ما الممارسات المتبعة لتحقيق الاستهلاك المسئول خلال شهر رمضان الكريم؟

ما الممارسات المتبعة لتحقيق الاستهلاك المسئول خلال شهر رمضان الكريم؟
يرتبط شهر رمضان المعظم بالتنمية المستدامة من عدة جوانب، إذ يعزز قيم الاعتدال في الاستهلاك، والتكافل الاجتماعي، وترشيد الموارد، والمسئولية الفردية تجاه المجتمع والبيئة. فالممارسات المرتبطة بالشهر الكريم تمتد لتدعم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تقوم عليها أهداف التنمية المستدامة، بما يجعله فرصة سنوية لترسيخ سلوكيات أكثر وعيًا واستدامة.
ويأتي رمضان حاملًا نفحاتٍ إيمانية تعيد ترتيب أولويات الإنسان وتدفعه لمراجعة سلوكه اليومي، وغرس معاني الصبر والانضباط والشعور بالآخرين. وهو شهر الصيام الذي يعلّم الاعتدال ويشجع على ضبط النفس.
ويعد شهر رمضان فرصةً لتحقيق ترشيد أفضل، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]، هذه القاعدة، ولا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.
ورغم جوهره القائم على الزهد وضبط النفس وترشيد الاستهلاك، يشهد الشهر في بعض الأحيان مظاهر استهلاكية متزايدة تتناقض مع روحه الحقيقية، ما يطرح تساؤلًا مهمًّا حول كيفية استعادة قيمة الاعتدال وتحويلها إلى ممارسة اجتماعية واعية تعكس المعنى العميق لرمضان.
الإفراط في الشراء وتكديس السلع
وتتجلى هذه المظاهر في ميل بعض الأسر إلى شراء كمية كبيرة جدًّا من السلع بدافع الاستعداد المبكر أو الخوف من ارتفاع الأسعار أو النفاد المبكر للسلع الأساسية، وقد يؤدي هذا السلوك إلى تكديس يفوق الاحتياج الفعلي، ما يقود في النهاية إلى إرهاق ميزانية الأسر ويرفع احتمالية الهدر لاحقًا، كما يضع ضغطًا كبيرًا على الأسواق بشكل غير متوازن.
ولمواجهة هذا السلوك لا بد من:
- إعداد قائمة احتياجات واقعية مبنية على الاستهلاك الفعلي للأسرة.
- تقسيم المشتريات على فترات زمنية بدلًا من شرائها دفعةً واحدة.
وتساعد قيمة الاعتدال في رمضان على تعزيز ثقافة الشراء الواعي، بحيث يكون الهدف هو الكفاية لا المبالغة والتنظيم لا التخزين.

تعدُّد الأصناف والمبالغة في إعداد الطعام
يرتبط شهر رمضان في الوعي الاجتماعي عند بعض الأفراد بكثرة الأطباق وتنوعها اليومي، حتى أصبحت الموائد العامرة معيارًا للكرم وحسن الضيافة، ورغم حسن النية وراء هذا السلوك، ففي كثير من الأحيان يؤدي إلى إعداد كميات تفوق الحاجة الفعلية، فتزداد المصروفات ويكثر الفائض، ويتحول جزء من الطعام إلى هدر غير مقصود.
ويمكن التخلص من هذه الظاهرة عبر الآتي:
- ترسيخ فكرة مفادها أن الكرم لا يُقاس بكثرة الأصناف على المائدة، وإنما بحسن التدبير وجودة الإعداد وطريقة التقديم المميزة، ويكفي تنويع معتدل يحقق التوازن الغذائي دون إفراط.
- تقدير الاحتياج الحقيقي لأفراد الأسرة.
- إشراك الأسرة في تخطيط الوجبات الأسبوعية يساعد على تقليل العشوائية، ويجعل المائدة أكثر وعيًا واتساقًا مع روح الاعتدال التي يدعو إليها الشهر الكريم.
وإحدى صور تقليل الهدر تتمثل في:
- التخزين الأمثل للطعام الفائض حتى يمكن استهلاكه من جديد في وجبات لاحقة.
- مشاركتها مع المحتاجين بما يضمن تحقيق البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة بمكافحة الجوع (الهدف 2).
- تقدير الكميات قبل الطهي، والاعتماد على حصص معتدلة، يعززان ثقافة المسئولية الفردية، الإنتاج والاستهلاك المسئولان (الهدف 12).
العزومات والمسئولية الاجتماعية: كيف نحافظ على الاعتدال؟
مع كثرة العزومات والاجتماعات الأسرية خلال شهر رمضان، تظهر الحاجة لتبني ممارسات واعية في التحضير والضيافة. فالشهر الكريم يدعو إلى الاعتدال وترشيد الاستهلاك، سواء على مستوى الفرد أو الأسرة، مع الحفاظ على المعنى الحقيقي للكرم وحسن الاستقبال. عبر تنظيم الكميات وتقدير الاحتياجات الفعلية، يمكن الاستمتاع بالمائدة الرمضانية دون إسراف، وفي نفس الوقت تعزيز المسئولية الاجتماعية من خلال تقاسم الفائض مع المحتاجين.
ولتحقيق الاعتدال في عزومات شهر رمضان الكريم يمكنك اتباع الآتي:
- ضع هدفًا واضحًا للضيافة: الكرم الحقيقي يقاس بالنية وحسن الاستقبال لا بكثرة الأصناف.
- خطط الكميات بناءً على عدد الضيوف الفعلي لتجنب الإفراط والهدر.
- اعتمد على تقديم أصناف معتدلة ومتوازنة غذائيًّا، مع تنويع بسيط يضفي بهجة على المائدة.
- جعل العزومات فرصةً للتواصل والتقارب الاجتماعي، وليس لمنافسة ظاهرية أو إثبات مكانة.
- شارك الفائض مع المحتاجين لتعزيز المسئولية المجتمعية.
- بعد انتهاء المناسبة، راجع المصروفات والدروس المستفادة لتصحيح السلوك في المستقبل.
ترشيد استهلاك الطاقة في رمضان
ويمتد الاستهلاك المسئول في رمضان ليشمل مصادر الطاقة وإدارة الموارد، فارتفاع استهلاك الكهرباء بسبب الإضاءة والزينة الرمضانية والمكيفات يمكن ترشيده باتباع ممارسات بسيطة مثل:
- استخدام أجهزة إضاءة موفرة للطاقة (LED) للزينة والإضاءة المنزلية.
- ضبط أجهزة التكييف والمراوح على استهلاك معتدل.
- تجهيز الطعام بكميات مناسبة لتقليل استخدام الأفران والمواقد.

تعزيز ثقافة إعادة التدوير
شهر رمضان الكريم يمثل فرصةً لتطبيق استراتيجية إعادة التدوير وفصل المخلفات في المنازل والمجتمعات، من خلال الممارسات الآتية:
- فصل بقايا الطعام الصالحة لإطعام الحيوانات أو التسميد العضوي.
- إعادة تدوير العبوات البلاستيكية والزجاجية والكرتونية.
- التبرع بالملابس والأدوات غير المستخدمة بدلاً من التخلص منها.
وسيؤدي ذلك إلى خفض استهلاك الطاقة غير الضروري وتقليل البصمة الكربونية خلال الشهر الكريم، بما يتوافق مع الهدف 7 (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة) والهدف 13 (العمل المناخي) في التنمية المستدامة، كما يساعد على خفض النفايات وتعزيز الاستهلاك المسئول بما يتوافق مع الهدف 12: الاستهلاك والإنتاج المسئولان.
ومن جانبها تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن تطبيق هذه الممارسات المستدامة خلال شهر رمضان المبارك من خلال هذا الاعتدال في استهلاك الغذاء والطاقة، وإعادة استخدام الموارد بشكل ذكي، يتحول الشهر الكريم إلى مساحة عملية لترسيخ قيم التنمية المستدامة في الحياة اليومية، على صعيد الأسرة والمجتمع، ويجعل من رمضان تجربةَ ممارسة يومية مسئولة وواعية تجاه المجتمع والبيئة.




