الاستدامة والقانون

هل تتحول قوانين المناخ إلى أداة لصناعة اقتصاد أخضر عالمي؟

قوانين المناخ

هل تتحول قوانين المناخ إلى أداة لصناعة اقتصاد أخضر عالمي؟

في ظل التحولات العالمية المتسارعة، بات على الشركات أن تتعامل ليس فقط مع ضغوط الأسواق، وإنما أيضًا مع تشريعات مناخية معقّدة ومختلفة، ومع التوسع في تطبيق قانون المناخ في عدد من الدول، تبرز تحديات جديدة أمام الشركات فيما يتعلق بتقديم تقارير الاستدامة البيئية والامتثال لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية.

وفي هذا السياق المتغير، تتباين الاستجابات التنظيمية من دولة إلى أخرى؛ ففي حين علّقت الولايات المتحدة بعض القوانين الفيدرالية المتعلقة بالمناخ، لا تزال ولايات مثل كاليفورنيا تمضي قدمًا في تطبيق تشريعات صارمة تتعلق بالإفصاح المناخي والمساءلة البيئية. إلى جانب ذلك، يفرض الاتحاد الأوروبي التزامات أكثر اتساعًا، تلزم الشركات الكبرى بإعداد تقارير دورية للاستدامة ضمن إطار تنظيمي يتسم بقدر متزايد من التفصيل والتعقيد. وعلى المستوى الدولي، تواصل الهيئة الدولية لمعايير الاستدامة (ISSB) جهودها لوضع معايير موحدة للإفصاح البيئي، في محاولة لتوحيد لغة الاستدامة وتقليص الفجوة التنظيمية بين مختلف النظم القانونية حول العالم.

ووفق تقارير حديثة من معهد الموارد العالمية، فإن نحو 40% من الناتج الاقتصادي العالمي بات قريبًا من الخضوع لقوانين الإفصاح البيئي، وهذا يشمل أسواقًا ناشئة مثل البرازيل، وتركيا، والصين وسنغافورة. وفي ظل هذا المشهد العالمي المتسارع، لم يعد سؤال الامتثال المناخي سؤالًا تنظيميًّا بحتًا، وإنما أصبح اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الشركات على التكيّف، وإعادة النظر في دورها في الاقتصاد الأخضر، حيث يتحول الالتزام البيئي من عبء تشريعي إلى أداة استراتيجية لبناء ميزة تنافسية مستدامة.

الاقتصاد الأخضر

كيف تنجح الشركات في التوافق مع تشريعات المناخ؟

من جانبها، ترى “هولي جرانت” -مسئولة قطاع الاستدامة في إحدى الشركات الألمانية العاملة في مجال صناعة الدواء- أنَّ تغيّر اللوائح والتشريعات لا يعني بالضرورة تغيير الأهداف المؤسسية، وإنما يكشف عن أهمية جاهزية الشركات لمواكبة التحولات التنظيمية، وتشدد على أن المؤسسات الناجحة هي التي تعتمد نهجًا استباقيًّا قائمًا على الحوكمة المرنة، والإدارة الرشيدة للموارد، وبناء قدرة داخلية على التكيّف المستدام.

وتمثل المرونة التنظيمية استثمارًا حقيقيًّا في مستقبل الشركات؛ فالتوافق مع قوانين المناخ يمنح المؤسسات ميزة تنافسية أمام مستثمرين أصبحوا أكثر وعيًا بأهمية خفض الانبعاثات، وأشد حرصًا على تمويل الكيانات التي تدمج المعايير البيئية والاجتماعية في صلب نموذجها التشغيلي، وقد بات واضحًا أن تشريعات المناخ تُعيد صياغة العلاقة بين الشركات والبيئة، ليس فقط عبر الإلزام القانوني، وإنما من خلال فرض نموذج جديد يرتكز على الشفافية والمساءلة والالتزام طويل الأمد.

نحو لغة موحدة للاستدامة

في ظل تعدد الأطر التنظيمية وتشعّب متطلبات الإفصاح المناخي من دولة إلى أخرى، تبرز معايير الهيئة الدولية لإعداد تقارير الاستدامة (ISSB)  باعتبارها مبادرة محورية لتوحيد لغة الاستدامة عالميًّا، وتشير تصريحات “نيل ستيوارد” أحد مسئولي الهيئة، إلى أن أكثر من 36 دولة بدأت بالفعل بتبني هذه المعايير، وهو ما يغطي نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و40% من القيمة السوقية، إلى جانب 50% من إجمالي الانبعاثات الكربونية.

وفي هذا السياق، تكتسب معايير الهيئة الدولية لإعداد تقارير الاستدامة (ISSB) أهمية متزايدة، باعتبارها محاولة رائدة لتوحيد لغة الإفصاح البيئي على مستوى عالمي، وتقليص التفاوت التنظيمي بين الدول. ووفقًا لتصريحات “نيل ستيوارد” أحد مسئولي الهيئة، فقد بدأت أكثر من 36 دولة في اعتماد هذه المعايير، التي تغطي ما يقرب من 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و40% من القيمة السوقية، ونصف الانبعاثات الكربونية العالمية.

هذا الإطار الموحد لا يسهم فقط في تسهيل مقارنة الأداء البيئي والمالي بين الشركات، وإنما يُبسّط التقارير المقدّمة للمستثمرين، ويقلل من التكرار، ويُتيح فهمًا أوضح لتأثير المخاطر المناخية على الجوانب المالية الحيوية، كالتدفقات النقدية وتكلفة رأس المال؛ مما يعزّز القدرة المؤسسية على اتخاذ قرارات استراتيجية قائمة على الشفافية والاستباق.

كيف تصنع الشركات القيمة المناخية؟

يرى الخبراء أن الشركات الواعية بتحديات المناخ تدرك أن الإفصاح البيئي أصبح جزءًا أساسيًّا من التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد؛ فمن خلال دمج مبادئ الاستدامة في العمليات اليومية، وربطها بإدارة المخاطر البيئية ومعايير الاستثمار المسئول، تتحول تقارير الاستدامة إلى أدوات فعالة لإعادة بناء الثقة وصياغة هوية مؤسسية متجددة.

ومع التوسع العالمي في مفهوم الاقتصاد منخفض الكربون، وازدياد الطلب على المنتجات والخدمات ذات البصمة البيئية المحدودة، أصبحت الشفافية المناخية أحد أبرز عوامل تميّز الشركات أمام المستثمرين والعملاء على السواء؛ فالمؤسسات التي تُفصح بصدق عن التحديات والفرص البيئية تجد نفسها في موقع قيادي داخل أسواق تبحث عن حلول مسئولة ومستدامة.

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن قوانين المناخ لم تعد مجرد أدوات تنظيمية تُفرض من أعلى، وإنما تحوّلت إلى محفزات لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على أسس أكثر عدالة واستدامة، وفي زمن تتزايد فيه المخاطر البيئية وتتصاعد فيه تطلعات المجتمعات نحو الشفافية والمساءلة، تصبح قدرة الشركات على التكيّف مع تشريعات المناخ معيارًا لمدى استعدادها للمستقبل.

وترى حماة الأرض -أيضًا- أنَّ التحول نحو الإفصاح البيئي الاستراتيجي يفتح أمام الشركات أبوابًا جديدة للتمويل، وبناء الثقة، وتوسيع الشراكات العابرة للحدود، غير أنه في الوقت نفسه يكشف عن الفجوة القائمة بين من يمتلك أدوات الحوكمة البيئية، ومن لا يزال ينظر إلى الاستدامة باعتبارها عبئًا لا فرصة. وبين هذا وذاك، تتحمل الحكومات والقطاع الخاص مسئولية مشتركة لإعادة تصميم السياسات والأنظمة المالية بما يضمن تسريع التحول نحو الاقتصاد المستدام دون ترك أحد خلف الركب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى