خطى مستدامة

كيف حولت دول الخليج إدارة النفايات إلى نموذج استدامة ذكي؟

النفايات

كيف حولت دول الخليج إدارة النفايات إلى نموذج استدامة ذكي؟

مع النمو السكاني والاقتصادي السريع في منطقة الخليج العربي، تحولت إدارة النفايات إلى ملف استراتيجي يفرض نفسه على خطط التنمية وحماية الموارد. وهذا الواقع دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى تبني أنظمة متكاملة تعتمد الإدارة الذكية والتكنولوجيا ومبادئ الاقتصاد الدائري؛ من أجل تحويل النفايات إلى مورد يعزز استدامة المدن العربية.

ولإدراك مدى هذا التحول العربي في ملف إدارة النفايات فعلينا أنْ نعرف أنَّ إجمالي النفايات المجمعة في دول مجلس التعاون -نهايةَ عام 2023- قد بلَغ نحو 262.7 مليون طن، بزيادة نسبتها حوالي 153.7%، وهذا مقارنة بعام 2019، في حين وصلت كمية النفايات المعالجة إلى 192 مليون طن بارتفاع قدره حوالي 128.5 %، وانخفض نصيب الفرد من نفايات المعيشة بنسبة 17.4% ليصل إلى 1.4 كيلوجرام يوميًّا للفرد.

ملف إدارة النفايات

وهذه الأرقام تعكس تحولًا واسعًا في سياسات إدارة الموارد، وعلاقتها بأهداف التنمية المستدامة، خصوصًا الهدف (11) الخاص بالمدن المستدامة، والهدف (12) المعني بالاستهلاك والإنتاج المسئولين، وعلى ذلك فقد صُنفت المملكة العربية السعودية ودولة قطر في المركز الأول عالميًّا ضمن مؤشر إدارة النفايات الصلبة لعام 2024.

ويشير هذا الحجم الكبير من النفايات التي جرى جمعها ومعالجتها إلى تحول جوهري في سياسات إدارة الموارد في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تعكس الأرقام قدرة الخطط البيئية العربية على تحقيق توازن بين خفض نصيب الفرد من المخلفات وزيادة حجم المعالجة، وهذه النتائج تدفعنا إلى معرفة الطرق التي اتخذتها هذه الدول في معالجة النفايات، وهذا ما سوف تتناوله حماة الأرض في السطور التالية؛ فتابعوا القراءة.

التكنولوجيا الذكية ترفع كفاءة إدارة النفايات

توظف دول الخليج أنظمة الإدارة الذكية، التي تستفيد من تقنيات إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي في جمع النفايات وتتبعها ومعالجتها. وهذه الآليات رفعت كفاءة إدارة الموارد، وأسهمت في تحقيق نتائج كمية ضخمة، مثل معالجة 192 مليون طن في عام واحد، مع تحسين معدلات الاستفادة، وتقليل الضغط على شبكات الخدمات والموارد الطبيعية. وأبرز مثال على هذا: “مؤسسة بيئة” في الإمارات العربية المتحدة، التي أنشأت مرفقًا لإعادة التدوير؛ وهو مرفق يستخدم الذكاء الاصطناعي والروبوتات؛ من أجل تقليل عمليات إرسال النفايات إلى المكبات.

كما أسهمت هذه المنصات الذكية في تطوير ثقافة مؤسسية ترى النفايات جزءًا من دورة موارد قابلة للتوظيف في مشروعات الطاقة والتصنيع، وهذا التصور المتكامل ساعد على ربط إدارة النفايات بخطط التنمية المستدامة؛ مما يجعل التقنية عنصرًا أساسيًّا في استراتيجية تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي وبيئي، ويقود هذا إلى دراسة الدور الذي لعبته الشراكات المؤسسية في ترسيخ هذا النموذج.

شراكات متكاملة بين الحكومات والقطاع الخاص

وقد اعتمدت دول الخليج على شراكات موسعة بين الحكومات والقطاعات الخاص؛ لتطوير البنية التحتية، وأيضًا من أجل تعزيز مرافق المعالجة المتقدمة للنفايات؛ ففي عام 2023 بلغ إجمالي عدد المحارق المخصصة لمعالجة النفايات الطبية في دول مجلس التعاون 23 موقعًا، بسعة تصميمية إجمالية بلغت 207.5 ألف طن متري، مسجِّلةً بذلك نموًّا بلغ 123.9% مقارنةً بعام 2022، وتتوزع هذه المحارق بواقع 10 محارق في الإمارات، و4 في السعودية، و3 في كل من عمان وقطر، و2 في الكويت، و1 في البحرين.

النفايات الطبية

أبرز مشروعات دول مجلس التعاون الخليجي في هذا المجال

ومن أبرز المشروعات العربية التي تعكس التزام دول المجلس بتطوير بنية تحتية مستدامة:

المملكة العربية السعودية

كان مشروع إنشاء محطة جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي في مطار جدة الثاني بالمملكة العربية السعودية بقدرة إنتاجية تبلغ 300 ألف متر مكعب يوميًّا؛ مما يعكس التوسع في مشروعات البنية التحتية البيئية، كما تم التخطيط في سبتمبر 2023 لمشروع مشترك يهدف إلى إنتاج وتسويق وقود بديل من النفايات، باستثمار رأسمالي قدره 1.8 مليون دولار أمريكي، في خطوة نحو تعظيم الاستفادة من النفايات باعتبارها طاقة بديلة.

معالجة مياه الصرف الصحي

الإمارات العربية المتحدة

أما في الإمارات العربية المتحدة فقد شهد قطاعها الحكومي وقطاعها الخاص كثيرًا من المشروعات والمبادرات المتقدمة؛ إذْ تم تعزيز قطاع تحويل النفايات إلى طاقة، وذلك عبر عمليات استحواذ واسعة النطاق؛ من أجل دمج الجهود في هذا المجال.

وبالإضافة إلى ذلك، أطلقت أبو ظبي منظومة متكاملة للتفتيش ومراقبة أنشطة إدارة النفايات؛ لضمان تحقيق الامتثال البيئي، كما شهدت دبي إنجاز مشروع مصنع متطور لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وهو مشروع يتميز بقدرة معالجة عالية تخدم المنطقة، وتسهم في التخلص الآمن من هذا النوع المتزايد من النفايات.

النفايات الإلكترونية

إشراك المجتمع المحلي

وقد كان لإشراك المجتمع المحلي في هذه المبادرات دور كبير -من خلال حملات التوعية، وفرز النفايات من المصدر- في رفع معدلات المعالجة، وتقليل الاعتماد على المكبات التقليدية. وهذه المشاركة المجتمعية حولت إدارة النفايات إلى عملية شاملة تربط بين الأفراد والمؤسسات والقطاعين العام والخاص في إطار واحد.

الاقتصاد الدائري يحوّل النفايات إلى موارد

تُطبق دول مجلس التعاون الخليجي سياسات الاقتصاد الدائري؛ لإعادة تصميم دورة حياة المواد وتقليل الفاقد وتعظيم إعادة الاستخدام. وهذا التوجه جعل تحويل النفايات إلى طاقة ومعادن خيارًا رئيسيًّا ضمن الخطط الوطنية العربية، وهو ما يسهم في خفض الضغط على الموارد الطبيعية، وتقليل انبعاثات الكربون بشكل ملحوظ؛ ولذا تمثل الأرقام المسجلة في 2023 مرحلة انتقالية لقطاع يتجه نحو إدارة مستدامة شاملة.

وفي هذا السياق، تُبرز بيانات إدارة النفايات في دول مجلس التعاون أنَّ تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري أسهم في زيادة كفاءة استرجاع المواد، ثم تحويلها إلى موارد قابلة لإعادة التوظيف في الصناعة والطاقة؛ مما عزز قدرة المنطقة العربية على تقليل الاعتماد على المكبات التقليدية، ورفع مستوى الاستفادة من المخلفات بشكل اقتصادي وبيئي في آن واحد.

مكبات النفايات

وتشمل الإنجازات الفعلية في إطار الاقتصاد الدائري في دول المجلس عدة مشروعات، مثل:

  • إعادة تدوير النفايات العضوية.
  • تحويل الفواكه والخضراوات التالفة إلى سماد عضوي.
  • تحويل مخلفات التقليم إلى مواد هندسية.
  • تحويل النفايات الزراعية إلى ألمنيوم عالي القيمة.

الاستراتيجيات والبروتوكولات الدولية

وسعيًا منها إلى تحقيق الأهداف التنموية كافةً تنسق دول مجلس التعاون مواقفها تجاه الاتفاقيات الإقليمية والدولية البيئية من خلال الهدف الاستراتيجي الرابع من استراتيجية البيئة الخليجية المشتركة، وكذلك وقعت جميع دول المجلس على اتفاقية بازل للتحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، وقد تقدمت بـ 87 تقريرًا وطنيًّا في إطار هذه الاتفاقية.

وبالإضافة إلى ذلك وقعت دول المجلس على اتفاقية روتردام بشأن إجراء الموافقة المسبقة المستنيرة على بعض المواد الكيميائية الخطرة والمبيدات الحشرية المتداولة في التجارة الدولية (بين عامي 2004 و2012)، واتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة (بين عامي 2004 و2012)؛ وجميعها جهود تنظيمية تسهم في جعل دول مجلس التعاون على مسار الاستدامة الصحيح.

الدليل الاسترشادي لإدارة النفايات البلدية الصلبة

ومِن جانب آخر، أصدرت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون في عام 2013 “الدليل الاسترشادي لإدارة النفايات البلدية الصلبة في دول مجلس التعاون الخليجي”؛ من أجل تعزيز الممارسات الموحدة، وتحسين كفاءة إدارة النفايات، مع التركيز على تقليل الآثار البيئية، وتعزيز أساليب إعادة التدوير والاستخدام الأمثل للموارد.

وقد صُمم هذا الدليل لمساعدة صناع القرار والجهات المختصة على بناء خطط إدارة فعّالة، وهذا وفق أفضل المعايير العالمية؛ ليكون ما  تحقق في 2023 انعكاسًا لتكامل التشريع والتنفيذ، وهذا الإطار المؤسسي عزز قدرة دول الخليج على تحويل الإدارة البيئية إلى مسار استراتيجي يخدم التنمية المستدامة ويحسِّن جودة الحياة في المجتمعات الخليجية.

وختامًا تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن التجربة الخليجية في إدارة النفايات تمثل تحولًا استراتيجيًّا يتجاوز الأرقام المسجلة ليعيد صياغة العلاقة بين التنمية والبيئة؛ فما تحقق في عام 2023 يعكس قدرة السياسات على بناء نموذج متكامل يوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد، ويجعل من الإدارة الذكية والاقتصاد الدائري محورًا لإعادة تصميم المنظومات الحضرية والاقتصادية في المنطقة.

وهذا النموذج يقدم درسًا عمليًّا في كيفية تحويل التحديات البيئية إلى فرص للتنمية المستدامة، ويفتح المجال أمام دول أخرى لاعتماد استراتيجيات مشابهة تعزز كفاءة استخدام الموارد، وتدعم المدن المستدامة، وتجسد هذه الخطوة أهمية الاستثمار في التكنولوجيا والشراكات المجتمعية، وهذا باعتبارهما مدخلًا لتأسيس مستقبل أكثر توازنًا يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى