الاقتصاد العالمي أمام جاكسون هول.. تأثير الفيدرالي وأسواق أوروبا في التنمية

الاقتصاد العالمي أمام جاكسون هول.. تأثير الفيدرالي وأسواق أوروبا في التنمية
نهاية الأسبوع الماضي اتجهت أنظار المستثمرين في أوروبا إلى بلدة جاكسون هول، حيث اجتمع صُنَّاعُ السياسة النقدية، يتقدمهم رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي “جيروم باول”، في وقتٍ تزداد فيه علامات القلق داخل الأسواق الأوروبية مع صدور مؤشرات مديري المشتريات (PMI)، التي ترسم صورة دقيقة عن أداء الاقتصاد في منطقة اليورو.
وحول ذلك الحدث الأوروبي فسوف تتناول مؤسسة حماة الأرض أبعادَ التطورات الاقتصادية الأوروبية الأخيرة من زاوية تأثيرها في جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما أننا نعيش في عالم تبحث شعوبه عن فرصة لإحداث توازن دقيق بين الاستقرار المالي وحماية المستقبل؛ فتابعوا القراءة.
الحذر الأوروبي قبل ندوة جاكسون هول
في الساعات التي سبقت افتتاح الأسواق الأوروبية يوم الخميس الماضي سادت حالة من التردد، حيث أشارت العقود الآجلة إلى تحركات طفيفة في مؤشرات كبرى مثل “كاك 40″ الفرنسي و”داكس” الألماني، حينما أظهر مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي ميلًا محدودًا نحو الصعود.

وكانت هذه التحركات الطفيفة تعبيرًا واضحًا عن ترقُّبٍ واسعٍ لما سيصدر لاحقًا عن ندوة جاكسون هول، التي أصبحت منصة مركزية لفهم اتجاهات السياسة النقدية الأمريكية.
ذلك الحذر الأوروبي نهاية الأسبوع الماضي نبع من إدراك عميق بأنَّ قرارات الفيدرالي الأمريكي لا تنحصر في حدود الاقتصاد الأمريكي وحده، بل تمتد آثارها لتطال الاستثمارات، وأسعار الصرف، وتدفقات رأس المال عبر القارة العجوز.
وبذلك يصبح الاستثمار في أوروبا أكثر حساسية لأي إشارة سوقية قد تصدر من جيروم باول، سواء كانت نحو خفض الفائدة أم استمرار التشديد، ومهما كانت الظروف الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

في الوقت ذاته، ينتظر المستثمرون في منطقة اليورو مؤشرات (PMI) -اختصار Purchasing Managers Index – الذي يُستخدم لقياس نشاط قطاع الأعمال في أي دولة، وهناك أشارت التوقعات إلى ركود شبه كامل في النشاط الاقتصادي؛ مما يزيد الضغط على صُنَّاع القرار في البنك المركزي الأوروبي، ويفتح نقاشًا حول حدود قدرتهم على تحفيز النمو دون إشعال موجة تضخمية جديدة.
هذا المشهد يعكس التحدي المزدوج أمام أوروبا؛ فمِن جهة هناك حاجة إلى الحفاظ على تنافسية اقتصادها في ظل تباطؤ عالمي، ومن جهة أخرى لا بُدَّ من ضرورة الالتزام بأهداف طويلة الأجل؛ تلك الأهداف المرتبطة بالتحول الأخضر، والاستثمار في البنية التحتية المستدامة، وهو ما يجعل أيَّ اضطرابٍ مالي خطرًا اقتصاديًّا مضاعفًا.
رسائل الفيدرالي بين التضخم والركود
تأتي ندون جاكسون هول في وقت حساس بالنسبة إلى الاقتصاد الأمريكي؛ إذْ أظهرت بيانات سوق العمل الأخيرة بعضَ الضعف، مما يعزز من احتمال خفض أسعار الفائدة في سبتمبر المقبل، ولا يقف في وجه هذا التوقع سوى أنَّ أرقام أسعار المنتجين في شهر يوليو الماضي قد جاءت أعلى من المتوقع؛ لتعيد المخاوف من أنَّ التضخم لم يُكبح بعدُ!
وقد كشفت محاضر الفيدرالي الأخيرة انقسامًا داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وكان هذا من خلال قلة من الأعضاء الذي يدعون إلى خفض سريع للفائدة، حينما ظل معظمهم متمسكًا بالتحفظ بسبب المخاطر التضخمية. وهذا الانقسام يعكس المعضلة الكلاسيكية لأي بنك مركزي: هل الأولوية لإنقاذ النمو أم لمواجهة التضخم؟
أمَّا “جيروم باول” فقد كان أمام اختبار مزدوج، فلو أنه مال في خطابه نحو التفاؤل وخفض الفائدة فقد يُنعش الأسواق مؤقتًا، ويهدد بإعادة إشعال التضخم في الوقت نفسه. وإذا تمسك بالحذر وركز على استقرار الأسعار فقد يضغط تصريحه على النمو الاقتصادي، ويثير موجة تصحيح في الأسواق العالمية.
ومن منظور التنمية المستدامة فإنَّ هذه الخيارات لا تعني أرقامًا اقتصادية فحسبُ، وإنما ترتبط مباشرة بقدرة الأُسر على الإنفاق، وباستدامة الوظائف، وبقدرة الحكومات على تمويل مشروعات البنية التحتية الخضراء.
انعكاسات على الأسواق العالمية
لقد سبقت الأسواقُ الأمريكيةُ ذلك الحدث بتقلبات ملحوظة؛ إذْ أغلق “داو جونز” عند ارتفاع طفيف، وفَقَدَ “إس آند بي 500” جزءًا من مكاسبه، وتراجع “ناسداك” بشكل أوضح؛ بسبب الضغط على أسهم التكنولوجيا. وقد عكس هذا التباين هشاشة الثقة الاستثمارية بين المستثمرين الأوروبيين، الذين دائمًا ما يترقبون توجُّه الفيدرالي بدقة بالغة.
وفي آسيا جاءت التفاعلات متباينة أيضًا، حيث شهدت اليابان تراجعًا في مؤشر “نيكاي” متأثرًا بموجة جني الأرباح التي سببتها خسائر “وول ستريت”، في حين سجلت الصين مكاسبَ ملحوظةً -خاصةً في قطاعَي التكنولوجيا المالية والعملات الرقمية- بعد إصدار تقارير تفصح عن نية “بكين” السماح باستخدام العملة الرقمية المسماة “ستايبلكوينز” بصورة متصلة بعملتها الوطنية -اليوان- لتعزيز مكانتها عالميًّا.
هذه التحركات الآسيوية ليست مجرد رد فعل على الأسواق الأمريكية، بل تعكس صراعًا عالميًّا أوسع على قيادة النظام المالي الجديد؛ ليصبح الوضع عبارة عن رهان صيني على العملات الرقمية، وتمسك أمريكي بأدوات السياسة النقدية التقليدية.
وهنا تبدو الانعكاسات على اقتصاد أوروبا مباشرةً ومقلقةً؛ لأنَّ تذبذب الأسواق يزيد صعوبة اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل، خصوصًا في المجالات التي تحتاج إلى تمويل ضخم، مثل الطاقة المتجددة، والابتكار التكنولوجي المستدام.

مؤشرات حساسة لمستقبل الاقتصاد
من جهة أخرى، واصل الدولار ارتفاعه الطفيف أمام سلة من العملات، مع تراجع اليورو قبل صدور مؤشر (PMI)، وقد عبَّر هذا الضعف النسبي للعملة الأوروبية عن شكوك أوسع حول قدرة أوروبا على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في ظل السياسة النقدية الحالية.
أمَّا في سوق السندات فقد ظلت عوائد الخزانة الأمريكية مستقرةً عند 4.29%، في حين أنَّ عوائد السندات الألمانية قد استقرت عند 2.70%. وهذانِ الاستقرارانِ الظاهريانِ يخفيانِ خلفهما توترًا عميقًا، حيث يدرك المستثمرون أنَّ أيَّ تصريحٍ من “باول” قد يقلب موازين الأسواق فجأةً.
وفي السياق نفسه، عادت أسعار النفط إلى الصعود، مدفوعةً بتراجع المخزونات الأمريكية وتزايد المخاوف من استمرار الحرب في أوكرانيا. لكنْ يجب التنبيه هنا على أنَّ هذا الارتفاع يمثل سيفًا ذا حدينِ: فهو يدعم أرباح شركات الطاقة، ويزيد أعباء المستهلكين، ويهدد بتأجيج التضخم مجددًا في وقت واحد.
خلاصة القول، هي أنَّ العملات تعكس الثقة، والسندات ترسم صورة عن توقعات المستقبل، والنفط يحدد تكلفة الإنتاج والنقل. وكلها عوامل تمس مباشرةً أهداف التنمية المستدامة، سواء عبر أمن الطاقة أو استقرار الأسعار أو تمويل مشروعات التنمية في البلدان النامية، والذي يقع -حصرًا- على عاتق الدول المتقدمة؛ المسئول التاريخي عن الانبعاثات الكربونية العالمية.
الاقتصاد العالمي والاستدامة
في خضم هذه التطورات يبقى السؤال الجوهري: كيف يمكن للعالم أنْ يحقق توازنًا مقبولًا بين الاستقرار المالي وتحقيق أجندة 2030 للتنمية المستدامة؟
نعم، قد تنجح السياسات النقدية المتشددة في كبح جماح التضخم، لكنها تهدد بزيادة البطالة، وتقليص جهود الاستثمارات الخضراء، وكذلك قد تعزز سياسات التمويل الميسر النموَّ على المدى القصير، باستثناء أنها قد تترك آثارًا تضخمية تعرقل خطط التحول المستدام.
ذلك كله جعل أوروبا واقفةً موقفًا مترددًا؛ لأنها وجدت نفسها مضطرةً إلى التفكير بعيدًا عن المعادلات التقليدية؛ أي تحفيز اقتصادها، وفي الوقت نفسه تعزيز استثماراتها في الطاقة المتجددة، وتبني سياسات مالية داعمة للتحول الأخضر.

إذنْ، يظهر بوضوح أنَّ أيَّ نقاشٍ حول أسعار الفائدة أو مؤشرات البورصة ليس مجرد مسألة مالية، بل قضية متشابكة مع حق الناس في الحصول على حياة كريمة، وقدرة الأجيال القادمة على وراثة اقتصاد مستدام وعادل.
ومِن هنا، فإنَّ مراقبةَ تحركات الأسواق العالمية، وفهمَ سياسات البنوك المركزية ركيزتانِ لضمان استدامة النمو وحماية الموارد للأجيال القادمة، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة؛ لذا لا تجد مؤسسة حماة الأرض هنا سوى أنْ تؤكد ضرورة الدمج بين الاستقرار المالي والتحول الأخضر والاستثمار المستدام على مستوى عالمي؛ تحقيقًا للتنمية الشاملة.




