خطى مستدامة

مشروع المليون ونصف فدان.. رهان مصر على الاستدامة الزراعية ومستقبل آمن للغذاء

مليون ونصف فدان

مشروع المليون ونصف فدان.. رهان مصر على الاستدامة الزراعية ومستقبل آمن للغذاء

في قلب الصحراء الممتدة، يتشكل مشروع قومي يحمل بين طياته حلمًا قديمًا لمصر الحديثة: تحويل الرمال إلى أرض خضراء، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا قائمًا على الزراعة المستدامة والتنمية المتوازنة. مشروع المليون ونصف فدان، الذي يعد جزء من رؤية أشمل تتبناها الدولة تحت مظلة برنامج “خطوة نحو المستقبل”، أصبح اليوم واقعًا ملموسًا يشهد له حجم الإنجاز المحقق، وعدد الشركات العاملة فيه، والمساحات المزروعة والمسلّمة للمنتفعين.

وفي لقاء جمع رئيس مجلس الوزراء الدكتور/ مصطفى مدبولي مع اللواء مهندس/ عمرو عبد الوهاب، رئيس مجلس إدارة شركة تنمية الريف المصري الجديد، ظهرت ملامح هذا المشروع بوضوح أكبر، حيث استعرض اللقاء ما تم إنجازه على الأرض من أعمال البنية التحتية والإنشاءات وشبكات الكهرباء والمياه، إلى جانب تطور الموقف في مواقع متعددة تغطي مساحات شاسعة من الجمهورية. وقد بات واضحًا أن المشروع يسعى إلى تأسيس مجتمعات عمرانية مستدامة، يكون للزراعة فيها دور القاطرة في تحريك عجلة التنمية.

في هذا المقال، سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا التقرير أبعاد هذا المشروع القومي، من حجم الإنجازات المتحققة حتى الآن، مرورًا بدور الشركات والمستثمرين، ووصولًا إلى ما يحمله المشروع من دلالات استراتيجية على صعيد الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في مصر؛ فتابعوا القراءة.

البنية التحتية لمشروع المليون ونصف فدان

يبدأ النجاح في أي مشروع تنموي من البنية التحتية، وهذا ما أدركته شركة تنمية الريف المصري الجديد منذ اللحظة الأولى؛ فقد جاء استعراض رئيس مجلس إدارتها لجهود الإنشاءات والمرافق والطرق وحفر الآبار وإقامة محطات التحلية باعتبارها صورة تعكس حجم الجهد المبذول لتحويل الصحراء إلى أرض صالحة للزراعة؛ فتوفير شبكات المياه والكهرباء والطرق شرط أساسي لضمان نجاح المشروع على المدى الطويل، وجذب المستثمرين، وتوفير حياة كريمة للمجتمعات الجديدة التي ستنشأ حول هذه الأراضي.

الزراعة

البنية التحتية هنا ليست مجرد خطوط إسفلتية أو كابلات كهربائية، وإنما هي منظومة متكاملة تُبنى وفق رؤية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الاستدامة؛ فمحطات التحلية -على سبيل المثال- تعكس حرص الدولة على مواجهة تحديات ندرة المياه من خلال حلول مبتكرة تضمن استمرارية النشاط الزراعي، كما أن حفر الآبار يمثل محاولة للاستفادة من الموارد المائية الجوفية بشكل منظم، بما يحافظ على التوازن البيئي ويمنع الاستنزاف العشوائي.

تخطيط شبكات الكهرباء

إضافة إلى ذلك، فإن التخطيط المدروس لشبكات الكهرباء يفتح الباب أمام استخدام الطاقة بشكل رشيد، ويؤسس لإمكانية دمج مصادر الطاقة المتجددة مستقبلًا في منظومة المشروع، وهنا يظهر البعد البيئي بوضوح، حيث يصبح المشروع نموذجًا لمعادلة صعبة: زيادة الرقعة الزراعية دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه البنية التحتية لا تخدم فقط الأرض، وإنما تخدم الإنسان أيضًا؛ فهي تمثل حجر الأساس لإقامة مجتمعات عمرانية جديدة متكاملة، تستطيع أن تجذب السكان وتوفر لهم مقومات الحياة الحديثة، من مدارس وخدمات صحية إلى فرص عمل متنوعة، وهو ما يجعل المشروع يتجاوز حدود الزراعة ليصبح مشروعًا حضاريًّا شاملًا.

الطاقة المتجددة

استصلاح واسع وتمكين للمزارعين

تشير الأرقام إلى أن ما تم استصلاحه وزراعته حتى الآن بلغ نحو 440 ألف فدان، فيما وصلت المساحات المسلّمة للمنتفعين إلى 875 ألف فدان. هذه الأرقام تكشف عن تحوّل حقيقي على الأرض، وعن انتقال المشروع من مجرد رؤية استراتيجية إلى واقع ملموس يغير الخريطة الزراعية في مصر.

إن تسليم هذه المساحات للمنتفعين يعكس التزام الدولة بتمكين صغار المزارعين والشباب، وهو ما يفتح المجال أمام مشاركة مجتمعية واسعة في بناء مستقبل الغذاء في مصر؛ فالمنتفع هنا ليس مجرد مزارع تقليدي، وإنما هو جزء من مشروع وطني يسعى إلى تحقيق أمن غذائي للأجيال القادمة، وبذلك يصبح المشروع أداة لتوزيع عادل للفرص، ومثالًا على الربط بين السياسات الوطنية وأهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمساواة.

تحدي استدامة المساحات المزروعة

إلا أن التحدي الأكبر يظل في كيفية ضمان استدامة هذه المساحات المزروعة، وهنا يظهر الدور الحيوي للشركات العاملة في المشروع، التي تتجاوز 4500 شركة موزعة على مواقع مختلفة. هذه الشركات تمثل تنوعًا في الخبرات والاستثمارات، وتسهم في إدخال تقنيات حديثة وأساليب زراعة متطورة؛ مما يعزز من إنتاجية الأرض ويرفع من كفاءة استخدام الموارد.

كما أن تنوع المحاصيل المزروعة وفق طبيعة كل موقع يضيف بعدًا آخر للاستدامة؛ إذ يضمن تنوعًا غذائيًّا يحمي من تقلبات الأسواق العالمية، ويحقق التوازن بين المحاصيل الاستراتيجية والغذائية، وهذا التنوع يعكس فهمًا عميقًا لضرورة إدارة الأرض بشكل علمي ومدروس، بما يحافظ على خصوبتها ويضمن استمرارية الإنتاج على المدى البعيد.

الأمن الغذائي

مدارس وخدمات رقمية لدعم المجتمعات الجديدة

لا تقتصر الإنجازات في مشروع المليون ونصف فدان على الجانب الزراعي فحسب، وإنما تمتد لتشمل بناء مقومات الحياة الأساسية؛ فقد تم الانتهاء من مدرسة الريف المصري الجديد للتعليم الأساسي في المُغرة، وهو ما يعكس رؤية شاملة لتأسيس مجتمع متكامل، حيث يُنظر إلى التعليم باعتباره استثمارًا محوريًّا في العنصر البشري القادر على قيادة مستقبل التنمية.

وفي السياق نفسه، يشهد القطاع الزراعي تحديثًا مهمًّا من خلال إصدار ما يقرب من 3200 “كارت فلاح” حتى نهاية 2024؛ فهذا الكارت الذكي لا يقتصر دوره على تسهيل الدعم والتمويل، وإنما يُنشئ قاعدة بيانات دقيقة تساعد الدولة على وضع خطط أكثر كفاءة للمستقبل، وهو ما يعزز الترابط بين الزراعة والتكنولوجيا الحديثة.

ولمواكبة هذا التوجه، جرى تشغيل الخدمات الإلكترونية التي تتيح للفلاحين التسجيل وتقديم الطلبات عن بُعد، وهو ما يمثل نقلة نوعية في إدارة المشروع، هذه الخطوة تقلل من البيروقراطية، وتوفر الوقت والجهد، وتعزز من الشفافية، وتعكس سعيًا حقيقيًّا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تدعو إلى بناء مؤسسات قوية وقادرة على خدمة المواطنين بكفاءة.

في ضوء هذه الإنجازات، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن مشروع المليون ونصف المليون فدان هو مشروع حضاري متكامل يسعى إلى بناء مستقبل غذائي مستدام لمصر؛ فمن خلال استصلاح الأراضي، وتمكين الشباب والمزارعين، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، يضع المشروع أسسًا راسخة لتحقيق الأمن الغذائي، ومواجهة التحديات، وتعزيز التنمية المستدامة بجميع أبعادها.

وتتجلى القيمة الحقيقية لمشروع المليون ونصف فدان في ترسيخ مفهوم الزراعة المستدامة باعتباره خيارًا استراتيجيًّا لمصر، حيث يعكس المشروع قدرة الدولة على إدارة الأرض والموارد الطبيعية بعقلانية، وابتكار أنماط إنتاج تراعي التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى