التنوع البيولوجي يحقق أهداف التنمية المستدامة

التنوع البيولوجي يحقق أهداف التنمية المستدامة
يمثل التنوع البيولوجي جوهر التوازن البيئي، وأحد الشروط الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة التي تنشدها البشرية بحلول عام 2030؛ فصحة النظم البيئية، واستقرار المناخ، وضمان الأمن الغذائي، كلها أهداف مترابطة ومتداخلة، لا يمكن الوصول إليها من دون الحفاظ على تنوع الكائنات الحية واستمرارية أنظمتها الحيوية.
ومع ما نشهده اليوم من ضغوط غير مسبوقة على الطبيعة نتيجة لتغير المناخ، وتدهور المواطن البيئية، والتلوث المتزايد؛ تزداد الحاجة إلى تحويل مسار التعامل مع البيئة؛ ومن هذا المنطلق تسلط حماة الأرض الضوء في هذا المقال على أبرز التحديات والفرص في مسار حماية التنوع البيولوجي، وذلك في إطار الاحتفال باليوم الدولي للتنوع البيولوجي 22 مايو؛ فتابعوا القراءة.
التنوع البيولوجي يوم دولي
منذ اعتماده رسميًّا في عام 2000، مثَّل اليوم الدولي للتنوع البيولوجي محطة سنوية لتقييم ما تحقق من التزامات دولية، واستنهاض العزائم لمواجهة ما تبقى من تحديات بيئية ملحة، وتأتي نسخة عام 2025 من هذا اليوم تحت شعار “الانسجام مع الطبيعة والتنمية المستدامة“، في رسالة واضحة تؤكد أن الحفاظ على هذا التنوع أصبح ضرورة تنموية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية، وهي ضرورة تتطلب تكاتفًا حقيقيًّا بين السياسات الحكومية، والمبادرات المجتمعية، وسلوك الأفراد.
وقد شدد الأمين العام الأمم المتحدة في رسالته الرسمية بهذه المناسبة على أن البشرية تُسابق الزمن، وأن ما لا يمكن لأي بلد الاستغناء عنه هو هذا التنوع الحيوي الذي يميز كوكبنا؛ لذا فإن الحفاظ عليه لا يتأتى بالشعارات وحدها، بل من خلال التزام جماعي وتحول جذري في سلوكنا تجاه الطبيعة.
أبرز تهديدات فقدان التنوع البيولوجي
وهذه الدعوة الأممية تأتي صدى مباشرًا للوقائع البيئية المقلقة التي نعايشها؛ ففي الفترة بين عامي 2023 و2025، شهد العالم حدثًا بيئيًّا كبيرًا تمثّل في موجة تبييض الشعاب المرجانية العالمية، ألقت بظلالها على أكثر من 84% من النظم المرجانية البحرية حول العالم، نتيجة الارتفاع المتواصل في درجات حرارة المحيطات، وقد شكّل هذا الحدث ناقوس خطر عالمي يُظهر هشاشة النظم البيئية البحرية أمام التغير المناخي، ويكشف عن الترابط العميق بين تدهور التَّنوع البيولوجي وتسارع تغيرات المناخ، وهو ما يهدد التقدم في مسار التنمية المستدامة.
هذا الواقع القاسي يدفعنا إلى مراجعة جذرية لطبيعة علاقتنا مع الكوكب؛ فاستمرار استنزاف الموارد الطبيعية، وتجاهل حدود قدرة الأرض على التجدد، يعني تقويض أساسيات الحياة نفسها، من تنقية الهواء إلى تلقيح المحاصيل، ومن ضبط المناخ إلى تأمين مصادر الغذاء. إن الحفاظ على هذه الخدمات البيئية يتطلب تحولًا حقيقيًا في أنماط إنتاجنا واستهلاكنا، وفي طريقة إدارتنا للنظم البيئية.
ولذلك لم يكن شعار هذا العام بعيدًا عن هذا السياق، بل جاء متسقًا تمامًا مع التوجهات العالمية الحديثة لإعادة ضبط العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ومن هنا فإن الحديث عن هذا اليوم لا يمكن فصله عن الأطر العالمية التي تنظم العمل البيئي المشترك، التي سنستعرض أبرزها فيما يلي.
إطار كونمينغ-مونتريال
يتوافق شعار اليوم الدولي للتنوع البيولوجي هذا العام مع “إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي”، الذي اعتمدته الأطراف الموقعة على اتفاقية التنوع البيولوجي في ديسمبر 2022، باعتباره خارطة طريق دولية لإنقاذ ما تبقى من تنوع الحياة على كوكب الأرض؛ لوضع أهداف طموحة لعكس مسار الفقدان البيولوجي بحلول 2030، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة.
غير أن الأهداف وحدها لا تكفي؛ إذ يحتاج الإطار إلى دعم فعلي من خلال الإرادة السياسية والتمويل الدولي وتعاون جميع الأطراف المعنية، ويتطلب تنفيذه تحولًا في الطريقة التي ننتج بها الغذاء، ونستهلك بها الموارد، وندير بها الطبيعة، بما يضمن بقاء الكوكب صالحًا للحياة للأجيال القادمة.
كيف يدعم العالم حماية التنوع البيولوجي؟
ولتجسيد هذا الطموح في أرض الواقع، لا بُدَّ من النظر إلى التمويل والتعاون الدولي باعتبارهما ركنين أساسيين لتحقيق النجاح، وهو الأمر الذي نجده -على سبيل المثال- في مؤتمر الأطراف السادس عشر (COP16) الذي انعقد في روما في فبراير 2025، حيث تم إطلاق “صندوق كالي” لدعم المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية، التي تشكل خط الدفاع الأول عن المواطن الطبيعية.
التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة
إن كل خدمة تقدمها النظم البيئية، من المياه النظيفة إلى الغذاء الصحي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنوع البيولوجي، وهذا ما يجعل فقدانه تهديدًا مباشرًا لأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، خاصة تلك المتعلقة بالقضاء على الجوع، والصحة الجيدة، والعمل المناخي، والحياة على الأرض وفي البحار.
والمجتمعات التي تعتمد بشكل مباشر على الطبيعة -مثل الصيادين والمزارعين- هي أول من يشعر بتبعات تدهور البيئة؛ ولهذا فإن حماية هذا التنوع ليست مسألة بيئية بحتة، وإنما ضرورة تنموية واقتصادية واجتماعية، ومن هنا تصبح كل خطوة نتخذها للحفاظ على الطبيعة استثمارًا في المستقبل، وسبيلًا لتعزيز العدالة البيئية والاجتماعية على حد سواء.
ومن هذا المنظور، ترى حماة الأرض أن حماية التنوع البيولوجي مسئولية جماعية تتطلب تضافر جهود الحكومات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، وكل فرد يعيش على هذه الأرض؛ فالتحول المنشود نحو مستقبل مستدام، لا يتحقق إلَّا بالتكاتف بين جميع شعوب الأرض.




