أخبار الاستدامة

لماذا تُعد تكساس أخطر ولاية في أمريكا للفيضانات؟

فيضانات

لماذا تُعد تكساس أخطر ولاية في أمريكا للفيضانات؟

في قلب الولايات المتحدة، وتحديدًا في ولاية تكساس، لا تمرّ السنوات من دون أن تترك الفيضانات بصمتها القاتلة، ولا تزال هذه الولاية تحتفظ بسجل قاتم يجعلها الأخطر بين جميع الولايات الأمريكية من حيث عدد الوفيات الناتجة عن الفيضانات، ورغم التقدم التكنولوجي الكبير في التنبؤ بالأحوال الجوية، فإن الكوارث المرتبطة بالمياه لا تزال تحصد الأرواح هناك بوتيرة مقلقة.

ففي الكارثة الأخيرة التي ضربت وسط تكساس، تجاوز عدد الضحايا حاجز الـ100؛ لتضاف هذه المأساة إلى سلسلة طويلة من الحوادث المشابهة. وتشير دراسة علمية نُشرت عام 2021 في مجلة Water إلى أن 1,069 شخصًا لقوا حتفهم في تكساس بين عامي 1959 و2019 جراء الفيضانات، وهو رقم يمثّل قرابة خمُس إجمالي الوفيات المرتبطة بالفيضانات في الولايات المتحدة بأكملها خلال تلك الفترة.

وللمقارنة فإن هذا المعدّل يفوق بأكثر من 370 وفاة عدد ضحايا الفيضانات في ولاية لويزيانا، التي تحتل المرتبة الثانية، ما يسلّط الضوء على فجوة مقلقة في الجاهزية والقدرة على الحد من الخسائر البشرية في تكساس تحديدًا؛ فما السبب وراء هذا التفاوت الكبير؟ هل الطبيعة وحدها هي المسئولة؟

وكذلك تشير المعطيات إلى أن الجغرافيا وحدها لا تقتل، صحيح أن ولاية تكساس تتميز بمزيج من المنحدرات الحادة، والتربة الصخرية غير القادرة على امتصاص كميات كبيرة من الأمطار، فضلًا عن مجاورتها لخليج المكسيك الحار والرطب الذي يغذي العواصف، إلا أن هذه العوامل الطبيعية لا تكفي وحدها لتفسير ارتفاع عدد الضحايا.

شارع غارق في ولاية تكساس بعد فيضان مفاجئ

السبب الأهم يكمن في عوامل بشرية مؤثرة، على رأسها ضعف أنظمة الإنذار المبكر في بعض المناطق، وقصور البنية التحتية في مواجهة السيول المفاجئة، إضافة إلى سلوكيات الأفراد التي تتجاهل تحذيرات السلامة وتقلّل من خطورة الظواهر الجوية.

ممر السيول

يصف الخبراء المنطقة التي شهدت الفيضانات الأخيرة بـ”ممر السيول”، حيث تُسهم التضاريس الجبلية في تسريع تدفّق المياه نحو الوديان والطرق، وتقول “كيت أبشاير” -المسئولة عن خدمات الفيضانات المفاجئة في الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)-: إنَّ المنحدرات الحادة والتربة الطينية الصخرية تجعل المياه تنساب بسرعة دون أن تتسرّب إلى الأرض، وهو ما يُحدث سيولًا عارمة في وقت قياسي، وتُضيف أن المدن -بأسطحها المغطاة بالإسفلت والخرسانة- تزيد من خطورة الفيضانات؛ لأنها تمنع المياه من الامتصاص الطبيعي في التربة، وهذا ما يحوّل الشوارع إلى مجارٍ للفيضانات.

وإذا كانت الطبيعة قد صاغت ما يُعرف بـ”ممر السيول” نتيجة التضاريس الجبلية والتربة الطينية الصخرية التي تسرّع تدفّق المياه، فإن العامل البشري يفاقم من حجم الكارثة؛ فكما يشير الخبير المناخي جيف ماسترز، فإن قرب تكساس من الخليج المكسيكي –أحد أكبر خزانات المياه الدافئة في شمال الأطلسي– يوفّر مصدرًا دائمًا للرطوبة، ما يزيد من كثافة الأمطار، ويحوّل المنطقة إلى بيئة مثالية للفيضانات المفاجئة.

السائقون لا يدركون خطر الفيضانات

وفي هذا السياق، تكشف الدراسات الميدانية أن معظم الوفيات الناجمة عن الفيضانات في ولاية تكساس كان يمكن تفاديها بتدخلات تنظيمية وسلوكية بسيطة، وهو ما يُسلّط الضوء على فجوة خطيرة في أنظمة التوعية والاستجابة؛ فبين عامي 1959 و2019، سُجّلت نحو 86% من حالات الوفاة أثناء الفيضانات عندما حاول الأفراد عبور المياه، مشيًا أو بواسطة المركبات، في حين تُشير الإحصائيات إلى أن أكثر من نصف الضحايا كانوا داخل سياراتهم أو شاحناتهم.

هذا النمط المتكرر من الحوادث يعكس تحديًا مزدوجًا: من جهة، ثقة مفرطة بقدرة المركبات على اجتياز المياه، وهو ما يُبرزه البروفيسور/ حاتم شريف من جامعة تكساس، ومن جهة أخرى، تجاهل متكرر للتعليمات الرسمية، بما في ذلك الحواجز التي توضع لإغلاق الطرق المغمورة، وتؤكد الخبيرة “كيت أبشاير” أنَّ عبارة “ارجع، لا تغرق” لم تفقد فعاليتها بقدر ما تضاءلت آليات تنفيذها.

فيضانات مفاجئة تغمر الطرق في ولاية تكساس الأمريكية

ولذلك فإن حماية الأرواح لا تتطلب فقط تحسين البنية التحتية أو أنظمة الصرف، وإنما تتطلب أيضًا منظومة متكاملة تشمل التثقيف المجتمعي، وتفعيل إجراءات الإغلاق الفوري للنقاط الحرجة، وتثبيت أجهزة استشعار مبكر، بما يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والبنية التحتية بوصفها شراكة في السلامة لا مجرد خدمة أحادية الاتجاه.

الضحايا أطفال

ورغم أن القرارات الفردية – كالإقدام على عبور المياه – تُعد من أبرز مسببات الوفيات، إلا أن الأحداث الأخيرة كشفت أن الخطر لا يقتصر على من يستهين بالتحذيرات، بل قد يطال من لا يملك حتى فرصة الاختيار؛ ففي كارثة Hill Country، لم يكن الضحايا من السائقين أو المخاطرين، وإنما كانوا أطفالًا في مخيم صيفي باغتتهم السيول وهم نائمون داخل خيامهم.

 لقد كشفت هذه الحادثة عن وجه آخر للقصور، يتمثل في غياب منظومات وقائية في أماكن يُفترض أنها آمنة، ما يجعلها جرس إنذار بضرورة إدماج سيناريوهات الطوارئ والإخلاء ضمن التخطيط لأي نشاط جماعي، مهما بدا بعيدًا عن الخطر، حيث تشير البيانات إلى أن حالات الوفاة داخل المساكن والمخيمات لا تتجاوز 8% من إجمالي ضحايا الفيضانات خلال العقود الستة الماضية، وهو ما يجعل حادثة هذا العام أكثر حزنًا واستثنائية.

ضحايا الفيضانات

كما أن توقيت الكارثة التي حدثت ليلًا يُفسّر جزئيًّا هذا العدد المرتفع من الضحايا، فوفقًا الدراسة فإن أكثر من نصف وفيات الفيضانات منذ 1959 حدثت بعد الغروب، حين لا يستطيع السكان تمييز عمق المياه أو الوصول لتحذيرات الإنذار في الوقت المناسب، ومن المؤلم أن الضحايا في هذا المخيم كانوا من الفئات الشابة، وهو ما يعيد تسليط الضوء على ضعف الاستعدادات في أماكن الأنشطة الصيفية، وضرورة وضع سيناريوهات إخلاء سريعة حتى في أوقات الترفيه.

خطر مميت

تشير بيانات جامعة تكساس إلى أن نحو 62% من ضحايا الفيضانات في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة كانوا من الذكور، وهو ما دفع عددًا من الخبراء إلى الربط بين هذا التفاوت الكبير وبين أنماط سلوكية تتسم بالمجازفة المفرطة، ويُفسر البروفيسور/حاتم شريف هذه الظاهرة بوجود ميل لدى فئات من الرجال إلى الثقة الزائدة في قدراتهم البدنية أو في قوة المركبات، خاصة أثناء الأزمات، وهو نمط تكرّر في سياقات مختلفة، أبرزها حوادث السير والفيضانات على حد سواء.

وهنا لا تبدو الأرقام مجرد مؤشرات إحصائية، وإنما تنبه إلى ضرورة تطوير خطاب توعوي أكثر حساسية للسلوكيات النفسية والاجتماعية السائدة، مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للمخاطرة؛ فحملات التحذير التقليدية التي تكتفي بتكرار الرسائل قد لا تفي بالغرض، ما لم تتم صياغتها بأساليب مبتكرة تمزج بين العقل والعاطفة، وتُراعي خصوصية المجتمعات.

الكارثة في مرآة الاستدامة

ما حدث في تكساس لا يجب أن ينظر إليه باعتباره مأساة إنسانية أو خللًا في إدارة الطوارئ فقط، وإنما هو مرآة واضحة لمدى الترابط بين العدالة المناخية والاستدامة الحضرية؛ فالفيضانات التي تزداد حدة بفعل تغيّر المناخ تُهدّد تحقيق الهدف رقم (11) من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بـ”جعل المدن آمنة وقادرة على الصمود”.

كما أن ضعف أنظمة الإنذار والتخطيط المكاني يعيق الهدف (13) “العمل المناخي”، الذي يدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة تغيّر المناخ وآثاره، ويعكس أيضًا الحاجة إلى تعزيز الهدف (6) المتعلق بإدارة المياه بشكل مستدام، خاصة في مواجهة الظواهر المناخية القاسية، ومن زاوية إنسانية، تُجسّد هذه الفيضانات تهديدًا مباشرًا للحق في الحياة والأمن، وهو ما يجعلها مرتبطة أيضًا بالهدف (3) الذي يتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.

وفي ضوء ما كشفت عنه مأساة الفيضانات في تكساس، تخرج هذه الكارثة عن إطارها الجغرافي والتقني لتطرح تساؤلات عميقة حول علاقة الإنسان بالبيئة، ومحدودية السياسات في مواجهة قوى الطبيعة حين تُهمَل عناصر الوقاية والعدالة المناخية. وإنَّ تكرار هذه الحوادث في ولاية واحدة، رغم ما تمتلكه من موارد وقدرات، يُشير بوضوح إلى أن الفجوة لم تعُد في التمويل أو المعرفة، بل في كيفية إدماج هذه المعرفة ضمن تخطيط حضري شامل، يربط بين البنية التحتية، والأنظمة التحذيرية، والسلوك البشري، والتوزيع العادل للمخاطر والموارد؛ وعليه، فإنَّ تكساس اليومَ نموذج لما قد يحدث حين تتآكل حدود الاستعداد، وتتراجع القيم البيئية أمام منطق التوسع غير المدروس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى