مصر تستضيف لأول مرة اجتماع مجموعة العشرين (G20) بالقاهرة

مصر تستضيف لأول مرة اجتماع مجموعة العشرين (G20) بالقاهرة
تواجه البشرية اليوم سؤالًا جوهريًّا، هو كيف يمكن للنظام الدولي أنْ يعيد صياغة أولوياته بما يضمن بقاء الإنسان والبيئة معًا؟ ذلك السؤال مطروحٌ لأنَّ التحديات أصبحت تَعبُرُ الأقاليمَ والقاراتِ وتتجاوز الحدودَ، مِن أزمة المناخ إلى أزمات الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد؛ وهي التحديات التي تواجهها الاجتماعاتُ العالميةُ، مثل اجتماع مجموعة العشرين.
وانطلاقًا من دور مصر الريادي بدأت في القاهرة فعاليات اجتماع مجموعة العشرين لعام 2025، وهي المرَّة الأولى -تاريخيًّا- التي يُعقد فيها هذا الاجتماعُ خارجَ نطاق الدول الأعضاء؛ مما يعكس إدراكًا متناميًا لدور مصر في النظام الدولي ولقدرتها على أنْ تكون جسرًا بين الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الدول النامية.
ولذلك سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض فعاليات هذا الحدث الدولي من خلال قراءة معمقة لأبعاده المختلفة، سواء ما يتعلق بمكانة مصر الإقليمية والدولية أم بملف الأمن الغذائي، الذي يتصدر أجندةَ اجتماع هذا العام، فضلًا عن انعكاساته على مسار الاستدامة العالمية؛ فتابعوا القراءة.
الأمن الغذائي في مجموعة العشرين
إنَّ الاجتماعَ المنعقد بالتنسيق مع رئاسة جنوب إفريقيا للمجموعة سيركز -حتى نهاية الفعاليات 3 سبتمبر- على قضية الأمن الغذائي باعتبارها من أكثر القضايا إلحاحًا في أجندة التنمية المستدامة 2030؛ لأنَّ التغيرَ المناخي والنزاعاتِ واختلالَ سلاسل الإمداد والتوريد -وغيرها من القضايا العالمية- جعلتِ الغذاءَ قضيةً استراتيجيةً تمس النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

أبرز التحديات المطروحة
- التغير المناخي وتأثيره في الإنتاج الزراعي.
- النزاعات المسلحة وتعطيل تدفق الإمدادات.
- ارتفاع الأسعار العالمية وما يسببه من أزمات في الدول النامية.
- هشاشة أنظمة الغذاء في إفريقيا.
ومن المتوقع أنْ تكون مناقشات القاهرة منصةً أساسية لصياغة البيان الوزاري حول الأمن الغذائي العالمي، وهو البيان المزمع اعتماده في اجتماع وزاري لاحق في جنوب إفريقيا قبل أنْ يتحول إلى وثيقة رسمية تُعرض في قمة جوهانسبرغ في نوفمبر القادم نهايةَ العام.
وهذا السياق يجعل من استضافة مصر فرصة تتجاوز الرمزية؛ لأنَّ هذه الاستضافة تضعها في قلب مفاوضات استراتيجية ترتبط مباشرةً بأهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف الثاني “القضاء على الجوع” والهدف السابع عشر “عقد الشراكات لتحقيق الأهداف”.
منتدى الاقتصادات الكبرى وأبعاده
ومن الجدير بالذكر، هو أنَّ مجموعة العشرين قد تأسست في أواخر القرن الماضي استجابةً مباشرةً للأزمات المالية التي هزت آسيا والعالم، لتكون منصة تجمع بين أكبر الاقتصادات المتقدمة والناشئة. وبالرغم من أنَّ بدء هذه الاجتماعات -اجتماعات مجموعة العشرين- قد اقتصرت على وزراء المالية ومحافظِي البنوك المركزية، فإنَّ صعودها إلى مستوى القمم الرئاسية عقب أزمة 2008 جعل منها “المنتدى الأول للتعاون الاقتصادي الدولي”.

ومع أنَّ المجموعة ليست منظمة ذات طابع ملزم قانونيًّا، إلا أنَّ وزنها يتأتى من حجم أعضائها الذين يمثلون أكثر من 80% من الإنتاج العالمي و75% من التجارة الدولية، فضلًا عن كونهم يضمون ثلثي سكان الكوكب.
وأمَّا عن آلية عمل المجموعة فتقوم على مسارينِ أساسيينِ؛ هما:
- مسار التمويل الذي يقوده وزراء المالية والبنوك المركزية.
- مسار “الشيربا” (Sherpa Track)، الذي يتابعه المبعوثون الشخصيون لقادة الدول.
من هذين المسارين تنبثق مجموعات عمل متخصصة تركز على قضايا بعينها، مثل المناخ والطاقة والصحة والتنمية المستدامة، كما تتيح المجموعة منصات لمشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص والأكاديميين؛ مما يجعلها فضاءً شاملًا للتفاعل بين مستويات متعددة من الفاعلين الدوليين.
وبالرغم من هذا النفوذ الواسع فإنَّ مجموعة العشرين تواجه انتقادات بشأن قدرتها على تمثيل مصالح الدول النامية؛ لأنَّ الأجندة في كثير من الأحيان تُهيمن عليها أولويات القوى الاقتصادية الكبرى، وهو ما يبرز أهمية استضافة القاهرة لاجتماع رسمي يركز على قضية تمس جميع الشعوب، وخاصة الأكثر هشاشة منها، وهي قضية الأمن الغذائي.
مصر والأمن الغذائي: دور إقليمي متنامٍ
إنَّ اختيار موضوع الأمن الغذائي ليكون محورَ اجتماع القاهرة ليس مصادفة، بل هو انعكاس لحجم التحديات التي يواجهها العالم في هذا المجال؛ إذْ إنَّ الأزمات المتتابعة التي شهدها العالم قد عمقت من هشاشة نظم الغذاء العالمية. وإنَّ أكثر من 700 مليون إنسان حول العالم يواجهون -وفقًا لتقارير الأمم المتحدة- انعدام الأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية.
وتدرك مصر -بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني- حجمَ هذه التحديات أكثر من غيرها، فهي من أكبر الدول المستوردة للقمح في العالم، وفي الوقت ذاته تسعى إلى تعزيز قدراتها الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي الداخلي.
كما أنَّ استضافتها للاجتماع تتيح لها فرصة إبراز تجربتها في إدارة ملف الغذاء على الصعيد الوطني والإقليمي، خصوصًا ما يتعلق ببرامج التوسع الزراعي وترشيد المياه وتطوير البنية التحتية لسلاسل الإمداد الغذائي
خطوات مصر في دعم الأمن الغذائي
- تعزيز قدراتها الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي الداخليْ
- التوسع في برامج ترشيد المياه والاستخدام الأمثل للموارد.
- تطوير البنية التحتية وسلاسل الإمداد الغذائي.
- الدفاع عن أولويات القارة الإفريقية في المحافل الدولية.

ومن جهة أخرى، يشكل الاجتماع منصة لمصر لتأكيد التزاماتها الدولية تجاه القارة الإفريقية التي تعد الأكثر تضررًا من انعدام الأمن الغذائي، فالقاهرة طالما تبنت خطابًا يدعو لتمكين إفريقيا من موارد أكبر، سواء عبر التمويل الدولي أم من خلال تعزيز قدرات القارة على مواجهة آثار التغير المناخي.
رسالة القاهرة إلى العالم
لا يمكن النظر إلى اجتماع مجموعة العشرين في القاهرة بمعزل عن الأبعاد الأوسع للاستدامة، فالأمن الغذائي ليس مجرد قضية إنتاج أو توزيع، بل هو جزء من معادلة معقدة تتداخل فيها العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا فإنَّ الاجتماع يفتح الباب أمام مقاربات جديدة تدمج بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة، وهي الثلاثية التي تقوم عليها أهداف التنمية المستدامة
ماذا عن قضايا الجنوب العالمي؟
كذلك يعكس الاجتماع -أيضًا- وعيًا متزايدًا بأن قضايا الجنوب العالمي لم تعد يمكن تجاهلها، فمواجهة انعدام الأمن الغذائي تتطلب حلولًا عالمية تتجاوز السياسات الوطنية الضيقة؛ مما يستدعي تضافر الجهود الدولية وتبني آليات تمويل أكثر عدلًا وشفافية.
وفي ظل التحديات التي يواجهها الكوكب من تغير مناخي متسارع وتدهور في الموارد الطبيعية، فإن أي نقاش حول الأمن الغذائي يظل ناقصًا ما لم يرتبط بالاستدامة، وهنا تكمن القيمة الحقيقية لاجتماع القاهرة، إذ يربط الأمن الغذائي بمستقبل البشرية واستدامة مواردها، وبالتزام جماعي لتحقيق أجندة 2030 وما بعدها
القاهرة عاصمة للحوار والاستدامة
مما سبق يتضح لنا كيف أنَّ استضافة مصر لاجتماع رسمي لمجموعة العشرين لأول مرَّة في تاريخ المنتدى؛ تمثل لحظة فارقة في الدبلوماسية العالمية، فهي لا تبرز فقط ثقل القاهرة الإقليمي والدولي، بل تعكس تحولًا في طريقة تعاطي المجموعة مع قضايا الجنوب العالمي.
ومن خلال التركيز على الأمن الغذائي، يفتح الاجتماع الباب أمام نقاشات جوهرية تربط بين الغذاء والتنمية والاستدامة، وتؤكد أن مستقبل العالم يعتمد على قدرة جميع الدول على العمل معًا بروح الشراكة والتضامن.
وفي النهاية، فإنَّ مؤسسة حماة الأرض -بما تقدمه من نشر للوعي- تجد في استضافةَ مصر لاجتماع مجموعة العشرين فرصة لتسليط الضوء على مدى الخطر الذي يواجه عالمنا اليوم، خاصة ما يتعلق بالأمن الغذائي، الذي لا يمكن أنْ يتحقق إلا من خلال التعاون الدولي والالتزام بأهداف التنمية المستدامة.




