مترو الإسكندرية.. خطوة استراتيجية للنقل المستدام وتحسين جودة الحياة الحضرية

مترو الإسكندرية.. خطوة استراتيجية للنقل المستدام وتحسين جودة الحياة الحضرية
في الوقت الذي تواصل القاهرة توسعة شبكاتها للنقل الحضري الأخضر منذ سنوات، بدأت الإسكندرية أولى خطواتها العملية نحو إطلاق مترو الإسكندرية، باعتباره مشروعًا حضريًّا رائدًا في مجال النقل المستدام، هدف إلى تحسين جودة الحياة بالإسكندرية. ويجري حاليًّا تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع “تحويل خط قطار أبو قير إلى مترو كهربائي”، الذي سيختصر زمن الرحلة من أبو قير إلى محطة مصر في 25 دقيقة فقط، بدلًا من 50 دقيقة كان يقطعها القطار التقليدي.
يُنفَّذ مشروع مترو الإسكندرية على ثلاث مراحل متتالية، تهدف إلى تأسيس شبكة نقل كهربائي مستدام حديثة تمتد من أقصى شرق المدينة حتى مناطقها الغربية، بما يضمن تغطية شاملة لمراكز الكثافة السكانية والنشاط الاقتصادي، حيث تبدأ المرحلة الأولى من أبو قير حتى محطة مصر، وتليها المرحلة الثانية التي تمتد من محطة مصر إلى المكس، بطول يقترب من 8 كيلومترات، مرورًا بمناطق مكتظة تحتاج بشدة إلى حلول نقل جماعي فعالة. أما المرحلة الثالثة، فتُكمل المسار من محطة المكس حتى الكيلو 21 غرب الإسكندرية، بطول يصل إلى نحو 13.5 كيلومترًا؛ لتربط المدينة بالمناطق الصناعية ومحيط برج العرب.

تفاصيل المرحلة الأولى
تشمل المرحلة الأولى إنشاء خط بطول 21.7 كيلومترًا يضم 20 محطة، منها 6 محطات سطحية و14 محطة علوية، وهو ما يوفّر مرونة في التنفيذ وقدرة على التكيّف مع طبيعة النسيج العمراني القائم، ويعكس تصميم هذا الخط فهمًا دقيقًا لحركة السكان وتوزيعهم، إلى جانب استشراف احتياجات التنمية المستقبلية للمدينة.
وقد بدأت أعمال التنفيذ في 2024، ويتوقع أن تنتهي المرحلة بحلول عام 2027، بتمويل مشترك من الحكومة المصرية والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 250 مليون يورو. ويجري الآن تركيب الكمرات، وتنفيذ الخوازيق والأعمدة والبلاطات، إلى جانب تجهيز ورشتي التشغيل والصيانة في أبو قير وكفر عبده.
مترو الإسكندرية أداة فعالة لتعزيز النقل الأخضر
ولا يخفى أن وسائل النقل من أكثر القطاعات تأثيرًا في البيئة في المدن الكبرى؛ ولذلك فإن مترو الإسكندرية يأتي استجابة عملية لمتطلبات النقل المستدام، حيث تشير بيانات وزارة البيئة إلى أن المترو الجديد سيسهم في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 70 ألف طن سنويًّا، نتيجة خفض الاعتماد على السيارات والميكروباصات؛ مما يُحدث أثرًا ملموسًا في جودة الهواء في المناطق الحضرية.
ويُعزز المشروع من كفاءة استهلاك الطاقة من خلال الاعتماد الكامل على الكهرباء بدلًا من الوقود الأحفوري، وهو ما يُسهم في تقليل التلوث، ويمنح السكان نمط حياة أكثر صحة واستدامة. هذه التحولات البيئية لا تنفصل عن الجوانب الاجتماعية، حيث إن وسائل النقل الآمنة المستدامة، تُعد من الحقوق الأساسية التي تضمن عدالة الوصول إلى الفرص والخدمات.

خط سير يعكس فهمًا عمرانيًّا دقيقًا لحركة المدينة
يمتد خط مترو الإسكندرية عبر محطات محورية تخدم شرق المدينة ووسطها، منها: سيدي بشر، العصافرة، فيكتوريا، الشاطبي، محطة الرمل، ومحطة مصر، وتم تصميم هذه المحطات وفق هندسة معاصرة مستوحاة من الطابع البحري للمدينة، مع مراعاة المعايير البيئية.
وقد شهدت هذه المنطقة لسنوات اختناقًا مروريًّا دائمًا، نتيجة ضعف البنية التحتية وقلة البدائل، ومع دخول المترو حيّز العمل فإنَّ سرعة التشغيل سوف يتم زيادتها من 25 كم/س إلى 100 كم/س. وهذه القفزة في الكفاءة التشغيلية تمهد لنقلة في نمط الحياة اليومية داخل الإسكندرية.
التكامل بين مترو الإسكندرية والأنظمة الأخرى
وتقوم فلسفة المشروع على الربط الذكي بين أنظمة النقل داخل المدينة وخارجها؛ فالمترو الجديد يتقاطع في محطة مصر مع خط سكك حديد القاهرة/الإسكندرية، ويرتبط بترام الرمل في محطتي سيدي جابر وفيكتوريا، كما يلتقي بخط سكك حديد رشيد عند محطة المعمورة. هذا الدمج يُسهم في تحقيق شبكة تنقل مترابطة تقلل من الحاجة للسيارات الخاصة وتوفر مرونة أكبر للمواطنين في تخطيط رحلاتهم.

كما يعزز هذا التكامل من كفاءة الاستثمار في البنية التحتية، ويُعيد توجيه الموارد نحو دعم النقل الجماعي بدلًا من التوسع في الطرق الخاصة، وتشير النماذج الدولية إلى أن هذا النهج في تخطيط النقل هو الأكثر قدرة على الحد من التفاوتات الجغرافية وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد.
آفاق التوسع تعزز الأثر التنموي لمترو الإسكندرية
لا تقف رؤية المشروع عند حدود الخط الأول، وإنما وضعت وزارة النقل خطة توسعية تتضمن ربط المترو بمناطق سموحة وسيدي جابر، إضافة إلى مطار برج العرب، والمنطقة الحرة، والمناطق الصناعية في مرغم، كما يُدرس الربط مع خط القطار السريع بين القاهرة والإسكندرية، وهذا ما يُشكل شبكة متكاملة قادرة على خدمة مختلف أنماط الحركة والتنقل.
ويُعد هذا التوسع أداة استراتيجية لتوسيع نطاق التنمية الإقليمية داخل الإسكندرية، وتحفيز الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز الدمج الاقتصادي؛ فكلما ازدادت قدرة المواطنين على التنقل بكفاءة، زادت فرصهم في الوصول إلى فرص العمل، والخدمات الصحية، والتعليمية، وهي من دعائم الاستدامة الحقيقية، بخاصة الهدف رقم (11) مدن ومجتمعات محلية مستدامة.

إن مشروع مترو الإسكندرية يُؤكد وجود تحول كبير في فلسفة تخطيط المدينة ونمط إدارتها لعلاقة الإنسان بالمكان؛ فهو يعكس إرادة وطنية لإعادة هندسة الحركة الحضرية على أسس العدالة البيئية والاجتماعية، حيث يُعاد توزيع الموارد والفرص من خلال النقل الجماعي المستدام، بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على السيارات الخاصة والطرقات الإسفلتية.
وترى مؤسسة حماة الأرض أن قوة المشروع لا تُقاس فقط بالبنية التحتية المُنجَزة، وإنما بقدرته على إحداث تحول في الثقافة الحضرية نحو مزيد من الكفاءة والإنصاف؛ فالإسكندرية اليوم تُعيد بناء علاقتها بمستقبلها، وتُرسل رسالة حضارية بأن التحول إلى النقل المستدام، أصبح مسارًا لا غنى عنه.




