية، قد تتحول السياسات التنظيمية إلى مجرد إشارات عامة بدلًا من أن تكون أدوات حماية فعّالة. وهو ما يفسِّر فشل نقل نماذج جاهزة من الدول مرتفعة الدخل إلى دول أخرى، نظرًا لاختلاف القدرات المؤسسية، وطبيعة سوق العمل، والاعتبارات السياسية من بلد لآخر.
سياسات تنظيمية مرنة تواكب تحوُّلات سوق العمل
تشهد أسواق العمل تغيُّرات سريعة بفعل التطور التكنولوجي، وضغوط المناخ، والتحولات السكانية، وصدمات كبرى مثل جائحة كوفيد-19، وهو ما أثَّر في طبيعة الوظائف وأساليب العمل. وفي هذا السياق، قد تؤدي السياسات التنظيمية الجامدة التي لا تواكب هذه التحولات إلى تراجع الإنتاجية، وبطء انتقال الموارد، وجمود الأجور، لذا يجب على الحكومات مراعاة جعل تلك السياسات أكثر مرونة عند وضعها، حتى تواكب تلك التغيرات والتحولات.
وتعني المرونة في السياسات التنظيمية مراجعة القواعد دوريًّا للتأكد من أنها لا تزال تحقق أهدافها، وتعديلها عند الحاجة. فكما تُراجع البنوك المركزية معدلات الفائدة تبعًا لتغيُّر الظروف الاقتصادية، على الحكومات أن تراجع بانتظام سياسات مثل الحد الأدنى للأجور، وقواعد الفصل، وسياسات المنافسة، بدلًا من التعامل معها باعتبارها قرارات ثابتة لا تتغير.
وتقوم السياسات المرنة أيضًا على التعلُّم والتكيُّف، من خلال الاستفادة من البيانات والخبرات الجديدة، وتصحيح المسار في الوقت المناسب. ولا يعني ذلك تواصل الإصلاحات بلا توقف، وإنما بناء قدرة مؤسسية تسمح بالتدخل في التوقيت الصحيح، حتى تكون السياسات التنظيمية متجاوبةً مع الواقع لا متأخرة عنه.

دور مراصد سوق العمل في تطبيق السياسات التنظيمية
قد تبدو السياسات التنظيمية المنسّقة، والمراعية للسياق، والمرنة، أكثر تعقيدًا في تصميمها وتنفيذها، لكنها قادرة على تحسين فاعلية السياسات والحد من آثارها غير المقصودة. فما كان يُعد في السابق صعب التنفيذ إداريًّا أصبح اليوم ممكنًا، مع توافر بيانات أفضل حول التحولات الجارية في سوق العمل.
وفي هذا الإطار، يبرز دور مراصد سوق العمل بوصفه أداةً لمتابعة التغيرات وجمع البيانات الأساسية، مثل بيانات الشواغر الوظيفية، ومهارات العاملين، والتقلبات الموسمية في التوظيف. كما أسهم التطور في نظم البيانات، والمنصات الرقمية، والتحليلات الفورية، في منح صانعي السياسات فهمًا أدق لاتجاهات سوق العمل وقدرة أكبر على الاستجابة بفعالية.
وتتمثل أهمية هذه المراصد في قدرتها على رصد الاتجاهات، والتنبيه إلى المخاطر، وتوجيه التعديلات التنظيمية في الوقت المناسب. فمن خلال متابعة التوظيف، وسلوك الشركات، وتطورات الأجور، تساعد على تحديد مجالات نمو الطلب على العمالة، وأوجه الخلل في السوق، وتأثير السياسات على فئات مختلفة مثل الشباب، والنساء، والعاملين في القطاع غير الرسمي.
وعندما تُبنى السياسات التنظيمية على بيانات حديثة، ومؤسسات قوية، وأولويات واضحة، تصبح أداة فعَّالة لجعل سوق العمل أكثر قدرة على الصمود، وأكثر شمولًا، وأفضل استعدادًا للمستقبل.
وختامًا، ترى مؤسسة حماة الأرض أن تطوير السياسات التنظيمية لسوق العمل يُعد ركيزة أساسية لتحقيق نمو اقتصادي شامل. فالتنظيم المرن القائم على البيانات، والقادر على مواكبة تحولات الاقتصاد، يسهم في توسيع فرص العمل وتحسين جودتها، وإيجاد بيئة تنافسية بين الشركات، وسوق عمل مستقر، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما القضاء على الفقر، والعمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة.




