الأمن الغذائي في مصر.. استراتيجية تحقيق التنمية المستدامة

الأمن الغذائي في مصر.. استراتيجية تحقيق التنمية المستدامة
من حروب وأوبئة وتغيرات مناخية، برز الأمن الغذائي باعتباره أولوية قصوى في السياسات الدولية والوطنية. وفي مصر تتقاطع التحديات الاقتصادية مع طموحات التنمية، وقد اختارت الدولة طريقًا استباقيًّا يقوم على تعزيز احتياطي السلع الأساسية، وضمان استمرارية الإمدادات، وتحقيق الاستدامة في إدارة منظومة التموين، باعتبارها جزءًا من رؤية متكاملة تضع المواطن في صدارة أولوياتها، وتتوافق مع أهداف التنمية المستدامة 2030.
لم تكن هذه المنظومة مجرد رد فعل للأزمات، وإنما نُسجت بخيوط استراتيجية استباقية تراعي المتغيرات الإقليمية والدولية، وتُبنى على تحليل دقيق للاحتياجات المستقبلية وتوقع الأزمات قبل وقوعها، وقد أسهم هذا النهج في تمكين الدولة من بناء شبكة أمان غذائي قوية، تحمي الفئات الأكثر هشاشة وتضمن وصول الدعم لمستحقيه.
وقد انعكس هذا النهج المتكامل في مجموعة من السياسات والمبادرات التي تبنّتها الدولة، بهدف ترجمة الرؤية الاستراتيجية إلى واقع ملموس، حيث اتسعت مظلة الدعم الغذائي لتشمل شرائح واسعة من المواطنين، وتنوّعت أدوات التدخل لتشمل دعم الخبز والسلع الأساسية، وإدارة المخزون الاستراتيجي، وتطوير البنية التخزينية، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والرقمنة، وتشجيع المنتج المحلي، وتعزيز الشراكات المجتمعية، وهي محاور تشكل في مجملها منظومة متماسكة تُسهم في ترسيخ الأمن الغذائي باعتباره دعامة رئيسية للتنمية المستدامة.
دعم الخبز والسلع الأساسية
وتأتي في مقدمة هذه المحاور منظومة دعم الخبز والسلع الأساسية التي تُعد حجر الزاوية في استراتيجية الحماية الغذائية، لما تمثله من ضمان مباشر لتوفير الاحتياجات اليومية للمواطنين، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا، وبما يعكس التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ الحق في الغذاء باعتباره أحد حقوق الإنسان الأساسية، حيث توفر الدولة رغيف الخبز البلدي لنحو 69.5 مليون مواطن، بإجمالي 94.9 مليار رغيف سنويًّا، وبتمويل يصل إلى 98 مليار جنيه. وبالتزامن مع ذلك، تتيح الوزارة 30 سلعة أساسية مدعومة لنحو 61.5 مليون مواطن، بإجمالي دعم سنوي للسلع التموينية يبلغ 36 مليار جنيه.
يُوزع هذا الدعم عبر أكثر من 40 ألف منفذ على مستوى الجمهورية، تشمل “بدالي التموين”، ومنافذ “جمعيتي”، والمجمعات الاستهلاكية، والسيارات المتنقلة، بما يضمن الوصول إلى المناطق النائية والمهمشة، بما يضمن وصول السلع إلى المناطق النائية والأكثر احتياجًا. وتمثل هذه المنظومة بنية تحتية ذات طابع اجتماعي واقتصادي في آنٍ واحد، وتشكل ركيزة أساسية في تعزيز استدامة الحماية الاجتماعية، واحتواء تقلبات الأسعار، وتخفيف الأعباء عن الأسر منخفضة الدخل، خاصة في أوقات الأزمات، كما تُسهم في إرساء إطار منظم يدعم الحوكمة الرشيدة للموارد الغذائية.
وتتفق هذه الخطوات مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (2) من أهداف التنمية المستدامة الذي يدعو إلى القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز الزراعة المستدامة، إلى جانب الهدف (1) المرتبط بالقضاء على الفقر، والهدف (10) المعني بتقليص الفجوات الاجتماعية.
إدارة المخزون الاستراتيجي
ومن أبرز مظاهر نجاح وزارة التموين قدرتها على الحفاظ على مخزون استراتيجي آمن يكفي لأكثر من 6 أشهر من السلع الأساسية، في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة، ويأتي هذا المخزون نتيجة خطط دقيقة للتوريد المحلي وتنوع مصادر الاستيراد؛ فقد بلغت كميات توريد القمح المحلي الموردة في موسم 2024/2025 نحو 3.5 مليون طن، مع تنويع مصادر استيراد القمح إلى 22 منشأ معتمدًا، وهو ما يقلل من المخاطر الجيوسياسية المحتملة ويعزز الأمن الغذائي طويل الأجل.
كما نفذت الوزارة مبادرات ناجحة لتخفيض أسعار اللحوم والبيض، ونظمت معارض موسمية مثل “أهلاً رمضان” و”أهلاً مدارس”، التي لعبت دورًا رئيسيًّا في ضبط الأسعار وتوفير السلع الأساسية للفئات محدودة الدخل، خاصة خلال المواسم التي تشهد عادة ارتفاعًا في الأسعار.
الصوامع والتخزين مشروعات قومية
ولم تكتفِ الوزارة بإدارة المخزون الحالي، وإنما شرعت في تنفيذ خطة طموحة لزيادة السعات التخزينية من 3.4 مليون طن إلى 6 ملايين طن، من خلال تطوير المشروع القومي للصوامع، ويشمل ذلك توسيع البنية التحتية للنقل النهري والسكك الحديدية لتقليل الفاقد وتكاليف النقل.
على سبيل المثال، تم تطوير صومعة طهطا في محافظة سوهاج لترتفع سعتها من 60 ألف طن إلى 90 ألف طن، بتكلفة 124 مليون جنيه، ضمن مسار يشمل تصنيع المكونات محليًّا وتقليل الاعتماد على الواردات، وهو ما يسهم في تقوية سلاسل التوريد المحلية ودعم الصناعات الوطنية. كما تم توجيه استثمارات كبيرة لتجهيز الصوامع وفقًا لأحدث المعايير، وتدريب الكوادر البشرية على إدارة المرافق الحديثة، مما يعزز استدامة النظام الغذائي ويقلل نسب الهدر في واحدة من أهم السلع الاستراتيجية.
التكنولوجيا والرقمنة
وقد تبنت وزارة التموين حزمة من الحلول الرقمية الحديثة لتعزيز كفاءة منظومة الإمدادات؛ فأطلقت منظومة حوكمة تداول الأقماح في 28 موقعًا، مع خطط لتعميم التجربة على مستوى الجمهورية. كما تمت ميكنة بيانات المجمعات الاستهلاكية وشركات الجملة، لتسهيل عملية الرقابة وضمان الشفافية.
وتأتي هذه المبادرات في إطار استراتيجية أوسع للتحول الرقمي في قطاع التموين، تتضمن تطوير منظومة دمغ المصوغات بالليزر وتحديث آليات التكويد؛ مما يعزز جودة السلع ويحمي المستهلك، كما يسهم هذا التحول في تتبع تدفق السلع من المصدر حتى المستهلك، بما يقلل من الفاقد ويمنع التلاعب.
في السياق ذاته، مكّنت التكنولوجيا الوزارة من توقع الأزمات الموسمية، وضمان استجابة سريعة وفعالة، سواء من حيث المخزون أو الأسعار، وهو ما يضع مصر في مقدمة الدول التي دمجت الذكاء الصناعي والرقمنة في قطاع التموين، في إطار رؤية متكاملة نحو “إدارة ذكية للأمن الغذائي”.
تشجيع المنتج المحلي
في موازاة الدعم للمستهلك، اهتمت الدولة بتعزيز موقع المنتج المحلي؛ فتم تحديد أسعار استرشادية للقمح والمحاصيل الأخرى، مع زيادة في سعر التوريد بنسبة 25% عن العام الماضي، وهذه الخطوة لا تدعم المزارعين فحسب، وإنما تسهم في استقرار السوق وتشجيع الإنتاج الوطني.
كما شنت الوزارة حملات رقابية مكثفة لمواجهة الاحتكار وضبط الأسعار، في إطار سعيها لتوفير بيئة تجارية عادلة، ولا يخفى أن هذه الإجراءات تصب في تعزيز ثقة المواطن بالأسواق المحلية، وتقوية سلاسل القيمة، ورفع الكفاءة التشغيلية للقطاع الغذائي، وهي بذلك تمهد الطريق لبناء سوق تنافسي يخدم جميع الأطراف، من المنتج إلى المستهلك.
الشراكات التنموية لخدمة المجتمع
ولم تهمل وزارة التموين البعد المجتمعي في استراتيجيتها؛ إذ توسعت في مشروع “جمعيتي” بافتتاح 259 منفذًا جديدًا ليصل الإجمالي إلى 8474 منفذًا، وفرت أكثر من 25 ألف فرصة عمل مباشرة، كما طورت 44 فرعًا من المجمعات الاستهلاكية، لضمان توافر السلع بأسعار منافسة وبجودة عالية.
واستكمالًا لهذا النهج، جرى تعميم مبادرة “سوق اليوم الواحد” في 15 محافظة، عبر 24 سوقًا متنقلًا، بهدف تقليل حلقات التداول، وربط المنتج بالمستهلك مباشرة؛ مما خفف من حدة الأسعار في بعض المناطق. هذه المبادرات تسهم في دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتوفير فرص عمل مرنة للشباب والنساء.
كما عززت الوزارة شراكاتها مع جهات وطنية مثل مؤسسة “حياة كريمة” والتحالف الوطني للعمل الأهلي، ووزارة الأوقاف، وذلك لتوجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، وامتدت هذه الشراكات إلى التعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية، لتطوير الصناعات الغذائية وإنشاء مناطق تجارية ولوجستية متكاملة.
في ضوء هذه الرؤية الشاملة، يتجلى أن مصر لا تتعامل مع الأمن الغذائي باعتباره ملفًا منفصلًا، وإنما تضعه في قلب استراتيجيتها لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، عبر منظومة متكاملة تمزج بين الدعم المباشر، وتوسيع البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتمكين المنتج المحلي، وتعزيز الشراكات التنموية.
ومن هنا تؤمن حماة الأرض بأن هذه التجربة تمثل نموذجًا فعّالًا لتحويل الأزمات إلى فرص، والسياسات إلى أدوات لحماية الإنسان، والمخزون إلى ضمانة للكرامة؛ فالأمن الغذائي، كما يتجلى في هذه التجربة، ليس فقط غاية تنموية، وإنما هو ركيزة أساسية لبناء مستقبل لا يُترك فيه أحد خلف الركب.




