خطى مستدامة

حملة «100 يوم صحة».. تجربة مصرية في تعزيز الحق في العلاج وتحقيق التنمية المستدامة

100 يوم صحة

حملة «100 يوم صحة».. تجربة مصرية في تعزيز الحق في العلاج وتحقيق التنمية المستدامة

لم تكن الصحة يومًا مسألة طبية بحتة، بل هي انعكاس مباشر لسياسات التنمية، ومدى قدرة الدول على توفير منظومة متكاملة تحفظ كرامة المواطن، وتضمن له الحق في الصحة التي هي أحد حقوق الإنسان.

في مصر، تتجسد هذه الرؤية من خلال المبادرات القومية الكبرى، وعلى رأسها حملة «100 يوم صحة» التي أطلقت نسختها الثالثة في يوليو 2025، واستطاعت خلال 60 يومًا فقط أن تقدم أكثر من 86 مليون خدمة طبية مجانية إلى المواطنين، في واحدة من كبرى الحملات الصحية التي تشهدها البلاد.

وإن ضخامة الأرقام وتعدد القطاعات المشاركة يعكسان بوضوح إدراك الدولة لمدى أهمية الاستثمار في الصحة، باعتبارها مدخلًا رئيسيًّا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وضمان مستقبل أكثر عدلًا وصحةً للأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض من خلال هذا المقال تفاصيل الحملة وأبعادها التنموية، وربطها بأهداف التنمية المستدامة.

الصحة ركيزة أساسية للتنمية

حينما أعلن الدكتور/ خالد عبد الغفار “نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية، ووزير الصحة والسكان”، عن إطلاق النسخة الثالثة من «100 يوم صحة» كان يؤكد أن المبادرات الصحية القومية ليست حدثًا عابرًا، بل هي جزء من استراتيجية وطنية لرفع كفاءة المنظومة الصحية.

وهذا التوجه يعكس التزامًا واضحًا بأهداف التنمية المستدامة، خصوصًا الهدف الثالث، الذي ينص على ضمان حياة صحية، وتعزيز الرفاه للجميع في كل الأعمار.

إن توفير 86 مليون خدمة طبية مجانية في شهرين فقط يكشف عن مستوى غير مسبوق من الاستثمار في صحة المواطن. وهو ما يتطلب شبكة ضخمة من المستشفيات، والعيادات، والكوادر الطبية المدربة التي استطاعت أن تغطي مختلف المحافظات في وقت قياسي؛ فالصحة هنا لم تعد مسألة علاجية فقط، بل أصبحت ضمن منظومة تنموية متكاملة، تهدف إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، وتقليل الفوارق بين الفئات والمناطق.

الكوادر الطبية

كما أن هذا الرقم الضخم من الخدمات يشير إلى حجم الطلب المجتمعي على الرعاية الصحية المجانية، وإلى أن توفيرها ليس استجابة آنية فقط، بل ضرورة استراتيجية لحماية المجتمع من مخاطر تفاقم الأمراض، وما يتبعها من آثار اجتماعية سلبية واقتصادية. وهنا يظهر الترابط الوثيق بين الصحة والاستدامة؛ إذ إن أي إهمال في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الإنتاجية والعدالة الاجتماعية.

تنوع القطاعات

واحدة من أبرز نقاط القوة في حملة «100 يوم صحة» تكمن في تكامل الأدوار بين 12 قطاعًا مختلفًا، شاركت جميعها لتحقيق الهدف نفسه. وهذا التنوع يعكس فلسفة التنمية المستدامة القائمة على الشراكة والتكامل، ويؤكد أن النجاح في تحقيق التغطية الصحية الشاملة يتطلب تعاون مؤسسات الدولة كافة.

فقد قدم قطاع الرعاية الأساسية أكثر من 43 ألف خدمة، حينما وفر قطاع الرعاية العلاجية أكثر من 221 ألف خدمة، وهو ما يبرز أهمية الجمع بين الوقاية والعلاج في المنظومة الصحية. كما أسهمت المبادرات الرئاسية للصحة العامة بما يزيد عن 62 ألف خدمة؛ الأمر الذي يعكس حرص الدولة على استمرارية تلك المبادرات، وعدم قصرها على نطاق زمني محدود.

ولم تقتصر الجهود على ذلك، بل شملت أيضًا قطاع الطب الوقائي، الذي قدم 8 آلاف خدمة؛ ليؤكد أن الوقاية هي خط الدفاع الأول ضد الأمراض، وأن الاستثمار في هذا المجال يقلل -على المدى الطويل- من تكلفة العلاج، ويعزز صمود المجتمع أمام التحديات الصحية. وهذا النهج ينسجم مع مبادئ الاستدامة، التي تدعو إلى تبني سياسات وقائية تقلل من المخاطر المستقبلية، وتوفر الموارد للأجيال القادمة.

المؤسسات الطبية

لم يكن دور المستشفيات والمعاهد التعليمية والهيئات الطبية أقل أهمية؛ فقد أسهمت الوحدات التابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، بتقديم أكثر من 46 ألف خدمة، فيما أسهمت مبادرة «صحتك سعادة» للصحة النفسية بتقديم ما يقارب 10 آلاف خدمة. وقد عكس إدراج الصحة النفسية ضمن الحملة تطورًا مهمًا في النظرة إلى الصحة العامة، باعتبار أنها تشمل الجسد والعقل معًا.

كما أسهمت مستشفيات الهيئة العامة للتأمين الصحي بقرابة 8 آلاف خدمة، حينما قدمت هيئة الإسعاف أكثر من 4 آلاف تدخل إنقاذيّ، وهو ما يؤكد سرعة الاستجابة، وقدرة الدولة على تغطية الطوارئ، إلى جانب الخدمات العلاجية الروتينية. وبدورها أسهمت مستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة والمؤسسة العلاجية بما يقارب 59 ألف خدمة؛ لتؤكد أن البنية التحتية الطبية في مصر باتت أكثر قدرة على الاستيعاب والتوسع.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي مؤشرات على بناء جسور ثقة بين المواطن والدولة؛ فحين يجد المواطن خدمات مجانية ومتكاملة في متناول يده، يزداد شعوره بالانتماء، وتتعزز قدرته على المشاركة الفاعلة في المجتمع. وهذا البعد الاجتماعي يمثل أحد أعمدة الاستدامة، التي تقوم على تقوية التماسك الاجتماعي، وضمان عدالة في توزيع الموارد.

 

الوعي الصحي

لم تقتصر الحملة على تقديم الخدمات العلاجية والوقائية، بل اهتمت أيضًا برفع مستوى الوعي الصحي؛ فقد استفاد أكثر من 47 ألف مواطن من أنشطة التوعية والتثقيف، التي نظمتها فرق التواصل المجتمعي في النوادي والمراكز التجارية والأماكن العامة.

وهذه الأنشطة تحمل أهمية استراتيجية؛ إذ تسهم في تغيير السلوكيات الصحية الخاطئة، وتدفع المواطن إلى أن يكون شريكًا في الحفاظ على صحته.

وإن بناء وعي صحي مجتمعي ليس مجرد نشاط إضافي، بل هو استثمار طويل المدى يقلل من الضغط على المنظومة الصحية مستقبلًا؛ فالمواطن الذي يعرف قيمة الوقاية، ويتبنى أنماط حياة صحية يسهم في تقليل معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة؛ مما يخفف من الأعباء المالية والإنسانية على الدولة. وبهذا المعنى فإن الوعي الصحي هو ركيزة لتحقيق الاستدامة الصحية؛ لأنه يحافظ على الموارد، ويمنع إهدارها.

كما أن التركيز على التثقيف الصحي يتوافق مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، الذي يتعلق بالتعليم الجيد؛ إذ إن المعرفة الصحية جزء لا يتجزأ من التعليم الشامل. وهذا الربط يوضح أن حملة «100 يوم صحة» ليست مجرد مبادرة طبية، بل مشروع مجتمعي متكامل يربط بين الصحة والتعليم والاستدامة.

مصر بين الصحة والاستدامة

من خلال استعراض تفاصيل حملة «100 يوم صحة»، تؤكد مصر أنها تسير بخطوات ثابتة نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة وربطها بالتنمية المستدامة؛ فالأرقام الهائلة للخدمات المقدمة، والتكامل بين المؤسسات الصحية، وإدراج الصحة النفسية والوعي المجتمعي ضمن نطاق الحملة؛ كلها مؤشرات على تحول نوعي في النظرة إلى الصحة باعتبارها عنصرًا أساسيًّا من عناصر الاستدامة.

وهذه الجهود تتلاقى مع “رؤية مصر 2030” وأهداف التنمية المستدامة العالمية؛ لتؤكد أن مصر ليست تسعى إلى معالجة الأمراض فقط، بل تعمل على بناء مجتمع أكثر صحة وعدلًا وصمودًا؛ فالحق في الصحة هو أساس كل الحقوق، وهو ما يمكّن الإنسان من العمل والتعلم والمشاركة بفاعلية في مسيرة التنمية.

مصر بين الصحة والاستدامة

في نهاية المطاف، يمكن القول إن حملة «100 يوم صحة» ليست مجرد مبادرة وطنية، بل هي تجربة تلهم المنطقة بأسرها، لتُظهر كيف يمكن للصحة أن تكون بوابة نحو الاستدامة. ومن هنا تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن الاستثمار في الصحة العامة ليس خيارًا مؤقتًا، فهو مسار استراتيجي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وضمان مستقبل أكثر عدلًا وأمانًا للأجيال القادمة، حيث تبقى صحة الإنسان هي المدخل الحقيقي لصون البيئة، وحماية الموارد، وبناء عالم أكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى