في اليوم العالمي للسكان.. مصر تسجل تراجعًا تاريخيًّا في أعداد المواليد

في اليوم العالمي للسكان.. مصر تسجل تراجعًا تاريخيًّا في أعداد المواليد
تُعد القضايا السكانية من أكثر القضايا التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، فهي لا تتعلق فقط بعدد السكان أو معدلات المواليد، وإنما تمتد لتشمل نوعية الحياة، والفرص المتاحة لكل فرد في التعليم، والعمل، والرعاية الصحية، ومع تسارع التغيرات السكانية حول العالم، وازدياد التفاوت بين الدول والمناطق، تصبح هذه القضايا أكثر إلحاحًا؛ لأنها تمس الحاضر والمستقبل معًا، وتشكل أساس أي تنمية حقيقية تراعي الإنسان وحقوقه.
ومن هذا المنطلق، يأتي اليوم العالمي للسكان، الذي يُحتفل به سنويًّا في 11 يوليو؛ ليدعونا إلى التفكير في أعدادنا، وفي الفرص التي نحظى بها، وبما يجب أن نوفره للأجيال القادمة. وفي هذا الإطار، تسلط حماة الأرض الضوء على أهمية تمكين الشباب من رسم مستقبلهم بحرية وكرامة، وهو محور تركيز اليوم العالمي للسكان لعام 2025.
كما تستعرض التجربة المصرية في التحول من التركيز على أعداد السكان إلى السعي لتحسين نوعية حياتهم وضمان حقوقهم الأساسية؛ فكيف يمكن تحقيق عدالة سكانية في عالم تتسع فيه الفجوات؟ وكيف نُعيد النظر في دور الشباب باعتبارهم طاقة بشرية محركة للتنمية لا عبئًا عليها؟ هذه الأسئلة وغيرها نناقشها في السطور التالية؛ فتابعوا القراءة.
تاريخ الاحتفال باليوم العالمي للسكان
تم الإعلان عن اليوم العالمي للسكان عام 1989 من قبل مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مستوحى من “يوم الخمسة مليارات” الذي صادف 11 يوليو 1987، عندما وصل عدد سكان العالم إلى 5 مليارات نسمة تقريبًا، هذا التاريخ الرمزي أثار اهتمامًا عالميًّا واسعًا بالقضايا السكانية؛ مما دفع الأمم المتحدة إلى تخصيص يوم سنوي للتوعية بهذه القضايا المهمة.

منذ ذلك الحين، يُحتفل بهذا اليوم سنويًّا في أكثر من 90 دولة حول العالم، بمشاركة المكاتب القُطرية لصندوق الأمم المتحدة للسكان والمنظمات الأخرى بالشراكة مع الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، وقد تبنت الأمم المتحدة في 2025 شعار “تمكين الشباب من تكوين أسرهم بالشكل الذي يريدونه في عالم عادل مفعم بالأمل”؛ ليحمل أبعادًا تتجاوز الجانب السكاني إلى الحقوق الإنجابية، والاستقلال الاقتصادي، والمشاركة المجتمعية، ويؤكد أن منح الشباب القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن حياتهم شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.
مصر تعيد صياغة علاقتها مع النمو السكاني
ولم تكن مصر بمنأى عن هذا التحول في النظرة إلى القضايا السكانية، وإنما سعت خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تقييم أولوياتها في هذا الملف الحيوي، بما يتوافق مع المفاهيم الحديثة التي تربط بين السكان والتنمية؛ ففي ضوء التحديات المتداخلة، أصبح من الضروري تجاوز المقاربات التقليدية، والانطلاق نحو رؤى شاملة تأخذ في الاعتبار جودة الحياة، وتمكين الأفراد، وتحقيق التوازن بين النمو السكاني وموارد الدولة.
فعلى مدار عقود، ظلت القضية السكانية في مصر تُطرح من زاوية الأرقام المتزايدة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا نوعيًّا في هذا النهج، حيث اتجهت الدولة إلى معالجة جوهر القضية من منظور أوسع يربط بين عدد السكان ونوعية حياتهم. وفي هذا السياق، لم يعد التركيز منصبًا على معدلات المواليد وحدها، وإنما امتد ليشمل تحسين الخصائص السكانية، من صحة وتعليم وتغذية، في إطار استراتيجية وطنية متكاملة ترعاها الدولة وتنفذها عبر شراكات متعددة المستويات.
وتحت مظلة “الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية (2023–2030)”، نجحت الدولة في تحقيق خطوات نوعية، أبرزها خفض معدل النمو السكاني السنوي إلى 1.34% في عام 2025، وهو الأدنى منذ سنوات، مقارنة بـ1.4% في عام 2024 و1.6% في عام 2023، بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان، ويعكس هذا الانخفاض نجاح الخطة العاجلة للسكان والتنمية، التي ترتكز على مبدأ “المباعدة الصحية بين الولادات” وضمان الرعاية المتكاملة خلال “الألف يوم الذهبية” الأولى في حياة الطفل.
استراتيجية تستند إلى شراكات محلية وتدخلات نوعية
وفي سبيل تعزيز هذا المسار، نفذت الدولة عددًا من البرامج المشتركة التي تربط البُعد السكاني بالأبعاد التنموية الأخرى، حيث أُطلقت مبادرة “الشراكة من أجل مدن صحية” لتفعيل الرعاية الصحية والسكانية في خمس محافظات، بالتعاون بين وزارات الصحة والتعليم والتنمية المحلية، كما أُعلنت الخطة التنفيذية لـ”نظام الغذاء والتغذية 2025–2030″، برئاسة وزير الصحة ونائب رئيس الوزراء، وتستهدف تقليص معدلات التقزم والأنيميا بين الأطفال والنساء، وهي مؤشرات ترتبط بشكل مباشر بجودة الخصائص السكانية.

هذا التحول في المقاربة لا يهدف فقط إلى الحد من الزيادة العددية، وإنما يعكس رؤية مصرية جديدة ترى في السكان ركيزة تنموية بشرية، إذا ما توفرت لهم الرعاية والتغذية الجيدة والتعليم الشامل. وقد سجلت مصر في الربع الأول من عام 2025 أدنى معدل نمو سكاني ربع سنوي في تاريخها، بحسب بيان وزارة الصحة؛ مما يدل على أن السياسة السكانية الحالية بدأت تؤتي ثمارها، في ظل تراجع فعلي في أعداد المواليد إلى أقل من مليوني مولود سنويًّا.
ويُذكر أن عدد الزيادة الطبيعية في عام 2024 بلغ حوالي 1.359 مليون نسمة، مقارنة بـ1.462 مليون في عام 2023، أي بتراجع يقارب 7%، وهو ما يُعزى إلى الإجراءات الوقائية والتوعوية، وتوسيع نطاق خدمات تنظيم الأسرة مجانًا ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، خاصة في المناطق الريفية والمهمشة.
شباب قادر على اتخاذ القرار
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحسن في المؤشرات السكانية عن الدور المركزي للشباب؛ فهذه الفئة لا تبحث اليوم عن مجرد فرص للزواج أو تكوين أسرة، وإنما تطالب بمنظومة متكاملة تضمن لهم الحق في التعليم الجيد، والعمل اللائق، والرعاية الصحية، والمشاركة في اتخاذ القرار، وتزداد أهمية تمكين الشباب وإشراكهم بفعالية في تصميم السياسات السكانية والبرامج الاجتماعية، ليس باعتبارهم فئة متلقية، وإنما باعتبارهم شركاء حقيقيين في رسم ملامح المستقبل السكاني والاقتصادي للدولة.
وفي ظل شعار اليوم العالمي للسكان 2025 ” تمكين الشباب لتكوين أسرهم بالشكل الذي يريدونه في عالم عادل مفعم بالأمل”، تتفق الجهود المصرية مع هذا التوجه العالمي، حيث تضع الدولة الشباب والنساء في قلب السياسات السكانية، باعتبارهم الفئة الأكثر تأثيرًا في تشكيل المستقبل، ويترجم ذلك من خلال مبادرات التثقيف الصحي، وبرامج تأهيل المقبلين على الزواج، وتدريب الكوادر الشابة في مجالات المشورة الأسرية والرعاية المجتمعية، وهو ما يعزز من قدرة الجيل الجديد على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن حياتهم الإنجابية والاقتصادية والاجتماعية.
إذنْ بات واضحًا أن التحدي السكاني لم يعد مجرد مسألة أرقام متصاعدة أو معدلات نمو جامدة، بل أصبح مرآة تعكس مدى نضج المجتمعات في إدارة مواردها البشرية والاقتصادية على السواء. وما حققته مصر من تراجع تاريخي في معدلات المواليد ليس نهاية المسار، بل بداية لتحول نوعي في التفكير التنموي؛ إذ لم يعد خفض النمو السكاني هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لإرساء نموذج تنموي أكثر عدالة وشمولًا، يقوم على تمكين الإنسان، لا سيما الشباب باعتبارهم قوة تغيير لا طاقة معطلة؛ لأنَّ تمكين الشباب من اتخاذ قراراتهم بحرية، وتوفير بيئة حاضنة تضمن لهم التعليم والصحة والعمل، يعني أننا نضع أساسًا جديدًا لتنمية مستدامة تنطلق من الإنسان وإليه تعود.




