مبادئ البيئة وأخلاق التنمية

مبادئ البيئة وأخلاق التنمية
أُومِنُ بأنَّ المجتمعات تُبنى على قيم الإحسان والإيثار والوئام والإلهام، وحينها تصبح مجتمعاتٍ أكثـر نموًّا وتوازنًا واستدامةً؛ لذا على المجتمع العربيّ أنْ يجعل هذه الأربعةَ جوهرَ حياته وأساسها، بل يجب أنْ نكون جميعًا نموذجًا يُحتذى به في التعاون والتماسك والعيش المستدام من خلال هذه المفاهيم؛ لذا سأوضح في هذا المقال مدى العلاقة وحقيقة الرابط بيـن المفاهيم الأخلاقية ومبادئ البيئة والتنمية المستدامة.
أخلاق بيئتنا
إنَّ الإحسان والإيثار والوئام والإلهام مفاهيمُ أخلاقيةٌ وروحيةٌ ومجتمعيةٌ تتداخل في معانيها، ولكن لكل منها دلالات خاصة؛ فالإحسان هو أنْ نفعل الخيـر للآخرين، ونقدم المساعدة إليهم بطريقة تتجاوز المتطلبات العادية، ويتضمن هذا العطاءَ بسخاء والاهتمامَ برفاه الآخرين، ويشمل كذلك كلَّ أشكال البِـر والإحسان، سواء كان هذا في العمل أم المال أم النصـح والإرشاد.
وليس الإحسانُ شعارًا أو كلمةً رنَّانةً، وإنما تجسيد لأربعة اتجاهات تمتد على مدى ٣٦٠ درجةً في كل نواحي الحياة، وتُعبِّـرُ عن أعلى القيم الإنسانية والروح السامية المتفانية، وتعكس المسئولية الإنسانية والاجتماعية والبيئية.
وفيما يتعلق بالعمل الخيـريّ، فإنَّ الإنسانَ يُظهر أعظم قوته عندما يمد يده إلى الآخرين بالمساعدة؛ فتوفيـر الغذاء والماء والدواء والمأوى للمشردين أو اللاجئيـن، أو دعم تعليم الأطفال – كلها صور تعكس قيمةَ الإنسانِ في عالم مشـحون بالصراعات.
وأمَّا الإيثارُ فهو تفضيل مصلحة الآخرين على المصلحة الشخصية، ولو على حساب راحتك أو مصلحتك الخاصة. وهو خُلق يعكس التضحية الذاتية؛ لأنك تُؤْثِرُ الآخرينَ على نفسك، وتقدم مصالحهم على مصالحك تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ﴾ [الحشر: 9]؛ وحينئذٍ تشيع في المجتمع مشاعرُ الرحمة والشفقة والمروءة، وهذا جزاؤه البركة في الرزق وطول العمر.
وإذا أردنا معرفة حقيقة الوئام فلننظر إلى التوافق والانسجام بيـن الأفراد أو الجماعات حيـن يسود السلام والتفاهم والتعاون. وهو مبدأ يُعبـر عن العلاقات الإيجابية والسلمية، التي تساعد على بناء مجتمع متماسك. وكلما كان الوئام قويًّا كان المجتمعُ أشدَّ تماسكًا والوطنُ أقوى، وأصبحتِ الأمةُ متجانسةً مترابطةً، يسود بيـن أفرادها العمل المثمر النافع؛ ومن ثَمَّ تغدو الحياة أقربَ إلى المثالية والنضوج.
وعن الإلهام أقول: إنه حالة تحفيـز وإثارة للفكر والإبداع، وهو يأتي من مصدر داخليّ أو خارجيّ، ليكون وقودَ الإنسان في التقدم والبِنَاء. ويجب أنْ ندرك أنَّ الإلهامَ لا يحدث إلَّا بالاستعداد الجيد، وفي وجود روابط الألفة والمحبة والاحتـرام والثقة؛ إنه أداتنا في التشـجيع والتحفيـز والتغييـر الإيجابيّ.
ويتجلَّى الإلهامُ في الشخصيات التاريخية كالأنبياء والقادة والعلماء والمخترعيـن والمفكرين والفلاسفة، وغيرهم. ويمكن أنْ نجد الإلهامَ -أيضًا- في الأطباء والممرضيـن الذين يعملون في الخطوط الأمامية خلال الأوبئة، أو المُعلميـن الذين يكرسون أنفسهم لتعليم الأطفال في المناطق النائية.
باختصار شديد، يتعلق الإحسان بفعل الخيـر، والإيثار بتفضيل الآخرين، والوئام بالانسـجام والتفاهم، والإلهام بتحفيـز الفكر والإبداع؛ وكلها مبادئ وأخلاق تصنع الخيـر والبركة في حياتنا ومجتمعاتنا.
وهذه المبادئ أراها متمثِّلةً كلَّ التمثُّلِ في البيئة من حولنا، وهو أمر يعكس -بصورة واضحة- حقيقة ديننا الإسلاميّ، الذي جعلنا مستخلفينَ في الأرض، باعتبارها مكانَ عبادةٍ، تجب المحافظة عليه طاهرًا نظيفًا.
إذنْ، تدعونا مبادئ الإسلام إلى استدامة الأرض والأمانة والتوازن مع الطبيعة، وهذا يتضمن إشاعة الأمن، والحفاظ على الصحة، وتوفير الطعام والمأوى، وكذلك التوعية بمشكلات ندرة المياه وتلوثها، وهذا من خلال الربط بيـن الماء والإيمان والحكمة، وغيرها من آليات التحول إلى الطاقة الخضراء، وتعزيز ثقافة إعادة الاستخدام والتدوير.
خطوات مستدامة
لكن من أين نبدأ؟ أجيب دون شك بأنَّ البداية في التعليم؛ إذْ لا يمكن ربط أخلاق البيئة ومبادئ التنمية بالمجتمع وأفراده دون تطوير مناهج تعليمية تركز على الاستدامة البيئية والتنمية المستدامة؛ ويكون هذا نهجًا يتعلمه أطفالنا منذ أعوامهم الأولى في المدرسة.
ثم تأتي التوعية، والتوعية مفهوم تتضمَّنه وسائل متعددة، لا سيما وأنَّ العصرَ الحديثَ أصبح مشحونًا بوسائل التواصل المختلفة، وهو ما يطرح بدوره أهميةَ تفعيل ورش العمل، وإقامة الندوات التوعوية؛ للنظر في أهمية حماية البيئة، والحفاظ على مواردها.
وذلك الجانب التعليميّ والتوعويّ هو الصورة التي ينبغي أنْ يكون عليها المجتمع العربيّ في طريقه نحو الاستدامة الشاملة، وهو قاعدة الهرم الإصلاحيّ، قبل أنْ يأتي رأس الهرم متمثلًا في التكنولوجيا والابتكار، ودعم البحوث العلمية والتكنولوجية، التي تُقدم حلولًا بيئيةً مبتكَرةً.
وإنني لأنظر إلى هذا الدعم البحثيّ والتكنولوجيّ باعتباره استراتيجيةً للتحول من المفاهيم التقليدية إلى مفاهيم ثورية تذهب إلى الاعتماد على الموارد المتجددة، وهذا يشمل تطوير تقنيات إدارة النفايات، وتحويلها إلى موارد قابلة للاستخدام.
وإذا كنتُ قد تحدثتُ عن التضامن بيـن أفراد المجتمع -وهو ما أراه جليًّا في خُلقَي الإحسان والإيثار- فإنَّ أفضلَ صورِ هذا التضامن الشراكةُ بيـن القطاعيـنِ الخاصّ والعامّ، وهي عملية تحتاج إلى سياسات حكومية حازمة، تباشرها المؤسسات الرسمية، وتقدم من خلالها حوافزَ ضريبيةً إلى الشركات التي تعتمد على ممارسات مستدامة.
المشاركة المجتمعية
كل ذلك يأتي تحت مظلة كبيـرة تُسمى المشاركة المجتمعية؛ فهي المسار الصحيح بعد تطوير التعليم وتنفيذ السياسات المناسبة،حتى نضمنَ بيئةً نظيفةً ذات موارد متوافرة، ويمكن أنْ يكون هذا عن طريق تنظيم المبادرات البيئية، التي تُشْرِكُ أفرادَ المجتمع في عملية استخراج الحلول المستدامة لكل مشكلات بيئتنا.
إجمالًا، يجب علينا تفعيل الآليات المناسبة، لمواجهة تحديات العمل البيئيّ، وهذه الآليات هي: التعليم والتوعية، التكنولوجيا والابتكار، والسياسات الحكومية، والمشاركة المجتمعية، بالإضافة إلى التعاون الدوليّ، والتشـجيع على ريادة الأعمال الخضراء، ثم البحث والتطوير، وغيرها من آليات وسياسات حماية البيئة؛ بدءًا من أخلاقنا حتـى ثقافتنا وتعليمنا.
تلك كانت الأفكار التي آمنتُ بها منذ أنْ وعيتُ حقيقةَ العصرِ الراهنِ الذي نعيشه، وكيف أننا في حاجَةٍ إلى إيمان بالبيئة من حولنا، ليس لأنها موضوع رفاهية، وإنما انطلاق من أنَّ الأخضرَ في كل جانب من جوانب حياتنا قضية مصيرية؛ فالحياة الخضراء المستدامة جوهر الأخلاق.




