نوفي.. نموذج مصري يغير معادلة تمويل التنمية المستدامة

نوفي.. نموذج مصري يغير معادلة تمويل التنمية المستدامة
يبرز تمويل التنمية المستدامة باعتباره أحد أعمدة الإنقاذ الضرورية لمستقبل البشرية؛ فقد بات واضحًا أن التصدي للأزمات المناخية -وغيرها من القضايا المتشابكة مع المجتمع والاقتصاد- يتطلب أكثر من مجرد تعهدات، فإنَّ مثل هذه الأزمات العالمية تستوجب ضخ استثمارات ذكية وطويلة الأجل وقادرة على إحداث تحول حقيقي في أنماط الإنتاج والاستهلاك.
ومِن هنا، يتعاظم دور التمويل المستدام بوصفه آلية قادرة على تحويل الخطط الطموحة إلى واقع ملموس، وتحفيز الاقتصادات الناشئة على تجاوز التحديات المناخية من دون التضحية بحقوق الأجيال القادمة في التنمية والرخاء، وذلك ما حاول قادة العالم تنفيذه في مدينة إشبيلية الإسبانية، حيث سُطِّر اسمُ مصر في البيان الختامي بالمؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، الذي عُقِد في المدة بين 30 يونيو و3 يوليو.
وفي هذا المؤتمر العالمي أُطلِقَ أكثر من 130 مبادرة ضمن ما عُرف بـ”منصة إشبيلية للعمل”، ومن أبرزها “تعهّد إشبيلية”؛ وهو أول التزام دولي جماعي منذ عام 2015 لإعادة هيكلة تمويل التنمية عالميًّا، وقد اعتمدت هذه الجهود البارزة على أمثلة رائدة ونماذج واعدة، من بينها المنصة المصرية “نُوفِّي”.
لذا، سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال كيف أصبحت مصر -عبر منصة نوفي- مثالًا عالميًّا في الدمج بين التنمية والعمل المناخي، ورمزًا للريادة في زمن الأزمات والتحولات؛ تحقيقًا لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، التي تعمل على توفير حياة مستدامة لجميع شعوب الأرض؛ فتابعوا القراءة.
من المبادرات إلى نماذج التنفيذ
لقد تعددت المبادرات اللافتة في هذا المؤتمر، مثل مبادرة إيطاليا لتحويل 230 مليون يورو من ديونها إلى استثمارات تنموية في إفريقيا. كما أطلقت إسبانيا والبنك الدولي مركزًا دوليًّا لمبادلة الديون، فيما أُسِّسَ “تحالف شرط تجميد الديون” باعتباره آلية طارئة لدعم الدول المتعثرة، ومنحها فرصة لإعادة توجيه مواردها إلى شئون تنموية وبيئية ملحّة. وفي هذا الزخم الدولي برز النموذج المصري بوصفه من أوائل النماذج التي تحوّلت من التعهدات إلى التنفيذ؛ مما جعل منصة نوفي محور اهتمام دولي متزايد.
نوفي.. تكامل التنمية والمناخ في منصة واحدة
أُطلقت منصة نوفي في عام 2022 من رحم مؤتمر المناخ (COP27)؛ فأصبحت تجربة متقدمة في الدمج بين أهداف التنمية المستدامة والتحول الأخضر، وقد جمعت المنصة مشروعات تنموية استراتيجية في قطاعات المياه، والطاقة، والغذاء، ضمن رؤية موحدة ونظام حوكمة صارم وتنسيق فعّال مع شركاء التنمية.
ووفقًا للدكتورة/ رانيا المشاط -وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي- اعتمدت مصر نهجًا مبتكرًا أتاح تعبئة تمويلات ميسّرة تجاوزت 4 مليارات دولار خلال عامين ونصف. وقد أُطلقت من خلال المنصة مشروعات طاقة متجددة بقدرة 4.2 جيجاوات، ما يُعزز انتقال مصر نحو اقتصاد منخفض الكربون.
الجدير بالذكر أن نجاح المنصة لا يقاس بحجم التمويل فقط، بل أيضًا بنوعية الشراكات التي ضمت مؤسسات دولية، وبنوكًا تنموية، وشركات قطاع خاص، إلى جانب آليات مالية مثل “مبادلة الديون”، التي وفّرت حلولًا ذكية لأزمات التمويل التقليدي.
الشفافية والمتابعة عماد الثقة
ما يميز نوفي هو التزامها المؤسسي بالشفافية، كما يتضح في “تقرير المتابعة رقم 2″، الذي وثّق إسهام المنصة في تحقيق التخفيف والتكيّف مع التغيرات المناخية. هذه المنهجية تُعزز الثقة بين الأطراف المحلية والدولية، وتوفر أدوات لتقييم الأثر التنموي والبيئي للمشروعات؛ ومن هنا تؤكد التجربة المصرية أن إصلاح البنية المالية لا يتم بتغيير القوانين فقط، بل بصناعة أدوات قابلة للتكيّف مع الأزمات، وتوجيه الموارد نحو أهداف مزدوجة: تنموية وبيئية.
رسالة مصر إلى العالم
من القاهرة إلى إشبيلية بعثت منصة نوفي برسالة قوية مفادها أن بناء نظام مالي عالمي أكثر عدالة ومرونة لا يتطلب نظريات جديدة، بل نماذج واقعية قابلة للتكرار والتوسع. وفي الوقت الذي تتسارع فيه التحديات المناخية والاقتصادية، تصبح منصات مثل منصة نوفي حجرَ الأساس في إعادة التوازن بين دول الشمال ودول الجنوب، وبين تمويل السياسات وتمويل الحياة.
وختامًا، فإنَّ منصة نوفي تُمثل تحولًا جوهريًّا في مفهوم تمويل التنمية المستدامة، إذْ تجاوزت النموذج التقليدي القائم على التعهدات إلى نموذج تنفيذي يدمج بين المناخ والتنمية في إطار مؤسسي مرن وشفاف. وقد أثبتت التجربة المصرية أنَّ إصلاح النظام المالي لا يتطلب مزيدًا من التمويل بقدر ما يحتاج إلى أدوات ذكية، مثل مبادلة الديون، وآليات متابعة دقيقة، وشراكات متعددة المستويات، بما يعزز ثقة المجتمع الدولي ويجعل من المنصة نموذجًا قابلاً للتكرار. وفي عالم تشتد فيه الأزمات، تُرسل نوفي رسالة واضحة؛ هي: تمويل التنمية ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة.




