خطى مستدامة

كيف يقود التحول الرقمي مستقبل التعليم نحو التنمية المستدامة؟

كيف يقود التحول الرقمي مستقبل التعليم نحو التنمية المستدامة؟

أصبح التعليم في العصر الراهن أكثر من مجرد عملية نقل للمعرفة داخل جدران الفصول؛ إذ بات يشكل الأساس الذي تحدد من خلاله قدرة المجتمعات على التكيف مع التحولات التكنولوجية، ومع تزايد التعقيدات التي يفرضها هذه التحولات، تَبيّن أن النماذج التقليدية في التقييم، مثل الامتحانات الورقية، لم تعد قادرة على قياس المعارف والمهارات التي تواكب متطلبات المستقبل والتحول الرقمي.

ومن هنا سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال مسار التحول الرقمي في التعليم، باعتباره من المحاور الأساسية لبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة، وتناقش الفوائد والتحديات والحلول المرتبطة به، مستعرضة رؤى وتحليلات مدعومة بالمصادر والممارسات العالمية؛ فتابعوا القراءة.

التعليم في عصر التحول الرقمي

في السنوات الأخيرة، اكتسب مصطلح التحول الرقمي زخمًا كبيرًا في المجال التعليمي، باعتباره ضرورة حتمية فرضها الواقع؛ فمع تفاقم الأزمات العالمية، من جائحة كورونا إلى التغيرات المناخية، أصبح من الضروري أن يتكيف قطاع التعليم مع بيئة متقلبة، تتطلب أنظمة مرنة، قابلة للاستجابة الفورية، وقادرة على ضمان الاستمرارية والتكافؤ في الوصول إلى المعرفة.

ولا يقتصر التحول الرقمي في التعليم على التحول الرقمي للمحتوى فقط، وإنما يمتد ليشمل إنشاء بنية كاملة تبدأ من تطوير المناهج، وتمر بتأهيل المعلمين، وتنتهي بتعزيز مشاركة الطلاب عبر أدوات تقنية تفاعلية، مثل الذكاء الاصطناعي، والواقع المعزز، والتعلم القائم على الألعاب.

ومما لا شك فيه أن لهذا التحول أبعادًا تتجاوز النطاق المدرسي، فهو يتقاطع مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة، وتحديدًا الهدف (4) الذي يدعو إلى ضمان تعليم جيد ومنصف وشامل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع، ومن ثم فإن أي استثمار في البنية الرقمية للتعليم يُعد إسهامًا مباشرًا في بناء مجتمعات أكثر مرونة واستدامة.

الامتحانات في عصر التحول الرقمي

في هذا السياق، تبرز الامتحانات باعتبارها عنصرًا محوريًّا في عملية التحول الرقمي؛ فلم تعد الامتحانات مجرد ورقة تقليدية تُملأ بالإجابات في قاعة مغلقة، وإنما تحولت في ظل الثورة الرقمية إلى تجربة تعليمية متكاملة، تعتمد على التفاعل والابتكار والدقة.

وفي بيئة تعليمية مدفوعة بالتكنولوجيا، بات بالإمكان تصميم اختبارات تقيس الفهم الحقيقي للطالب من خلال سيناريوهات محاكاة، وأسئلة تفاعلية، وتقييمات مرنة تستجيب لاحتياجات كل متعلم، هذا التغيير يتجاوز حدود التغير الشكلي؛ ليعيد تعريف الهدف من التقييم نفسه: فهم أعمق، وتعليم أذكى، ومستقبل أكثر اتساعًا.

فمن خلال توظيف التكنولوجيا في العملية التعليمية، يمكن الارتقاء بجودة التقييمات عبر أدوات أكثر دقة وتفاعلية، تعكس بشكل أفضل مدى استيعاب الطلاب وفهمهم للمحتوى التعليمي، ويُعد هذا التطور خطوة محورية نحو تعزيز كفاءة منظومة التعليم؛ إذ يكشف كل تقدم في هذا المسار عن أفق جديد من آفاق التنمية المستدامة، ويجعل من التعليم أداة فعّالة لإحداث تغيير إيجابي، على مستوى الأفراد والمجتمعات.

وتُعد الامتحانات الالكترونية خطوة جوهرية نحو بناء منظومة مستدامة للتعليم، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الوعي البيئي والعدالة الاجتماعية؛ فمع تراجع استخدام الورق وتقليل الهدر، تسهم هذه النماذج في تقليص الأثر البيئي لمنظومة التعليم، كما تفتح الأبواب أمام ملايين الطلاب للوصول إلى فرص التقييم عن بُعد، متجاوزة الحواجز الجغرافية والظروف الطارئة، ومعززة لمبدأ تكافؤ الفرص.

التحول الرقمي في التعليم في مصر

وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم سباقًا نحو رقمنة التعليم، تعد مصر مثالًا بارزًا على التحول الرقمي في هذا المجال؛ فقد بذلت جهودًا متزايدة لتطوير البنية التحتية التعليمية الرقمية؛ مما أسهم في تعزيز قدرة النظام التعليمي على مواكبة التغيرات التكنولوجية العالمية.

ففي السنوات الأخيرة شهد النظام التعليمي في مصر توسعًا ملحوظًا في استخدام المنصات التعليمية الرقمية مثل بنك المعرفة المصري (EKB)، الذي أصبح مصدرًا رئيسيًّا للمحتوى التفاعلي والمعلوماتي للطلاب والمعلمين على حد سواء، كما تم تبني نظم التعليم الهجين التي تجمع بين التعلم التقليدي والتقنيات الحديثة؛ مما يتيح للطلاب والمعلمين الاستفادة من أدوات تعليمية مرنة وقابلة للتطوير.

النموذج الفنلندي

وإلى جانب النموذج المصري تبرز فنلندا بهدوئها المعروف؛ لتمثل قصة نجاح فريدة في هذا المجال، حيث لا تعتمد تجربتها على الضجيج أو الشعارات، وإنما على رؤية استراتيجية واضحة واستثمار مستدام في المهارات الرقمية والبنية التحتية، حيث تعد هذه التجربة مثالًا حيًّا على كيفية دمج التكنولوجيا بشكل فعّال في جميع مراحل العملية التعليمية.

ووفقًا لتقرير “العقد الرقمي” لعام 2024، بلغت نسبة الأفراد الذين يمتلكون مهارات رقمية أساسية في فنلندا 82%، متجاوزة بذلك المتوسط الأوروبي البالغ 55.6%، ومتقدمة على الهدف الأوروبي لعام 2030 الذي يطمح للوصول إلى 80%، يعكس هذا الإنجاز التزام فنلندا بتعزيز المهارات الرقمية لمواطنيها؛ مما يسهم في بناء مجتمع معرفي متقدم.

وقد تبنت الحكومة الفنلندية خارطة طريق استراتيجية للتحول الرقمي، تهدف إلى تعزيز استخدام الأنظمة الرقمية وتطوير الاقتصاد القائم على البيانات، كما أطلقت وزارة التعليم الفنلدية خطة رقمية حتى عام 2027، تركز على دمج الأدوات الرقمية في التعليم بشكل أخلاقي وفعّال، مع تعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والتكنولوجية.

وفي مجال التعليم الأساسي، تم تحديث المنهج الوطني الفنلندي ليشمل الكفاءة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات باعتبارها جزءً أساسيًّا من الكفاءات العرضية؛ مما يضمن تنمية المهارات الرقمية لدى الطلاب منذ المراحل الأولى. كما تم تطوير بيئات تعليمية مبتكرة تعتمد على مساحات مفتوحة ومرنة تدعم التعلم التعاوني والمشروعات المشتركة.

ومن اللافت أيضًا أن النموذج الفنلندي ينسجم مع رؤية 2030 للأمم المتحدة، حيث يشدد على شمولية التعليم باعتباره حقًّا أساسيًّا لكل إنسان، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الوضع الاجتماعي، وبذلك يتضح أن التحول الرقمي قد يكون المفتاح الذهبي لإحداث نقلة نوعية في أنظمة التعليم في الدول النامية، بشرط أن يُصاغ ضمن استراتيجيات تنموية شاملة.

التكنولوجيا في قلب الفصل الدراسي

وقد أصبح التحول الرقمي واقعًا ملموسًا في العديد من المدارس والمؤسسات التعليمية حول العالم؛ فالأنظمة التعليمية التي تبنت منصات إدارة التعلم (LMS) مثل Moodle أو Google Classroom، تمكنت من تقديم تجربة تعلم مرنة وفعالة، تجمع بين التفاعل، والتحفيز، والمتابعة المستمرة.

وأصبحت بعض المدارس تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الطلاب، وتقديم خطط تعليمية مخصصة لكل فرد، وفق نقاط القوة والضعف لديه، وهذا النوع من التعليم الشخصي لا يثري فقط تجربة الطالب، وإنما يسهم أيضًا في تعزيز العدالة التعليمية؛ عبر توفير محتوى متكيف مع قدرات الجميع، وقد أثبتت دراسة نشرها موقع “EdTech Magazine” أن استخدام هذه التقنيات أسهم في رفع معدل الفهم والاستيعاب بنسبة تجاوزت 60% بين الطلاب.

أما على مستوى الإدارة، فإن استخدام أدوات تحليل البيانات، وأتمتة العمليات الإدارية، أدى إلى تقليل الأخطاء، وتسهيل اتخاذ القرار، وتحسين جودة التعليم عبر الاستفادة من المعلومات الواقعية. كما أن التواصل بين أولياء الأمور والمدارس بات أكثر سلاسة عبر التطبيقات الذكية، وهو ما يعزز من شراكة الأسرة في عملية التعلم.

إنّ التحول الرقمي في التعليم لا يقف عند حدود الفصول الافتراضية، بل هو بوابة لتمكين المجتمعات؛ فالطالب الذي يمتلك أدوات رقمية حديثة، يصبح أكثر قدرة على الإبداع، وأكثر استعدادًا لسوق العمل الرقمي، وأقل عُرضة للتهميش الأكاديمي أو المهني.

التكنولوجيا في التعليم داخل الفصل الدراسي

تحديات التحول الرقمي في التعليم

رغم الزخم الكبير الذي يحمله التحول الرقمي في التعليم، فإن الطريق ليس مفروشًا بالورود؛ فالفجوة الرقمية لا تزال تمثل التحدي الأكبر، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف في البنية التحتية التكنولوجية أو في الوصول إلى الإنترنت؛ ففي إفريقيا جنوب الصحراء مثلًا، لا يمتلك أكثر من 70% من الطلاب اتصالًا مستقرًا بالإنترنت، وفقا لتقارير البنك الدولي، وهو ما يجعل التعليم الرقمي حلمًا مؤجلًا لكثيرين.

ولا يقتصر التحدي على الطلاب، وإنما يمتد إلى المعلمين، الذين قد يفتقرون إلى المهارات التقنية اللازمة لتوظيف الأدوات الرقمية بشكل فعال، كما أن اعتماد المؤسسات على تقنيات غير مدروسة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تتمثل في إغراق الطالب بمحتوى رقمي غير منسق؛ مما يفقد العملية التعليمية معناها التربوي.

ومع ذلك فإن هذه التحديات تفتح الباب أمام حلول مبتكرة، مثل إنشاء مراكز تعليم رقمي في المناطق النائية، أو توفير أجهزة لوحية منخفضة التكلفة، أو بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم التحول الرقمي؛ فهذه التحديات تمثل محطات تطور لا عوائق، حيث إن من يستثمر اليوم في تطوير أنظمة رقمية ذكية، إنما يستثمر في غد أفضل على جميع المستويات.

التعليم الرقمي والتنمية المستدامة

مما لا شك فيه أن التحول الرقمي في التعليم يمثل خطوة رئيسية نحو تحقيق التنمية المستدامة، حيث يسهم بشكل مباشر في تحقيق مجموعة من أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة؛ فعلى سبيل المثال، يسهم في تعزيز المساواة بين الجنسين من خلال تمكين الفتيات من التعلم عن بُعد، خاصة في المجتمعات التي تُقيد حركة الفتيات لأسباب ثقافية.

إضافة إلى ذلك، فإن التعليم الرقمي يحد من استخدام الورق والموارد المادية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الهدف (12) “الاستهلاك والإنتاج المسئولان”، كما أن الابتكار في تقنيات التعلم يُحفّز بيئة اقتصادية جديدة، قائمة على المعرفة والمهارات الرقمية، ما يتفق مع الهدف (8) “العمل اللائق ونمو الاقتصاد”.

إن بناء نظام تعليمي رقمي يحتاج إلى إعادة صياغة الفلسفة التعليمية بشكل كامل، بحيث يصبح المتعلم فاعلًا وشريكًا في إنتاج المعرفة، وليس متلقيًا فقط، وهذا يتطلب وعيًا جماعيًّا، وجهودًا تكاملية بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

ومن هنا تتجلى رسالة حماة الأرض في التوعية بأن مستقبل الكوكب لا يعتمد فقط على إعادة تدوير النفايات أو الطاقة النظيفة، وإنما على العقول الواعية التي تنشأ في بيئة تعليمية رقمية عادلة ومبتكرة؛ فالتعليم هو نقطة الانطلاق نحو تحقيق التنمية الحقيقية، وحمايته هي جزء من حماية كوكب الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى