خطى مستدامة

مصر تواجه الهجرة غير الشرعية بالتنمية.. وتوفر فرصًا بديلة تنقذ الشباب

مصر تواجه الهجرة غير الشرعية بالتنمية.. وتوفر فرصًا بديلة تنقذ الشباب

تعد الهجرة غير الشرعية من أبرز التحديات التي تواجه الدول النامية، لا بسبب مخاطرها الأمنية فقط، وإنما لما تعكسه من فجوات تنموية تدفع الآلاف من الشباب إلى مغادرة أوطانهم بحثًا عن فرص مفقودة. وفي ظل هذا الواقع، تبرز مسئولية الدولة في تقديم بدائل واقعية تحفظ كرامة الإنسان وتوفر له سبل العيش الكريم داخل بلده.

وفي هذا الإطار، شهدت القاهرة مؤخرًا انعقاد المؤتمر الختامي لاتفاقية معالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية، التي نفذها جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، بمشاركة وزارية رفيعة ضمت الدكتورة/ رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، وممثلين عن عدد من الوزارات، والشركاء الدوليين والجهات المانحة، وقد استعرض المؤتمر حصاد سنوات من العمل الميداني، على توفير فرص العمل، وتحسين البنية الأساسية، ودعم ريادة الأعمال.

ويأتي هذا الجهد المتكامل في سياق التزام مصر بتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية (2016-2026)، التي تنظر إلى الظاهرة باعتبارها تحديًا متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه الاجتماعي بالاقتصادي والبيئي، وبدلًا من الاكتفاء بالردع الأمني، اختارت الدولة أن تعالج الأسباب الجذرية للهجرة عبر تنمية حقيقية وشاملة.

وقد نُفذت الاتفاقية بتوجيهات من رئيس مجلس الوزراء، وبدعم من وزارات التخطيط والتعاون الدولي، والخارجية، والهجرة، بالتنسيق مع وزارتي التنمية المحلية والبيئة، وركّزت الجهود على تشغيل الشباب من خلال مشروعات بنية أساسية ومجتمعية كثيفة العمالة، إلى جانب تدريب أكثر من 42 ألف شاب وفتاة على المهارات الحرفية وريادة الأعمال، وتمكينهم من إقامة مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، لتكون بديلاً آمنًا عن الهجرة غير الشرعية.

فرص عمل واقعية بديلة عن المخاطرة بحياة الشباب

أثمرت الاتفاقية عن نتائج ميدانية ملموسة، أهمها توفير أكثر من 26 ألف فرصة عمل دائمة، وما يقارب 4 ملايين يومية عمل مؤقتة للعمالة غير المنتظمة، هذه الفرص تعني حياة كريمة لشباب في مناطق طالما عانت من معدلات مرتفعة للهجرة غير الشرعية؛ ففي المحافظات المستهدفة، خُصصت الاستثمارات لمشروعات كثيفة العمالة تعالج الفجوات الخدمية وتوفر مناخًا مناسبًا للاستقرار، بما يشمل إحلال شبكات مياه وصرف، ورصف طرق، وتجديد مبانٍ خدمية؛ مما أدى إلى تحسين جودة الحياة المحلية.

المخاطرة بحياة الشباب في الهجرة غير الشرعية

تمثل هذه النتائج أيضًا تطبيقًا فعليًا لأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (8) الذي يدعو إلى العمل اللائق ونمو الاقتصاد، وهي إشارة إلى أن تنمية المجتمع لا تكتمل إلا بتوفير بيئة تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه أملًا في المستقبل دون أن يركب البحر، وهو ما تسعى إليه الدولة المصرية من خلال تلك المشروعات التي تعمل على علاج الجذور الأساسية للهجرة غير الشرعية.

ريادة الأعمال جسر نحو التمكين الاقتصادي

ولم تقف الاتفاقية عند التوظيف، وإنما امتدت لتشجيع ريادة الأعمال من خلال تدريب أكثر من 42 ألف شاب وفتاة على المهارات الفنية والحرفية، ومساعدتهم على بدء مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، بدعم متكامل يشمل التوجيه، والاستشارات، والدعم المالي وغير المالي، ويأتي ذلك في إطار دعم الدولة المتواصل لبرامج التمكين الاقتصادي، وحرصها على تحويل الطاقات الشبابية إلى أدوات إنتاج حقيقية تعزز التنمية المستدامة.

وفي كلمتها خلال المؤتمر الختامي، أشارت الدكتورة/ رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، إلى أن المشروع يمثل ترجمة حقيقية لالتزام مصر وشركائها الدوليين بمعالجة الهجرة غير النظامية من جذورها، عبر توفير فرص العمل وتعزيز الصمود الاقتصادي في المناطق الأعلى تصديرًا للهجرة.

وأوضحت أن الاتفاقية تم تمويلها من الاتحاد الأوروبي بمبلغ 27 مليون يورو، ضمن إطار برنامج تعزيز الاستجابة لتحديات الهجرة في مصر (ERMC) الذي تبلغ قيمته الإجمالية 63 مليون يورو، وقد أسهم هذا البرنامج في خلق آلاف الفرص في 11 محافظة مصرية، كما عزز مفهوم التنمية المتكاملة من خلال الربط بين التمكين الاقتصادي وإدارة ملف الهجرة، في نموذج يُحتذى به للتعاون التنموي بين مصر والاتحاد الأوروبي.

الدكتورة/ رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي تتحدث عن الشباب

التنمية المحلية خط الدفاع الأول

كما أوضح الأستاذ/ باسل رحمي، الرئيس التنفيذي لجهاز تنمية المشروعات، أن التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية يبدأ من الداخل، حيث الجذور الحقيقية للأزمة، لا عند السواحل أو نقاط المغادرة؛ ولهذا ركزت الاتفاقية على التنمية المحلية باعتبارها خط الدفاع الأول، فتم تنفيذ 211 مشروعًا فرعيًّا لتحسين البنية التحتية في المحافظات الأعلى تصديرًا للهجرة، مثل المنيا وأسيوط والبحيرة والدقهلية، مع إشراك 166 جمعية أهلية و53 جهة تدريب محلية؛ لضمان وصول الدعم إلى المجتمعات الأكثر احتياجًا.

جهاز تنمية المشروعات

ولم تقتصر الجهود على الإنشاءات والتأهيل المهني، وإنما شملت أيضًا مئات من ندوات التوعية التي استهدفت تفكيك الخطاب الزائف المرتبط بالهجرة غير الشرعية، وتعريف الشباب بالفرص الواقعية المتاحة داخل الوطن، وهو ما أسهم في بناء نمط تنمية مجتمعية تشاركية، تتجاوب مع احتياجات الناس، وتمنحهم شعورًا بالانتماء والأمل، بدلًا من التهميش واليأس.

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن ما أنجزته مصر في مواجهة الهجرة غير الشرعية عبر هذه الاتفاقية يُعد نموذجًا فعّالًا للتنمية المستدامة التي تعالج الجذور لا الظواهر فقط؛ فبدلًا من الاكتفاء بالحلول الأمنية، اختارت الدولة الاستثمار في الإنسان والبنية المجتمعية؛ مما وفر بدائل حقيقية لشباب كان يواجه خيار الهجرة باعتباره الحل الأفضل.

وتُشيد حماة الأرض بتضافر جهود أجهزة الدولة مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم جهاز تنمية المشروعات، الذي نجح في تحويل التمويلات إلى فرص حياة كريمة داخل المحافظات المستهدفة، من خلال مشروعات ملموسة غيّرت واقع آلاف الشباب، ويعكس هذا الجهد المشترك التزامًا وطنيًّا برؤية تنموية شاملة تُبقي الأمل في الداخل، وتعيد بناء الثقة بين الشباب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى