أخبار الاستدامة

ملتقى القاهرة التاريخية يستعرض رؤية متكاملة لإحياء التراث بمنظور جديد

ملتقى القاهرة التاريخية

ملتقى القاهرة التاريخية يستعرض رؤية متكاملة لإحياء التراث بمنظور جديد

في خطوة استراتيجية تعكس توجهًا جادًّا نحو دمج التراث في رؤية التنمية المستدامة، أطلق وزير السياحة والآثار السيد/ شريف فتحي ملتقى “القاهرة التاريخية – رؤية متكاملة لمستقبل مستدام”، بالتعاون مع المكتب الإقليمي لليونسكو بالقاهرة. وقد جاء هذا الحدث النوعي ليؤكد موقع القاهرة التاريخية في صميم السياسات الوطنية للعدالة البيئية والاجتماعية، وليعيد طرحها باعتبارها مساحة حيوية قادرة على إنتاج حلول حضرية واقتصادية قائمة على استدامة التراث.

وكان الملتقى بمشاركة واسعة ضمت ممثلين عن المحافظة، وصندوق التنمية الحضرية، والمجلس الأعلى للآثار، وهيئة تنشيط السياحة، إلى جانب عدد من خبراء التراث وأساتذة الجامعات وممثلي المجتمع المدني، ليشكّل منصة حوارية تعكس تحولًا لافتًا في النظرة إلى تطوير منطقة القاهرة التاريخية؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على ترميم المباني أو الحفاظ على الطابع المعماري، وإنما بات يُنظر إلى المدينة باعتبارها كيانًا نابضًا بالحياة، يمكن إعادة تنشيطه من خلال دعم الحرف التقليدية، وإحياء الذاكرة الثقافية، وتنشيط الحركة السياحية.

وزير السياحة والآثار

تحويل القاهرة التاريخية إلى مركز حي للتنمية

وفي هذا السياق، طرح السيد الوزير رؤية تكاملية ترتكز على نهج تشاركي يدمج جهود الوزارات المعنية والخبرات الأكاديمية مع المجتمعات المحلية، مشددًا على ضرورة تخصيص مساحات للحرفيين داخل النسيج العمراني القديم، وربط منتجاتهم بمنصات التسويق الرقمي، بما يعزز الاقتصاد الأخضر، ويوفّر فرص عمل قائمة على الموروث الثقافي.

ومن هذا المنطلق، تمت الدعوة إلى إنشاء مركز متكامل للزائرين يسهم في تحسين التجربة السياحية وتقديم خدمات معرفية، مع إعداد خريطة شاملة للمواقع الأثرية في المنطقة. هذه المقترحات تمثل استجابة ذكية لتحديات التنمية الحضرية المعقدة، وتضع المدينة التاريخية في قلب مسار السياحة المستدامة.

مشروعات جديدة لإحياء المناطق التراثية بالقاهرة

شهد الملتقى عرضًا لسبعة مشروعات ميدانية قدمها طلاب وخبراء من عدة جامعات، شملت أفكارًا متنوعة، مثل تحسين استهلاك الطاقة في منطقة القلعة، وزيادة المساحات الخضراء في الفسطاط، وتطوير الأنشطة الثقافية في الجمالية والدرب الأحمر، بالإضافة إلى توثيق الطابع المعماري في شرق القاهرة.

ومن أبرز هذه المشروعات، مشروع “منطقة الجمالية، الذي يسعى إلى دمج الصناعات الإبداعية بالتراث الثقافي غير المادي من خلال إعادة تأهيل الورش والأسواق التقليدية، وتحويلها إلى مراكز إنتاجية وسياحية تسهم في تحسين دخل الحرفيين وتدريب الأجيال الجديدة. ومشروع “الدرب الأحمر، الذي يعتمد على إعادة استخدام المباني التراثية لأغراض ثقافية واقتصادية، بما في ذلك إنشاء مراكز للفنون والعروض الشعبية؛ مما يعيد إحياء الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمنطقة.

