خطى مستدامة

نفايات البلاستيك في رمضان.. كيف نحول أعمالنا الخيرية لأعمال مستدامة؟

نفايات البلاستيك في رمضان.. كيف نحول أعمالنا الخيرية لأعمال مستدامة؟

يشهد شهر رمضان الكريم ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاستهلاك الغذائي وتوسُّعًا في المبادرات المجتمعية، من موائد الإفطار إلى حملات توزيع الشنط الرمضانية. وفي خضم هذا النشاط، تتزايد كميات نفايات البلاستيك الناتجة عن العبوات والأدوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد بصورة لافتة خلال فترة زمنية قصيرة.

هذا الواقع يفتح نقاشًا أوسع حول كيفية مواءمة روح التضامن الرمضاني مع متطلبات الاستدامة البيئية، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على أنظمة إدارة المخلفات في المدن الكبرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق للمشهد الذي يتكرر سنويًّا، تمهيدًا لفهم أبعاده البيئية والاقتصادية.

نفايات البلاستيك في مشهد رمضان اليومي

تتجلى زيادة نفايات البلاستيك خلال رمضان في عدة صور واضحة، تبدأ من موائد الرحمن التي تعتمد غالبًا على أطباق وأكواب وأكياس أحادية الاستخدام لتسهيل التوزيع، وتمتد إلى عبوات المياه والعصائر المعبأة التي ترتفع معدلات استهلاكها مع طول ساعات الصيام وشدة موجات الحر. كما يسهم توسع خدمات التوصيل المنزلي في زيادة استخدام مواد التغليف البلاستيكية لحفظ الأطعمة ونقلها.

ويبرز عنصر آخر يتمثل في شنط رمضان، التي تُوزع فيها السلع الغذائية داخل أكياس بلاستيكية متعددة الطبقات، ما يضاعف حجم المخلفات الناتجة بعد تفريغ المحتويات. هذا التوسع السريع في استخدام المواد البلاستيكية خلال فترة محدودة يرفع الكميات المتدفقة إلى مكبات النفايات، وهو ما يقود إلى تساؤلات حول الأثر البيئي المباشر لهذا النمط الاستهلاكي.

التلوث البلاستيكي

الأثر البيئي والاقتصادي لنفايات البلاستيك

تمثل نفايات البلاستيك تحديًا بيئيًّا طويل الأمد، إذ تحتاج بعض المواد إلى عقود حتى تتحلل، بينما يتسرب جزء منها إلى التربة أو المجاري المائية. ومع ارتفاع الاستهلاك الموسمي، تواجه البلديات ضغطًا إضافيًّا في عمليات الجمع والفرز والمعالجة، ما يزيد من كلفة إدارة المخلفات ويؤثر على كفاءة الخدمات الحضرية.

كما أن تراكم هذه النفايات يرتبط بتأثيرات أوسع تشمل تلوث الشواطئ والأنهار، وهو ما ينعكس على التنوع البيولوجي والأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، مثل السياحة والصيد. ويعكس هذا المشهد أهمية إدارة الموارد بكفاءة، انسجامًا مع الهدف 12 من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسئولين. ومع اتضاح هذه الأبعاد، يصبح الانتقال إلى سياسات تنظيمية أكثر فعالية خطوة ضرورية لمعالجة جذور المشكلة.

نحو سياسات عامة تقلل نفايات البلاستيك

يمكن للدولة أن تؤدي دورًا محوريًّا في الحد من نفايات البلاستيك خلال المواسم ذات الاستهلاك المرتفع. ويشمل ذلك الآتي:

  • تشجيع استخدام البدائل القابلة للتحلل في الفعاليات المجتمعية.
  • دعم الصناعات المحلية التي تنتج عبوات صديقة للبيئة.
  • وضع حوافز تنظيمية تقلل الاعتماد على المواد أحادية الاستخدام.
  • تعزيز منظومات الفرز وإعادة التدوير.
  • تكثيف حملات التوعية خلال الشهر الكريم.

هذه الممارسات كافةً تسهم في تقليل الأثر التراكمي للنفايات. وتندرج هذه الإجراءات ضمن إطار حوكمة بيئية أوسع يربط إدارة المخلفات بالتخطيط الحضري والاستثمار في البنية التحتية، وهو ما يمهد لدور مكمِّل يمكن أن يقوم به الأفراد في دعم هذا التحول.

دور الأفراد في تقليل نفايات البلاستيك

يظل للأفراد دور مباشر في الحد من نفايات البلاستيك خلال رمضان، خاصة أن كثيرًا من مصادر المخلفات يرتبط بسلوكيات يومية قابلة للتعديل. ويمكن ترجمة ذلك إلى ممارسات عملية، من بينها:

  • استخدام أطباق وأكواب قابلة لإعادة الاستخدام في التجمعات العائلية بدلًا من الأدوات أحادية الاستعمال.
  • استبدال الأكياس البلاستيكية في شنط رمضان بأكياس قماشية أو ورقية متينة قابلة لإعادة الاستخدام.
  • تقليل التغليف الزائد عند إعداد وجبات للتوزيع، والاكتفاء بالحد الأدنى الضروري للحفظ.
  • اختيار مطاعم ومتاجر تعتمد عبوات صديقة للبيئة أو توفر خيارات تغليف مستدامة.
  • فرز المخلفات المنزلية قدر الإمكان لتسهيل إعادة التدوير وتقليل الكميات المتجهة إلى المدافن.
  • إعادة استخدام العبوات البلاستيكية الصالحة بدل التخلص منها فورًا.

خارج الصندوق.. إنتاج البلاستيك الحيوي من نفايات الأفوكادو

تعكس هذه الخطوات امتدادًا عمليًّا للقيم الرمضانية القائمة على الترشيد وحسن إدارة الموارد، حيث يصبح العطاء أكثر انسجامًا مع المسؤولية البيئية. ومع اتساع هذا الوعي على المستوى الفردي، تتعزز فرص تقليص نفايات البلاستيك خلال المواسم ذات الاستهلاك المرتفع، وهو ما يفتح المجال لتكامل أوسع مع السياسات العامة الهادفة إلى إدارة المخلفات بكفاءة.

ختامًا، يعكس تزايد نفايات البلاستيك في رمضان مفارقة بين اتساع مبادرات الخير وارتفاع الأثر البيئي المصاحب لها، ما يطرح ضرورة إعادة النظر في أنماط التغليف والتوزيع دون المساس بجوهر العمل المجتمعي. فإن إدارة هذا الملف ترتبط بقدرة السياسات العامة والسلوك الفردي على العمل في اتجاه واحد يوازن بين الاستهلاك والموارد.

وتؤكد مؤسسة حماة الأرض أن تقليل نفايات البلاستيك يمثل خطوة عملية نحو تحقيق الاستدامة، إذ ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالاستهلاك المسئول وحماية النظم البيئية. فالمسار الأكثر استقرارًا للمجتمعات يبدأ من إدارة واعية للموارد، خاصة في الفترات التي يتصاعد فيها النشاط الاستهلاكي، بما يضمن أن تبقى قيم التضامن متسقة مع متطلبات حماية البيئة للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى