أخبار الاستدامة

قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا.. لحظة تاريخية تتجاوز السياسة نحو التنمية المستدامة

مجموعة العشرين

قمة مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا.. لحظة تاريخية تتجاوز السياسة نحو التنمية المستدامة

تستعد مدينة جوهانسبرج الجنوب إفريقية لحدث تاريخي من العيار الثقيل، يتمثل في استضافة قمة قادة مجموعة العشرين (G20) في نوفمبر 2025؛ لتصبح أول مدينة إفريقية تحتضن هذا الاجتماع العالمي بالغ الأهمية.

وتأتي هذه القمة في لحظة حساسة من التاريخ المعاصر؛ إذ يشهد العالم تغيرات اقتصادية، وتحديات مناخية، واضطرابات جيوسياسية، وهو ما يمنح القمة بعدًا يتجاوز طابعها التقليدي باعتبارها منتدى اقتصاديّ.

اللافت في النسخة القادمة من القمة هو الشعار الذي اختارته جنوب إفريقيا لرئاستها الدورية: “التضامن – المساواة – الاستدامة”، وهو ما يعكس تحوّلًا ملحوظًا في نظرة مجموعة العشرين -التي لطالما ارتبطت بالنخب الاقتصادية الكبرى- تمهيدًا لمنح الأولوية للقضايا الإنسانية والتنموية.

G20

إعلان قادة مجموعة العشرين

وتعد قمة القادة هي ذروة العمل السنوي الذي تقوم به مجموعة العشرين، الذي يشمل اجتماعات وزارية ومجموعات عمل متخصصة، إضافة إلى مجموعات من المجتمع المدني، تُعرف باسم “مجموعات التواصل”(Engagement Groups) ، وتُختتم هذه الجهود بإصدار “إعلان القادة”، الذي يعكس التزامات الدول الأعضاء تجاه القضايا المتفق عليها.

في هذا السياق، تتبوأ جنوب إفريقيا موقعًا محوريًّا في تعزيز صوت القارة الإفريقية، خاصة بعد انضمام الاتحاد الإفريقي رسميًّا باعتباره عضوًا دائمًا في المجموعة إلى جانب الاتحاد الأوروبي، وهذا التمثيل يتيح لأول مرة مساحة حقيقية لمطالب الجنوب العالمي بأن تكون جزءًا من القرارات الاقتصادية والبيئية الكبرى، خصوصًا في ظل تزايد الحاجة إلى تمويلات عادلة لمواجهة آثار التغير المناخي، وتحقيق انتقال عادل للطاقة.

دول مجموعة العشرين

جوهانسبرج تواجه الانتقادات بثقة الاستعداد

وسط تحديات محلية كبيرة، أعلنت حكومة مقاطعة جاوتينج أنها واثقة من قدرة مدينة جوهانسبرج على استضافة قمة G20 بنجاح، رغم الانتقادات التي وجّهتها المعارضة -وعلى رأسها حزب التحالف الديمقراطي (DA)- حول جاهزية المدينة.

وقد جاءت هذه التصريحات ضمن مؤتمر صحفي عقده حاكم المقاطعة “بانيزا ليسوفي”، الذي كشف عن تقرير مفصّل يوضح حالة الاستعدادات في جوهانسبرج والمدن المجاورة، التي ستستضيف فعاليات جانبية للقمة.

وأشار “ليسوفي” إلى عدد من التحسينات التي أُنجزت في البنية التحتية، مثل إعادة تشغيل إنارة الطرق الرئيسية التي تربط مطار “أو آر تامبو” بمناطق مثل “ميدراند وساندتون”، إضافة إلى تحقيق تقدّم بنسبة 70% في أعمال جَزِّ الأعشاب، وأعمال تحسين المظهر العام للمدينة، غير أنَّ الرسالة الأكثر أهميةً في خطابه كانت واضحة: “نحن لا نفعل هذا من أجل G20 فقط، وإنما من أجل سكان جاوتينج؛ فالقمة حافز، وليست غاية”.

جوهانسبرج قلب إفريقيا تواجه الانتقادات بثقة الاستعداد

من التحضير للقمة إلى تحسين حياة السكان

هذا الطرح يعكس تحولًا في الفهم العام لفكرة الاستضافة؛ فبدلًا من أن تكون القمم العالمية مناسبات مؤقتة لتحسين الصورة، تتحوّل إلى نقطة انطلاق لإعادة تأهيل المدن بشكل مستدام يخدم المواطن أولًا، وهنا تتلاقى أهداف التنمية المحلية مع الرؤية العالمية؛ إذ يمكن أن تكون استضافة القمة فرصة لإعادة هيكلة المدينة على أسس تنموية.

ومع استعداد رؤساء الدول والدبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم للقدوم إلى جنوب إفريقيا، تتضاعف الأنظار المسلطة على جوهانسبرج، بوصفها واجهة لإفريقيا الحديثة، تلك التي تطمح إلى أن تكون شريكًا حقيقيًّا في النظام العالمي الجديد، لا مجرد متلقٍّ للقرارات.

محاور قمة العشرين

منذ توليها رئاسة مجموعة العشرين في ديسمبر 2024، وضعت جنوب إفريقيا جدول أعمال طموحًا يعكس أولويات دول الجنوب العالمي، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بأهداف التنمية المستدامة 2030. ومن أبرز هذه الأولويات، تعزيز القدرة على مواجهة الكوارث، ومعالجة أزمة الديون في الدول منخفضة الدخل، وتسريع التمويل من أجل انتقال عادل للطاقة، والاستفادة المستدامة من المعادن الحيوية.

جنوب إفريقيا

وفي ما يتعلق بالديون، تسعى جنوب إفريقيا إلى تحفيز نقاش عالمي صريح حول كيفية إعادة هيكلة الديون الخارجية بشكل أكثر عدالة، بما يتيح للدول النامية الاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية، بدلًا من الإنفاق المفرط على خدمة الديون.

الطاقة والمعادن في قمة العشرين

أما في ملف الطاقة، فهناك تركيز كبير على توفير تمويل عادل وفعّال لتمكين الدول الإفريقية من الانتقال إلى مصادر طاقة متجددة دون الإضرار بنموها الاقتصادي. وهنا تُطرح تساؤلات حاسمة حول مسئولية الدول الصناعية في دعم هذا التحوّل؛ لأن استقرار المناخ مسئولية جماعية لا يمكن تحقيقها دون عدالة في الموارد والفرص.

وفي ما يخص “المعادن الحيوية” مثل الليثيوم والكوبالت، فإن جنوب إفريقيا تسعى إلى طرح نموذج جديد يقوم على الشراكات المتكافئة لا الاستغلال، بحيث تستفيد الدول الغنية بالموارد من سلاسل القيمة محليًّا، بدلًا من تصدير المواد الخام فقط، وهذا التوجه يفتح الباب نحو اقتصاد إفريقي قائم على الابتكار والتصنيع المحلي، بما يعزز فرص العمل والتنمية الشاملة.

الطاقة والمعادن والمناخ في قمة العشرين

نحو اقتصاد عالمي أكثر عدلًا واستدامة

إنَّ قمة العشرين القادمة تمثل لحظة نادرة يمكن من خلالها لأصوات إفريقيا أن تتجاوز الحضور الرمزي إلى التأثير الحقيقي في السياسات العالمية؛ ففي حين تمثل دول المجموعة 85% من الناتج المحلي العالمي، وأكثر من 75% من حجم التجارة الدولية، فإن كثيرًا من القرارات التي تُتخذ داخلها تؤثر مباشرة في مستقبل الدول النامية، دون أنْ تكون تلك الدول شريكةً -فعليًّا- فيها.

وبفضل رئاستها الدورية، تمتلك جنوب إفريقيا اليوم فرصة لإعادة تعريف دور دول مجموعة العشرين بوصفه مساحة للعمل الجماعي، لا لنقل القرارات من الكبار إلى الصغار. ومن خلال التركيز على موضوعات التضامن والمساواة والاستدامة يمكن تحويل القمة إلى نقطة محورية في طريقة تفكير العالم بنماذج النمو، وآليات التمويل، ومسئوليات مواجهة الأزمات المناخية.

ذلك لأنَّ التحولات الكبرى التي يشهدها العالم حاليًّا تفرض واقعًا جديدًا على صانعي القرار، واقعًا لا يكتفي بالمواقف الرمزية أو الأطر التقليدية، وإنما يدفع نحو إعادة التفكير في أسس التنمية والتعاون الدولي، ومع تصاعد التحديات التنموية في العالم، تزداد الحاجة إلى رؤى شاملة تعيد التوازن بين الإنسان والطبيعة، وتربط التقدم بالعدالة، والنمو بالاستدامة.

وفي هذا الإطار، تتطلع مؤسسة حماة الأرض إلى أنْ تكون قمة العشرين في جوهانسبرج نقطة تحول نوعي في مسار القمم العالمية، تُعيد من خلالها الدول الكبرى رسم ملامح الشراكة مع الجنوب العالمي، وتُرسّخ نهجًا جديدًا في التعامل مع الأزمات التنموية، وأنْ يكون هذا النهج قائمًا على العدالة وساعيًا إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى