مصر تطلق مبادرة NILE لاستقطاب الخبرات الطبية العالمية وخفض تكلفة العلاج

مصر تطلق مبادرة NILE لاستقطاب الخبرات الطبية العالمية وخفض تكلفة العلاج
تواصل مصر خطواتها المتسارعة نحو ترسيخ مكانتها الإقليمية في مجال الرعاية الصحية المتقدمة، حيث أعلن الدكتور/ أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، إطلاق أول مبادرة وطنية من نوعها؛ هي مبادرة NILE (Network for International Leadership & Expertise)؛ لاستقطاب الخبرات الطبية المصرية الناجحة عالميًّا، واستعادة العقول المهاجرة؛ من أجل تطوير وتوطين أحدث خدمات الرعاية الصحية داخل البلاد.
وفي إطار هذه المبادرة شهد مجمع السويس الطبي نجاحًا نوعيًّا جديدًا تمثل في إجراء أولى عمليات تغيير الصمام الأورطي بالقسطرة عبر تقنية تافي (TAVI)، وذلك بمشاركة نخبة من الأطباء المصريين العالميين.

ويكتسب هذا التطور أهمية تتجاوز حدوده الطبية؛ إذ يعكس مسعى الدولة نحو توطين أحدث التقنيات العلاجية داخل مؤسساتها، ويمثل ركيزة أساسية في بناء نظام صحي مستدام يقوم على اللامركزية والعدالة. كما يُبرز قدرة مصر على تحويل التحديات إلى فرص عبر الجمع بين الاستثمار في الكوادر البشرية والتكنولوجيا الطبية الحديثة، في خطوة تسعى بوضوح إلى تطبيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (3) المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.
نجاح عمليات جراحات القلب بتقنيات عالمية
يُعد مجمع السويس الطبي أحد النماذج التطبيقية التي تعكس قدرة مبادرة NILE على تحويل الخطط إلى واقع ملموس يخدم المواطنين على نطاق واسع؛ فقد أعلنت هيئة الرعاية الصحية نجاح أربع تدخلات دقيقة لتغيير الصمام الأورطي باستخدام تقنية التافي (TAVI) لمرضى تتراوح أعمارهم بين 60 و85 عامًا، وهي عمليات تُعد من بين الأكثر تعقيدًا في المجال الطبي نظرًا لحساسية الفئة العمرية المستهدفة.
وقد جرت العمليات بمشاركة خبراء عالميين من أبناء مصر، منهم البروفيسور/ محمد فرج، رئيس قسم القسطرة بجامعة نيوكاسل، والبروفيسور/ محمد سعد من جامعة كييل بألمانيا، إلى جانب فريق من الأطباء المصريين العاملين بمجمع السويس الطبي.
كما شهد المجمع تنفيذ عمليتين في مجال جراحات القلب المفتوح باستخدام تقنية CABG (إجراء جراحي يُستخدم لتوجيه تدفق الدم في الشرايين التاجية المسدودة أو الضيقة)، بما يعزز قدرته على تقديم خدمات متكاملة تغطي مختلف التخصصات القلبية الدقيقة. وتمثل هذه النجاحات نقلة نوعية في البنية التحتية الطبية بمصر، وتؤكد أن البلاد تسير بخطى واثقة نحو ترسيخ مكانتها باعتبارها مركزًا إقليميًّا للرعاية الصحية المتقدمة.

تدريب الكوادر الطبية واستثمار رأس المال البشري
لم تقتصر التجربة على إجراء العمليات فحسب، وإنما رافقها تنظيم ورش عمل متقدمة استمرت على مدار يومين، شملت محاضرات علمية وتدريبًا عمليًّا باستخدام المحاكاة، إلى جانب البث المباشر من غرفة القسطرة لعمليات معقدة، وقد أشرف على هذه الورش نخبة الخبراء المصريين العالميين الذين قادوا العمليات ذاتها، بما أتاح نقل خبراتهم مباشرة إلى الكوادر الطبية المصرية. كما تفتح مبادرة NILE المجال أمام تدريب الكوادر الطبية والفنية، بما يضمن رفع كفاءة العنصر البشري الذي يُعد ركيزة أساسية في المنظومة الصحية.
هذا الاستثمار في بناء القدرات يعكس جوهر التنمية المستدامة التي تقوم على تمكين الموارد البشرية وتعزيز مهاراتها بما يضمن استمرارية الخدمة وتطويرها، ويحد في الوقت ذاته من الاعتماد على الكفاءات الأجنبية. ومن خلال هذه الخطوات، يرسخ مجمع السويس الطبي دوره باعتباره مؤسسة تعليمية علاجية في آن واحد، ويضع نموذجًا لكيفية الجمع بين الخدمة العلاجية والتدريب الأكاديمي العملي.
تقليل تكاليف العلاج وتعزيز العدالة الصحية
إلى جانب البعد الصحي، فإن مبادرة NILE تسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين عبر توفير خدمات ميسرة وتوطين التكنولوجيا، وقد أشار الدكتور/ أحمد السبكي إلى أن تكلفة عملية التافي (TAVI) خارج منظومة التأمين الصحي الشامل تتجاوز المليون جنيه، في حين لم يتحمل المواطن المنتفع داخل المنظومة سوى 482 جنيهًا فقط، وهذا الفارق يعكس قيمة المنظومة في رفع الأعباء عن المرضى وتحقيق العدالة الصحية، وهو أحد الأعمدة الرئيسة لأهداف التنمية المستدامة.
نحو مركز إقليمي للتميز في جراحات القلب
وبناء على هذه النجاحات، يخطط مجمع السويس الطبي لإنشاء مركز تميز إكلينيكي متكامل لجراحات القلب والصدر بالتعاون مع كبرى الشركات الرائدة والخبراء العالميين، هذا المركز من شأنه أن يضع مصر على الخريطة الإقليمية والدولية في مجال علاج أمراض القلب، ويفتح الباب أمام استقطاب المرضى من دول المنطقة في إطار السياحة العلاجية.

ومما سبق تؤكد مؤسسة حماة الأرض أنَّ مبادرة NILE -بالإضافة إلى ما تحقق في مجمع السويس الطبي- تفتح أفقًا واسعًا أمام نموذج صحي يرتبط جوهريًّا بمسار التنمية المستدامة، حيث يتكامل الاستثمار في المعرفة الطبية مع تمكين الكوادر الوطنية وتخفيف الأعباء عن المواطن. هذه الخطوات تعكس توجهًا استراتيجيًّا يجعل من الصحة محورًا مركزيًّا للعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية في آن واحد.
ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء مراكز التميز الإكلينيكية يمثل حجر الزاوية في بناء منظومة الرعاية الصحية، التي تضمن استمرارية الخدمة وجودتها، وتوسع نطاقها جغرافيًّا بما يعزز العدالة في توزيع الموارد، وإن هذا التحول يحمل رسالة إنسانية عميقة مفادها أن الرعاية الصحية المتقدمة ليست مجرد خدمة علاجية، وإنما هي مسار متكامل نحو مجتمع أكثر قوة وتماسكًا، يجد في صحة أفراده أساسًا لكل تقدم في المستقبل.




