كيف توحد الرياضة الشعوب في إطار الحوكمة والاستثمار المسئول؟

كيف توحد الرياضة الشعوب في إطار الحوكمة والاستثمار المسئول؟
تُعد الرياضة قوة ناعمة ذات إمكانات هائلة لدفع عجلة التغيير الإيجابي، وقد تجاوزت كونها نشاطًا بدنيًا أو وسيلة للترفيه، لتصبح أداة استراتيجية قادرة على التأثير في سلوك الأفراد والمؤسسات، وتعزيز مبادئ الحوكمة، ودفع عجلة الاستثمار المسئول، بما يخلق أثرًا اجتماعيًا مستدامًا؛ فلم تعد الملاعب مجرد ساحات للتنافس، وإنما تحولت إلى منصات للتوعية والعمل الجماعي، وأوضحت البطولات الكبرى مساحات تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الالتزامات الأخلاقية؛ فتُصبح الرياضة أداة فاعلة لتحقيق جميع أبعاد التنمية المستدامة.
وفي الوقت الذي تنطبق فيه هذه الرؤية على الرياضة عمومًا، فإن كرة القدم -بصفتها اللعبة الأكثر شعبية وانتشارًا- تمثل نموذجًا واضحًا لتجسيد هذه الإمكانات؛ ولذلك تستعد حماة الأرض في هذه الأيام لإطلاق درع الاستدامة للأندية الرياضية؛ من أجل تعزيز دور الأندية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وذلك بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة.
ومن هذا المنطلق، تستعرض حماة الأرض في هذا المقال الإمكانات الفريدة التي تتيحها الرياضة لدعم أهداف التنمية المستدامة، وتتناول أبرز المبادرات التي تبنّت هذا التوجه، والتحديات التي تواجه تحويلها إلى تأثير ملموس، مع استكشاف السبل الكفيلة بترسيخ الحوكمة وتعزيز الاستثمار المسئول داخل المنظومة الرياضية، بما يجعلها داعمة حقيقية للتغيير الإيجابي؛ فتابعوا القراءة.
الأثر الاجتماعي للرياضة
تتجاوز أهمية الرياضة حدود كونها وسيلة للترفيه أو المنافسة، إلى أن تكون ظاهرة اجتماعية وثقافية واقتصادية لها القدرة على بناء مجتمعات أكثر عدالة واستدامة؛ فهي تسهم في تحسين جودة حياة الأفراد في المجتمع، حيث تشجع على ممارسة الأنشطة البدنية، وتساعد على بناء علاقات اجتماعية قوية، وتغرس في النفوس قيم التعاون والتآزر، كما أنها تُعتبر ظهيرًا ثقافيًّا مهمًّا يعكس مستوى التقدم المجتمعي والثقافي؛ مما يجعلها ركيزة أساسية في تعزيز السلام وبناء الثقة بين الشعوب.
ولذلك نرى أن كرة القدم -بوصفها الرياضة الأكثر شعبية وانتشارًا- تجسد هذه القيم على نطاق عالمي؛ فهي ليست مجرد رياضة تنافسية، وإنما أصبحت لغة عالمية توحد المجتمعات وتبني جسور التواصل بين الشعوب، وتسهم بشكل فعّال في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال مبادرات ملهمة، مثل “كرة القدم من أجل الأهداف” التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 2022، بهدف تعزيز التفاعل بين مجتمع كرة القدم العالمي وأهداف التنميةِ المستدامةِ والدعوة إليها.
وفي هذا السياق، شهد مقر الأمم المتحدة يوم 25 مايو 2025، منتدى بعنوان “أبطال التغيير: كرة القدم والأمم المتحدة تتحدان من أجل أهداف التنمية المستدامة”، الذي جمع مسئولين أمميين رفيعي المستوى وأبرز الأصوات في عالم الساحرة المستديرة، وكان ذلك ضمن فعاليات الاحتفال باليوم العالمي لكرة القدم 2025، الذي اعتمدته الأمم المتحدة منذ ديسمبر 2022، تخليدًا لأول بطولة دولية شارك فيها ممثلون من جميع القارات عام 1924؛ مما يعكس التقدير العالمي لدور الرياضة في بناء السلام والتنمية.
وركز المنتدى على تحفيز المجتمع الكروي للعمل المشترك في مجالات أساسية كالمساواة بين الجنسين، والعمل المناخي، وتضمنت الفعالية مناقشات حول دور كُرة القدم في مواجهة التفاوتات العالمية، وتعزيز الاستدامة، بالإضافة إلى تبادل أفضل الممارسات وتبنّي التزامات واضحة لتوسيع أثر الرياضة في تحقيق أهداف التنميةِ المستدامةِ.
وتلعب مشروعات كُرة القدم المجتمعية دورًا محوريًّا في تمكين الشباب وتوفير مسارات بديلة، خاصة في المناطق التي تعاني من التهميش أو النزاعات في العالم العربي ومختلف أنحاء المعمورة، حيث تُستخدم اللعبة باعتبارها أداة لجذب الشباب إلى برامج تعليمية وتدريب مهني، وتنمية المهارات الحياتية، وتعزيز الصحة البدنية والنفسية، ومكافحة الانحراف والجريمة؛ مما يسهم في تحقيق الهدف (4) المتعلق بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع.
الرياضة أداة للاستثمار المسئول
وشهد الجانب الاقتصادي للرياضة تحولًا تدريجيًّا نحو ممارسات أكثر مسئولية واستدامة، مدفوعًا بوعي متزايد لدى المؤسسات الرياضية من الأندية والاتحادات ومن الرعاة أيضًا، بأهمية المواءمة بين الأهداف التجارية والأثر المجتمعي والبيئي؛ فقد أصبحت الرياضة صناعة ضخمة تستحق إدارة مسئولة.
ويظهر هذا التحوّل جليًّا في اعتماد العديد من المؤسسات الرياضية لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) في عملياتها اليومية، مثل الشفافية في سلاسل التوريد، والاعتماد على مصادر أخلاقية للمنتجات والخدمات الرياضية، وتوجيه جزء من الاستثمارات نحو مشروعات تنموية محلية، وهذه الممارسات لا تعزز فقط سمعة العلامات الرياضية، وإنما تسهم أيضًا في تحقيق هدفين أساسيين ضمن أهداف التنمية المستدامة، هما: الهدف (8) المتعلق بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد، والهدف (12) الخاص بالإنتاج والاستهلاك المسئولين.
ومن الأمثلة على اتباع المؤسسات الرياضية لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، ماراثون لندن 2025 الذي يعد نموذجًا للاستثمار المسئول في رياضات التحمل، حيث أعلنت إدارة ماراثون لندن عن تحقيق هدفها المتمثل في إزالة كمية كربون تفوق الانبعاثات الناتجة عن الحدث بحلول نهاية 2025، وذلك قبل خمس سنوات من الجدول الزمني الأصلي؛ ولتحقيق ذلك استخدمت المنظمة زيت نباتي مهدرج (HVO) لتشغيل المولدات الكهربائية؛ مما قلل انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 40% مقارنة بالوقود التقليدي، كما فرضت رسومًا إضافية على المشاركين الدوليين لدعم مشروعات امتصاص الكربون عبر شراكة مع منظمة “كلايمت إمباكت بارتنرز”.
وبالإضافة إلى ذلك عملت إدارة المارثون على تعزيز الاقتصاد المحلي خلال الحدث، حيث تم توظيف 3,000 شخص من سكان لندن في مجالات التنظيم والخدمات اللوجستية، مع توفير برامج تأهيلية في إدارة الأحداث المستدامة بالتعاون مع الجامعات المحلية، كما خصص 10% من عائدات التذاكر لتمويل مبادرات تعليمية في المدارس ذات الدخل المحدود؛ مما يعكس التكامل بين الاستثمار الرياضي والتنمية المجتمعية.
ومع ذلك فإن تسخير القوة الاقتصادية الهائلة للرياضة من أجل تحقيق أهداف تنموية أوسع نطاقًا لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتطلب رؤية استراتيجية والتزامًا حقيقيًّا، حيث تتضمن الإمكانات المطلوبة تطوير بنية تحتية رياضية مستدامة تخدم المجتمعات المحلية، وتوفير فرص عمل لائقة في القطاعات الرياضية، واستخدام الأحداث الرياضية الكبرى باعتبارها منصات لتعزيز السياحة المستدامة والتنمية المحلية.
ويتطلب تحقيق ذلك تجاوز عقبات مثل التركيز المفرط على الربح القصير الأجل، ونقص الشفافية في التدفقات المالية، والحاجة إلى بناء شراكات فعالة بين المؤسسات الرياضية العامة والخاصة والمجتمع المدني؛ لضمان توجيه الاستثمارات نحو تحقيق أثر تنموي حقيقي ومستدام، وهو ما يجب أن تحرص عليه جميع الأطراف المعنية؛ من أجل الإسهام في تعزيز أهداف التنميةِ المستدامةِ بشكل فعلي.
الحوكمة الرشيدة تضمن نزاهة الرياضة
ولتحقيق هذا الهدف الشامل، تبرز الحوكمة الرشيدة باعتبارها عنصرًا جوهريًّا يضمن قدرة الرياضة على الإسهام بفعالية في تحقيق التنمية المستدامة؛ فالشفافية في العمليات المالية والإدارية، ومكافحة الفساد والممارسات غير الأخلاقية، وتطبيق معايير صارمة للحوكمة داخل المؤسسات الرياضية، بدءًا من المؤسسات الدولية والاتحادات القارية وصولًا إلى الاتحادات الوطنية والأندية، وجميعها شروط أساسية للحفاظ على نزاهة الرياضة ومصداقيتها.
هذه الممارسات لا تضمن فقط توجيه الموارد المالية الضخمة نحو الأهداف الصحيحة، بما في ذلك دعم المبادرات التنموية، وإنما تعزز أيضًا الثقة بين جميع أصحاب المصلحة، وهو أمر حيوي لتحقيق الهدف (16) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق ببناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة.
ولا يقتصر دور الحوكمة على هذه الجهات، وإنما يمتد ليشمل دور الجماهير ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في مساءلة القائمين على إدارة الرياضة عن التزاماتهم المعلنة تجاه القضايا الاجتماعية والبيئية، حيث يتزايد وعي الجماهير بأهمية الاستدامة، ويمارسون ضغوطًا متزايدة على أنديتهم واتحاداتهم لتبني ممارسات أكثر مسئولية، بدءًا من تصميم أطقم صديقة للبيئة وصولًا إلى دعم قضايا العدالة الاجتماعية؛ فهذا الحراك المجتمعي، المقترن بالرقابة الإعلامية المستقلة، يشكل قوة دفع مهمة لضمان ألا تظل الوعود بدعم التنمية المستدامة مجرد شعارات، وإنما تتحول إلى أفعال ملموسة تخدم المجتمعات.
إنَّ الرياضة تعد اليوم أداة عالمية قادرة على دفع عجلة التنميةِ المستدامة، بما تحمله من قوة تأثير وشعبية واسعة؛ ولذلك تدعو حماة الأرض إلى مواصلة العمل لتحويل إمكاناتها إلى واقع ملموس وتجديد الالتزام بمعايير الاستدامة بجميع أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وذلك من جميع الأطراف؛ فبتكامل الجهود، يمكن للرياضة أن تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.




