أول حاسوب كمي بقدرة 50 كيوبت نقلة نوعية مستدامة

أول حاسوب كمي بقدرة 50 كيوبت نقلة نوعية مستدامة
في خطوة رائدة نحو مستقبل تكنولوجي متقدم ومستدام، أعلن مركز الأبحاث التقنية في فنلندا في الرابع من مارس الماضي عن إطلاق أول حاسوب كمي بقدرة 50 كيوبت (Qubit)، وهو ما يُعد نقلة نوعية في مجال الحوسبة الكمية، ويعكس تقدمًا علميًّا يستحق المتابعة والبحث، ويعزز جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ ولذلك تستعرض حماة الأرض في هذا المقال الآفاق الواعدة لهذا الابتكار ودوره المحتمل في دعم أهداف التنمية المستدامة.
ما الحوسبة الكمية؟
لفهم أهمية هذا التطور وتأثيره المستقبلي، من الضروري التعرف على مفهوم الحوسبة الكمية وآلية عملها، حيث تعتمد الحوسبة الكمية على مبادئ فيزياء الكم؛ مما يمنحها القدرة على التعامل مع كميات ضخمة من المعلومات بسرعة فائقة، بخلاف الحوسبة التقليدية التي تعالج البيانات بأسلوب متسلسل.
تعتمد هذه التقنية على “الكيوبت“؛ الوحدة الأساسية للمعلومات، وهي تتميز بقدرتها على التشكل في أكثر من حالة في الوقت نفسه، على عكس النظام الثنائي التقليدي (0-1). وهذه الخاصية تتيح للأجهزة تنفيذ عمليات معقدة بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين؛ مما يعزز من إمكاناتها في تحليل البيانات واتخاذ القرارات بشكل أسرع وأكثر دقة.
نقلة نوعية في معالجة البيانات
بدأت رحلة التطوير في عام 2021 مع جهاز كمي يعمل بقدرة 5 كيوبت، حيث تم دمجه مع شبكة الحوسبة عالية الأداء في فنلندا من خلال استخدام الكمبيوتر الفائق، وفي عام 2023 تم إنهاء بناء نظام كمي بقدرة 20 كيوبت؛ مما مهد الطريق للوصول إلى النظام الحالي الذي يعمل بـ 50 كيوبت، وتُعد هذه الزيادة طفرة حاسمة تتجاوز القدرات الحسابية للأنظمة التقليدية في معالجة الحسابات المعقدة. وقد شهد المشروع استثمارًا استراتيجيًّا من الحكومة الفنلندية بقيمة 20.7 مليون يورو منذ عام 2020؛ مما يُبرِز مدى الالتزام بتطوير تقنيات متطورة تدعم البحث والابتكار.
تطبيقات الحوسبة الكمية في التنمية
يأتي هذا الابتكار ليغير مفهوم معالجة البيانات على مستويات غير مسبوقة، وهو أمر يسهم بشكل مباشر في عدة مجالات تتعلق بالتنمية المستدامة، أحد أبرز تطبيقاته يتمثل في نمذجة المناخ وتحليل التغيرات البيئية، حيث تتيح قدراته الحسابية الهائلة تحسين دقة نماذج المناخ، والتنبؤ بالتغيرات المناخية المستقبلية. ويساعد ذلك العلماء وصناع القرار على وضع استراتيجيات فعالة للتكيف مع التغيرات البيئية، وهذا ما يسهم في تحقيق الهدف (13) من أهداف التنمية المستدامة “العمل المناخي”.
إلى جانب ذلك، تسهم الحوسبة الكمية في تحسين كفاءة استخدام الطاقة من خلال تطوير شبكات ذكية تضمن توزيعًا أكثر كفاءة للطاقة، وتحسين أداء الأنظمة المتجددة، حيث يؤدي هذا إلى تقليل استهلاك الطاقة، وتعزيز الاعتماد على مصادر نظيفة؛ مما يدعم تحقيق الهدف (7) “طاقة نظيفة وبأسعار معقولة”.
كما يفتح هذا التقدم آفاقًا واسعة لابتكار تقنيات ومواد جديدة؛ إذ تمكِّن الحوسبة الكمية الباحثين من تحليل التفاعلات الكيميائية المعقدة بسرعة ودقة، ويسهم ذلك في اكتشاف مواد مستدامة تقلل من التلوث وتحافظ على الموارد الطبيعية؛ وهو ما يعزز تحقيق الهدف (12) “الاستهلاك والإنتاج المسئولان”.
التحديات والمخاوف
وعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي توفرها الحوسبة الكمية، فإن تبني هذه التقنية على نطاق واسع لا يخلو من التحديات، وتعد التكلفة العالية إحدى أبرز العقبات؛ إذ يتطلب تطوير هذه الأجهزة وجود استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يجعل الوصول إليها محدودًا، خاصة في الدول النامية التي قد تجد صعوبة في مواكبة هذا التطور.
إلى جانب ذلك، تثير المخاوف الأمنية قلقًا متزايدًا، حيث تتمتع هذه الأجهزة بقدرة غير مسبوقة على فك التشفير؛ مما قد يشكل تهديدًا لأمن البيانات والخصوصية. ولضمان الاستخدام الآمن والمستدام لهذه التقنية لا بُدَّ من وضع سياسات دولية صارمة تعزز الحماية الرقمية، وتمنع استغلال هذه القدرات لأغراض غير مشروعة.
وترى حماة الأرض أنَّ إطلاق هذا الكمبيوتر يمثل خطوة مهمة نحو مستقبل أكثر استدامة، حيث يحمل في طياته إمكانات هائلة في مجالات المناخ والطاقة والابتكار. ومع استمرار الأبحاث والتعاون الدولي، يأمل العلماء أنْ يسهم هذا الابتكار في الحفاظ على كوكبنا وضمان مستقبل أفضل لنا وللأجيال القادمة.