مشروعات جديدة لإحياء المناطق التراثية بالقاهرة

وغيرها من المشروعات التي تناولت تطوير “منطقة آثار القلعة” باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، وتعظيم المساحات الخضراء في “الفسطاط”، والتخطيط لمسارات سياحية جديدة في “شرق القاهرةِ”، واستراتيجيات مواجهة التغيرات المناخية في منطقة “الإمام الشافعي”، وإعادة استخدام المباني المهجورة في الأزهر والغورية.

وقد أعربت الدكتورة/ نوريا سانز، المديرة الإقليمية لمكتب اليونسكو بالقاهرةِ، عن تقديرها لجميع الجهود المبذولة من مجموعات العمل بالمشروعات المقترحة التي تم استعراضها اليوم ضمن خطة الحفاظ وإعادة تأهيل منطقة القاهرة التاريخية، التي تضاف إلى سجل إنجازات التعاون بين اليونسكو ووزارة السياحة والآثار، بما يضمن تنفيذ المشروعات بالشكل الأمثل، لافتة إلى أن هذه المشروعات هي نتاج عامين من العمل الجاد للانتهاء من خطة الحفاظ على القاهرة التاريخية بما يتناسب وأهمية المنطقة التاريخية والأثرية.

الدكتورة/ نوريا سانز، المديرة الإقليمية لمكتب اليونسكو بالقاهرةِ

المجتمعات المحلية محور رئيسي في التطوير

ومن أبرز ملامح المشروعات المقترحة هو التركيز على دور الناس الذين يعيشون داخل منطقة القاهرة التاريخية؛ فقد سعت المبادرات إلى دعم الحرف التقليدية وربطها بالزوار والأسواق، كما اقترحت إنشاء مراكز مجتمعية داخل المباني القديمة المهجورة؛ لتتحول إلى مساحات تعليمية وثقافية وخدمية. وشجعت هذه الأفكار على مشاركة الأهالي ومؤسسات المجتمع المدني في التخطيط والتنفيذ، بما يعزز الإحساس بالملكية والانتماء.

هذا التوجه يُبرز الإنسان باعتباره شريكًا حقيقيًّا في عملية التطوير؛ مما يعطي لتلك الجهود بُعدًا أخلاقيًا وعمليًّا يعزز من فرص نجاحها. ومع دعم السكان وتفاعلهم، يمكن تحويل القاهرة التاريخية إلى نموذج حيّ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، يدمج بين الحفاظ على الهوية وتحسين جودة الحياة، ويفتح الطريق لتطبيق هذا النهج في مدن ومناطق أخرى.

نحو مستقبل مستدام

تُظهر تجربة القاهرة التاريخية اليوم أن الحفاظ على التراث لم يعد مسألة جمالية أو سياحية فقط، وإنما أصبح جزءًا أساسيًّا من رؤية أوسع للتنمية المستدامة؛ فهذا الملتقى وما طُرح فيه من أفكار ومشروعات يعكس وجود إرادة سياسية واضحة، وتنسيق مؤسسي جاد بين مختلف الجهات.

وما يميز هذا التوجه أنه لا يفصل بين الإنسان والمكان، وإنما يضع السكان في قلب عملية التطوير، ويمنحهم أدوارًا فعالة في صنع القرار وتحقيق التغيير؛ فالمشروعات المقدمة لم تقتصر على تحسين المواقع، وإنما امتدت لتوفير فرص عمل، وتعزيز الصناعات الإبداعية، وتحويل المباني القديمة إلى مساحات مجتمعية حية.

ومِن هنا، فإنَّ ملتقى “القاهرة التاريخية” يشكل محطة مهمة في إعادة التفكير في التراث باعتباره عنصرًا فاعلًا في التنمية المستدامة؛ لأنَّ الرؤية المطروحة تؤكد أنَّ الدمج بين الأصالة والحداثة ممكن، وأنَّ المجتمعات المحلية ليست جزءًا من المشهد فقط، بل شركاء في رسمه وإحيائه.

ولذلك ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ ما جرى طرحه في الملتقى يُمثل خطوة واعدة، وأنَّ الحفاظ على التراث لا ينجح إلا عندما يتحول إلى مصدر دخل، وهوية حية، ومساحة للعدالة الاجتماعية والبيئية معًا، وذلك في إطار الرؤية الوطنية، ووفق خطة التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى