أخبار الاستدامة

فيضانات باكستان 2025.. كارثة مناخية تهدد الأرواح وتستدعي حلولا مستدامة

فيضانات

فيضانات باكستان 2025.. كارثة مناخية تهدد الأرواح وتستدعي حلولا مستدامة

لم تهدأ بعد صرخات الاستغاثة القادمة من باكستان، حيث تتواصل حصيلة الضحايا في الارتفاع بشكل مأساوي جراء الفيضانات التي أحدثتها الأمطار الموسمية الغزيرة؛ فقد أكدت السلطات أنّ عدد القتلى تجاوز 307 أشخاص، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ جهودها وسط ظروف بالغة الصعوبة. وقد كانت ولاية خيبر بختونخوا -المحاذية لأفغانستان- هي الأكثر تضررًا؛ إذ تحولت جبالها إلى مسرح لانهيارات أرضية جارفة وفيضانات مفاجئة أودت بحياة العشرات.

العديد من الضحايا لقوا حتفهم تحت أنقاض المنازل المدمرة، فيما خطفت الصواعق والأمطار الغزيرة أرواح آخرين، وفي حين تعلن السلطات مناطق بأكملها منكوبة، يجد عناصر الإنقاذ أنفسهم أمام مهمة شبه مستحيلة، مع طرق مقطوعة وانزلاقات أرضية تعرقل الوصول إلى القرى النائية، وقد دفع ذلك الحكومة إلى نشر أكثر من ألفي عنصر إغاثة في محاولة لمواجهة الكارثة.

فرق الإنقاذ

غير أنّ المأساة لم تتوقف عند الخسائر البشرية وحدها؛ فقد جرفت السيول ما لا يقل عن 74 منزلًا بالكامل، فيما أضيفت مأساة جديدة بسقوط طائرة إنقاذ أسفر تحطمها عن مقتل طاقمها المكوَّن من 5 أفراد. وفي الشطر الباكستاني من كشمير، حصدت الكارثة أرواح 9 أشخاص آخرين، لتتضح أكثر صورة الوضع المأساوي الذي يخيّم على البلاد.

أمطار لا تتوقف وانزلاقات أرضية

ومع اتساع رقعة الدمار، تزداد المخاوف من أن القادم سيكون أشد قسوة؛ إذ تتوقع الأرصاد الجوية استمرار هطول الأمطار الغزيرة حتى 21 أغسطس، وهو ما يضع شمال غرب باكستان أمام سيناريو كارثي جديد؛ فبالنسبة لسكان خيبر بختونخوا، لم تعد الأمطار مجرد ظاهرة موسمية، وإنما أصبحت أزمة متصاعدة تعطل حياتهم بالكامل؛ فالطرق المقطوعة والانزلاقات الأرضية تحول دون وصول المساعدات، فيما يُجبر رجال الإنقاذ على السير لساعات في تضاريس خطرة للوصول إلى المحاصرين.

المتحدث باسم هيئة الكوارث في الولاية “بلال أحمد فائزي” أوضح أنّ سوء الأحوال الجوية يعقد كل الجهود، قائلًا: إن فرق الإنقاذ تحاول إجلاء الناجين إلا أن كثيرًا منهم يرفضون المغادرة خشية فقدان ذويهم المحاصرين تحت الركام، وهنا تتجلى مأساة إنسانية مضاعفة بين الرغبة في النجاة والخوف من ترك الأحبة تحت الأنقاض.

هذا المشهد يعكس قسوة الكوارث الطبيعية، حيث تتحول إلى امتحان قاسٍ للتضامن الإنساني وقدرة المجتمعات على التماسك؛ ففي وقت يحتاج فيه السكان إلى المأوى والماء النظيف والغذاء، يتعين على السلطات أن تتحرك بسرعة لتعزيز جهود الإنقاذ وتوفير الموارد الكفيلة بحماية المتضررين.

كارثة إنسانية

ومع ذلك فإن الأبعاد الإنسانية للكوارث تكشف دومًا عن الجانب الأكثر إيلامًا في المأساة، حيث تختزل التجارب الفردية حجم الخسائر بما يتجاوز الأرقام والإحصاءات؛ ففي قلب هذه الكارثة، يروي السكان قصصًا مؤثرة عن فقدان الأرض والذكريات والأحبة. أحد المزارعين من المناطق المتضررة تحدث بحزن عن أرض أسرته الزراعية التي ورثوها عبر أجيال، وقد اختفت تمامًا بعد أن جرفتها الانهيارات الأرضية. لم يعد هناك أثر للحقل الذي كان مسرحًا لألعاب الطفولة؛ إذ غطى الطين والصخور الضخمة كل شيء. هذا الرجل الذي انتشل عشرات الجثث من تحت الركام لم يجد سوى التعبير عن مزيج مرير من الحزن لفقدان الأحبة، والارتياح لمعرفة مصيرهم واستعادة أجسادهم.

وفي رواية أخرى، تحدث أحد المعلمين في المنطقة عن معاناة الأهالي الذين يجمعون الجثث ويقيمون صلاة الجنازة عليها في ظروف بالغة القسوة، وبمرارة وأسى، أشار إلى أنه وجد جثث عدد من طلابه، متسائلًا بوجع: “ماذا فعلوا كي يستحقوا هذا؟”. هذه الشهادات الشخصية تلخص حجم الألم الذي يعيشه المجتمع المحلي وتضع الكارثة في إطارها الإنساني الأعمق.

من المأساة إلى المسئولية

تشير هذه الأحداث إلى أزمة أعمق ترتبط بأهداف التنمية المستدامة، وبالتحديد الهدف (3) المتعلق بالصحة والرفاه، والهدف (11) المعني بجعل المدن والمجتمعات أكثر استدامة، فضلًا عن الهدف (13) الخاص بالعمل المناخي؛ فالكوارث الطبيعية، مثل فيضانات باكستان، ليست مجرد أحداث عابرة، وإنما هي مؤشرات صارخة على مدى ضعف البنية التحتية، وقصور خطط الطوارئ، وغياب العدالة المناخية.

والبشر الذين يعيشون في مناطق هشة مثل خيبر بختونخوا أو كشمير هم الأقل إسهامًا في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إلا أنهم الأكثر تضررًا من تبعاته. هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام مسئولية أخلاقية لتقديم الدعم الفني والمالي لهذه المناطق، وتعزيز قدراتها على الصمود أمام التغيرات المناخية.

فيضانات باكستان

وفي الختام، فإنَّ مؤسسة حماة الأرض تلقي الضوء على فيضانات باكستان 2025؛ لأنها تكشف أنَّ تغيّر المناخ لم يعد تهديدًا بيئيًّا فحسب، وإنما أزمة إنسانية شاملة تمس الأمن والاستقرار في أكثر المناطق هشاشة، وأنَّ ما جرى في خيبر بختونخوا وكشمير يوضح مدى غياب سياسات التكيّف الفعّالة وضعف البنية التحتية؛ مما يجعل الفقراء أول من يدفع الثمن، رغم أنهم الأقل إسهامًا في تفاقم الأزمة المناخية.

هذه المأساة تمثل درسًا عالميًّا يؤكد ضرورة إعادة صياغة مسار التنمية على أسس مستدامة، عبر الاستثمار في البنية التحتية الخضراء، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وتعزيز التضامن الدولي في مواجهة الكوارث؛ فحماية المجتمعات من مآسي الغد تبدأ من حماية الكوكب اليوم، ووضع الاستدامة في قلب كل السياسات التنموية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى