حرائق الغابات تجتاح إسبانيا وفرنسا وسط موجات تضرب جنوب أوروبا

حرائق الغابات تجتاح إسبانيا وفرنسا وسط موجات تضرب جنوب أوروبا
تواجه فرق الإطفاء في إسبانيا وفرنسا موجة متصاعدة من حرائق الغابات، بالتزامن مع استمرار الحرارة الشديدة والجفاف والرياح التي ترفع خطر اندلاع بؤر جديدة في مناطق واسعة من جنوب أوروبا. ورغم تراجع حريق ضخم في مقاطعة جوادالاخارا وسط إسبانيا، أبقت السلطات على تحذيراتها من استمرار الظروف الخطرة خلال الأيام المقبلة.
وتأتي هذه التطورات بعد تعرض أوروبا لثلاث موجات حر شديدة ومتقاربة منذ بداية العام، فيما تجاوزت المساحات التي التهمتها النيران في القارة المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين الماضيين. وتكتسب الأزمة أبعادًا أوسع في أوروبا، التي تُعد أسرع قارات العالم احترارًا، مع انتقال تأثيرات الطقس المتطرف بين الحرائق والجفاف والعواصف المفاجئة.
وترتبط حرائق الغابات بصورة مباشرة بأهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالعمل المناخي، وحماية الحياة في البر، وبناء مدن ومجتمعات محلية قادرة على الصمود. فامتداد النيران إلى الغابات والمنازل والطرق يفرض ضغوطًا متزايدة على النظم البيئية وخدمات الطوارئ والصحة العامة، ويبرز أهمية الانتقال من الاستجابة الموسمية إلى الوقاية المستمرة والتكيف مع الحرارة المتزايدة.
حرائق الغابات تتجاوز المعدلات المعتادة في أوروبا
أظهرت بيانات رصد المناخ أن حرائق الغابات التهمت في أوروبا خلال العام الجاري مساحات تتجاوز المتوسط السنوي للعشرين عامًا الماضية، بالتزامن مع موجات حر متتالية رفعت جفاف التربة والغطاء النباتي.
وأظهرت بيانات مناخية تفاعلية نشرتها رويترز أن متوسط درجات الحرارة القصوى المتوقعة في غرب أوروبا بلغ 26.6 درجة مئوية، بزيادة تقارب ثلاث درجات على المتوسط التاريخي المسجل ليوم 22 يوليو خلال الفترة من 1961 إلى 1990.

ويرى العلماء أن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري يزيد شدة موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات، كما يهيئ الظروف لحدوث عواصف مفاجئة ومدمرة. وتظهر هذه الظواهر في مناطق مختلفة من القارة، حيث تكافح إسبانيا وفرنسا النيران، بينما انتقلت أجزاء من البلقان من الحرارة الشديدة إلى العواصف والبرد والأمطار الغزيرة.
وتزيد الحرارة المرتفعة من سرعة فقدان النباتات للرطوبة، ما يحول مساحات واسعة من الغطاء النباتي إلى مواد قابلة للاشتعال. ومع هبوب الرياح واندلاع العواصف الجافة، تستطيع النيران الانتشار بسرعة وتهديد مناطق سكنية بعيدة عن نقطة البداية.
إسبانيا تواجه موسمًا مبكرًا وشديدًا من الحرائق
دخلت إسبانيا مرحلة مبكرة وخطيرة من موسم حرائق الغابات، بعدما وصلت المساحات المحترقة منذ بداية العام إلى مستويات كانت البلاد تسجلها عادة خلال عام كامل. ورغم تراجع حدة بعض البؤر، تظل الحرارة والرياح والجفاف عوامل تهدد بتجدد النيران واتساع نطاقها خلال الأسابيع المقبلة.

76 ألف فدان تحترق في جوادالاخارا
شهدت منطقة جوادالاخارا أكبر حريق سُجل في إسبانيا خلال العام، بعدما التهمت النيران نحو 76 ألف فدان. وأجبرت الحرائق السلطات على تنفيذ عمليات إجلاء في 34 بلدية، إلى جانب إصدار أوامر للسكان بالبقاء داخل منازلهم في 14 بلدية أخرى.
وسمح تحسن الوضع بعودة سكان خمس قرى، مع استمرار بعض القيود بسبب احتمال تجدد الاشتعال. ويعكس ذلك صعوبة إعلان السيطرة الكاملة على الحرائق في ظل جفاف الأرض واستمرار درجات الحرارة المرتفعة.
238 ألف فدان قبل ذروة الموسم
قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز: إن بلاده سجلت 22 حريقًا كبيرًا منذ بداية العام، فيما بلغت المساحات المحترقة نحو 238 ألف فدان قبل الوصول إلى ذروة موسم حرائق الغابات.
ويعادل هذا الرقم تقريبًا متوسط المساحة التي كانت تحترق سنويًّا في إسبانيا خلال العقد الماضي، ما يكشف شدة الموسم الحالي ووصول الخسائر مبكرًا إلى مستويات كانت تُسجل عادة بنهاية العام.
ويعزز هذا الوضع الحاجة إلى توسيع برامج إدارة الغابات، وإزالة النباتات الجافة القريبة من المناطق السكنية، وتطوير نظم الإنذار المبكر وخطط الإجلاء. وترتبط هذه الإجراءات بالهدف الثالث عشر من أهداف التنمية المستدامة الخاص بالعمل المناخي، والهدف الخامس عشر المعني بحماية النظم البيئية البرية.
الحرارة والرياح تهددان بتجدد النيران
وبناءً عليه، أبقت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية مستوى خطر حرائق الغابات عند مستوى “مرتفع جدًا أو شديد” في معظم أراضي إسبانيا وجزر البليار، وتوقعت ارتفاعه خلال الأيام التالية.
كما تجتمع موجة الحر الحالية مع العواصف الجافة والغبار القادم من الصحراء الكبرى، بينما قد تدفع الرياح الغربية الجافة درجات الحرارة في مناطق البحر المتوسط إلى ما بين 42 و44 درجة مئوية.
وتشير التوقعات إلى انخفاض مؤقت في درجات الحرارة، يعقبه ارتفاع جديد بداية من الأحد، مع احتمال عودة الحرارة الشديدة إلى معظم أنحاء إسبانيا. ويجعل هذا التذبذب فترات الهدوء قصيرة، ويضع فرق الإطفاء أمام خطر اندلاع حرائق جديدة قبل استكمال السيطرة على الحرائق Menu.
فرنسا تدفع كلفة بشرية وبيئية متزايدة
تواجه فرنسا موسمًا قاسيًا من حرائق الغابات، امتدت تداعياته من الخسائر البيئية وتضرر المنازل إلى سقوط ضحايا بين فرق الإطفاء وإجلاء مئات السكان. ومع استمرار جفاف الغطاء النباتي وارتفاع مستوى الخطر في مناطق عدة، شددت السلطات القيود على الأنشطة البشرية التي قد تتسبب في اندلاع بؤر جديدة.
وفاة اثنين من رجال الإطفاء
لقي اثنان من رجال الإطفاء مصرعهما في منطقة جيروند جنوب غربي فرنسا، بعدما حاصرت النيران مركبتهما خلال مشاركتهما في عمليات الإخماد.
وشهدت المنطقة حريقًا التهم نحو 238 فدانًا بين بوردو وكاب فيريه، وأجبر السلطات على إجلاء نحو 600 شخص قرب قرية ساوموس، إلى جانب تحويل حركة المرور بعيدًا عن الطرق المؤدية إلى الشواطئ القريبة.
وأكدت السلطات أن الجفاف الشديد يؤدي إلى ظهور بؤر متعددة، ما دفعها إلى تشديد القيود على الأنشطة التي قد تتسبب في الشرر أو الحرارة. وشملت الإجراءات حظر قطع الأشجار وإزالة النباتات وتشغيل المعدات التي تعمل بمحركات الاحتراق في المناطق المعرضة لخطر الحرائق.
105 آلاف فدان تحترق في فرنسا
ساعد انخفاض درجات الحرارة نسبيًّا وتراجع سرعة الرياح فرق الطوارئ على التعامل مع حريق منطقة فار جنوب شرقي فرنسا، بعدما التهم نحو 6 آلاف فدان، وألحق أضرارًا بعشرات المنازل، وأجبر 400 شخص على مغادرة مساكنهم.
وبلغت المساحات المحترقة في فرنسا منذ بداية العام نحو 105 آلاف فدان، وهو مستوى يفوق المتوسط المعتاد. كما استمر حريق آخر في منطقة الألب العليا جنوب شرقي البلاد، وسط تحذيرات من بقاء مستوى الخطر مرتفعًا في الغرب والجنوب الغربي والجنوب الشرقي.
وبجمع المساحات المسجلة في إسبانيا وفرنسا، تصل الأراضي المحترقة منذ بداية العام إلى نحو 343 ألف فدان، ما يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له الغابات والمجتمعات المحلية في البلدين.

النشاط البشري وراء معظم الحرائق
أكدت السلطات الفرنسية أن النشاط البشري يقف وراء تسعة من كل عشرة حرائق، سواء بسبب أخطاء عرضية أو أفعال متعمدة. ودعت السكان إلى تجنب حفلات الشواء والأنشطة التي تستخدم اللهب أو المحركات في المناطق المتأثرة بموجات الحر.
ويبرز هذا الجانب أهمية السلوك المسئول في حماية الموارد الطبيعية، إذ تجمع الوقاية بين تقليل مصادر الاشتعال البشرية وتحسين إدارة الغطاء النباتي والتكيف مع ارتفاع الحرارة.
كما يرتبط الحد من هذه الممارسات بالهدف الثاني عشر المتعلق بأنماط الاستهلاك والإنتاج المسئولة، في ظل مسئولية الأفراد والمؤسسات عن تقليل الأنشطة التي تعرض الغابات والمناطق الريفية للخطر.
موجات الحر تعطل الحياة وتتحول إلى عواصف
امتدت تداعيات الطقس المتطرف في جنوب أوروبا إلى ما يتجاوز حرائق الغابات، بعدما أثرت الحرارة الشديدة في أنشطة العمل والحياة اليومية، بينما شهدت مناطق من البلقان تحولًا سريعًا نحو العواصف والبرد والأمطار الغزيرة. وتكشف هذه التطورات تنوع المخاطر المناخية التي تواجه السكان والبنية الأساسية خلال فترات زمنية متقاربة.
اليونان وقبرص تحميان العمال من الحرارة
امتدت تأثيرات الحرارة الشديدة إلى سوق العمل والحياة اليومية في جنوب أوروبا. وفي اليونان، حظرت السلطات العمل في الهواء الطلق خلال ساعات الظهيرة، مع توقع تجاوز درجات الحرارة 41 درجة مئوية.
واتخذت قبرص إجراءات مماثلة، ومنعت العمل في الأماكن المفتوحة خلال فترة ما بعد الظهر. وتعكس هذه القيود تنامي المخاطر الصحية الناتجة عن الإجهاد الحراري، خاصة للعاملين في البناء والزراعة والخدمات الميدانية.
ويرتبط ذلك بالهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، الخاص بالصحة الجيدة والرفاه، والهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، إذ تتطلب حماية العمال تحديث قواعد السلامة المهنية بما يتناسب مع موجات الحر الأكثر شدة وتكرارًا.
البلقان ينتقل من الحرارة إلى العواصف
في منطقة البلقان الغربية، تحول الخطر سريعًا من موجات الحر إلى العواصف والبرد. وأصيب 11 شخصًا في عاصمة مقدونيا الشمالية سكوبيه، بينهم ثلاثة بإصابات خطيرة، بعدما أسقطت عاصفة الأشجار وألحقت أضرارًا بأسطح المباني وتسببت في انقطاع الكهرباء.
كما أُغلقت طرق، وانقطعت المياه والكهرباء عن بعض البلدات، بينما حذر معهد الأرصاد الجوية في كوسوفو من عواصف جديدة قد تصاحبها صواعق وفيضانات وأضرار في شبكات الكهرباء والممتلكات.
ويكشف هذا التحول السريع اتساع نطاق الطقس المتطرف، وقدرته على الانتقال من حرارة وجفاف شديدين إلى أمطار وعواصف مدمرة، ما يفرض على المدن تطوير بنية أساسية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة سيناريوهات مناخية متباينة.
الوقاية تسبق الإطفاء
تكشف حرائق الغابات في إسبانيا وفرنسا أن توسيع فرق الإطفاء والمعدات الميدانية يمثل جزءًا أساسيًا من الاستجابة، بينما تعتمد الحماية طويلة الأجل على إدارة الغابات، وتقليل تراكم الغطاء النباتي الجاف، ومراقبة مصادر الاشتعال، وتطوير نظم الإنذار والإجلاء.

كما تحتاج دول جنوب أوروبا إلى إدماج مخاطر الحرارة والحرائق والعواصف داخل خطط المدن والبنية الأساسية والصحة المهنية، مع إعادة تأهيل المناطق المتضررة واستعادة الغطاء النباتي بعد انتهاء عمليات الإطفاء.
وختامًا، تكشف حرائق الغابات المتصاعدة في جنوب أوروبا أن التغير المناخي يعيد تشكيل طبيعة المخاطر التي تواجه المجتمعات، حيث أصبحت موجات الحر والجفاف والرياح عوامل متشابكة تضاعف من احتمالات اندلاع الكوارث واتساع آثارها.
ومن ثَمَّ، يرتبط التعامل مع هذه الأزمات بقدرة الدول على بناء منظومات متكاملة تجمع بين إدارة النظم البيئية، والتخطيط العمراني المرن، وتعزيز جاهزية قطاعات الصحة والطوارئ، بما يرفع قدرة المجتمعات على مواجهة الظروف المناخية المتغيرة.
وتسلط Earth Guards Foundation الضوء على أهمية الحد من خسائر حرائق الغابات، إذ يبدأ هذا الحد بالانتقال من الاستجابة الموسمية إلى الوقاية المستمرة، عبر حماية النظم البيئية، وتعزيز وعي المجتمعات، ورفع قدرة المدن والمناطق الريفية على الصمود أمام موجات الحر والطقس المتطرف. ويشكل هذا المسار أساسًا لحماية السكان والتنوع البيولوجي والموارد الطبيعية، ودعم مستقبل أكثر استدامة في جنوب أوروبا.




