الفقر في زمن الحروب.. كيف تقود الصراعات إلى معاناة المليارات وتهدد التنمية؟

الفقر في زمن الحروب.. كيف تقود الصراعات إلى معاناة المليارات وتهدد التنمية؟
قبل الحديث عن الفقر في زمن الحروب علينا أنْ ندرك أنَّ أجندة التنمية المستدامة 2030 تقوم على رؤية شاملة، وهي رؤية تهدف إلى القضاء على الفقر والجوع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعميم السلام وجعله مدخلًا ضروريًّا لكل جهود التنمية الشاملة.
ومِن جانب آخر هناك تلاقٍ خفيّ بين أهداف التنمية المستدامة وبعض القضايا العالمية؛ من أبرز هذه القضايا: النزاعات والعنف والحروب التي تقوض جهود تحسين جودة التعليم والصحة، وتقضي على كل فرص العمل اللائق؛ فيتراجع الأمل في مستقبل مستدام.
وترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ معالجة الفقر في زمن الحروب تتطلب رؤية عالمية تُوازن بين إيقاف النزاعات وتعزيز مسارات التنمية، باعتبارهما ركيزتينِ لا تنفصلانِ في طريق تحقيق أهداف الاستدامة؛ لذلك سوف تتناول المؤسسة أبعادَ هذا التحدي بقراءة معمقة تستند إلى الحقائق، مع توضيح كيفية معالجة النزاعات في إطار التنمية المستدامة وأهدافها؛ فتابعوا القراءة.
أرقام صادمة تكشف عمق المعاناة
لإدراك عمق الأزمة فإنَّ أحدث الإحصاءات العالمية تشير إلى أنَّ نحو 1.1 مليار إنسان يعيشون اليوم في حالة من الفقر في زمن الحروب، وهو فقر متعدد الأبعاد، ويتجاوز الحرمان من الدخل، ويشمل غياب الخدمات الأساسية كالطعام والتعليم والصحة. كذلك فإنَّ حوالي 455 مليونًا من هؤلاء الفقراء يقيمون -وفق دراسة مشتركة بين الأمم المتحدة ومركز أكسفورد للفقر والتنمية– في دول تشهد صراعات مسلحة وحروبًا ممتدة.

هذا الارتباط الوثيق بين النزاعات والفقر لم يعد ظاهرة عابرة، فإنَّ ثلثَي سكان العالم الفقراء هم في الوقت ذاته -بحسب تصريح الأمين العام السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي “آشيم شتاينر“- ضحايا حروب؛ مما يتطلب مساندة عاجلة تكسر حلقة الأزمة. كما تؤكد تقارير دولية أنَّ الفقر المدقع يتسارع في 39 دولة غارقة في النزاعات، الأمر الذي يهدد حياة أكثر من مليار إنسان بالفقر والجوع.
ما أعداد فقراء العالم؟
وتتجلى مأسوية هذا الواقع في بيانات البنك الدولي التي تشير إلى أنَّ 421 مليون إنسان يعيشون بأقل من 3 دولارات يوميًّا في اقتصادات تعاني من النزاعات، وهو ما يفوق أعداد الفقراء في بقية دول العالم مجتمعة. ويتوقع البنك الدولي أنْ يرتفع العدد إلى 435 مليونًا بحلول عام 2030؛ أي ما يقارب 60% من إجماليّ فقراء العالم.
وبالرغم من بعض الإنجازات التي تحققت في مجال أهداف التنمية المستدامة في العقود الأخيرة، فإنَّ اشتداد الصراعات العالمية يضع أهداف التنمية المستدامة –خاصة القضاء على الفقر والقضاء التام الجوع– بعيدًا عن متناول اليد.
وعلى نحوٍ تفصيليّ فإنَّ أكثر من نصف هؤلاء الفقراء من الأطفال دون سن الثامنة عشر، وهو ما يعكس هشاشة مستقبل التنمية؛ ففي الدول المنكوبة بالصراعات لا يحصل سوى ربع الفقراء على الكهرباء، مقابل 95% في الدول المستقرة.

أمَّا في مجالات الصحة والتعليم والتغذية -وغيرها من مستهدفات خطة التنمية 2030- فالفجوات مروعة: أطفال يموتون بمعدلات أعلى، وأُسر تفقد الغذاء وفرص التعليم، ومجتمعات تعيش على هامش الحياة.
الفقر وتأثيراته الاجتماعية
مما سبق يتضح أنَّ الشرائح الأكثر هشاشة –الأطفال والنساء وكبار السن– هي التي تدفع الثمن باهظًا بسبب النزاعات المسلحة؛ فها هي الحرب في أفغانستان -على سبيل المثال- تتسبب في دخول 5.3 ملايين إنسان إضافي في معدلات الفقر بين 2015 و2023 حتى بات ثلثَا السكانِ تحت خط الفقر.

أبرز ملامح التدهور في دول النزاع
لقد أضعفت الحروب مؤسسات الدول وأسواق العمل العالمية؛ إذْ يسجل الدخل القومي للفرد في دول النزاعات تراجعًا بمعدل 1.8% سنويًّا منذ 2020، حينما تحقق الدول الأخرى نموًّا يقارب 2.9%. وهذا التباين يفسِّر عمق الفجوة الموجودة في مستويات المعيشة: متوسط الدخل السنوي للفرد في دول النزاعات لا يتجاوز 1500 دولار منذ عام 2010، مقابل نحو 6900 دولار في الاقتصادات النامية الأخرى التي ليست فيها نزاعات مسلحة.
إذنْ، تتبلور ملامح هذه النزاعات وتأثيراتها في الآتي:
- ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى ما يقارب 40% من سكان مناطق النزاعات.
- تراجع مستمر في الدخل القومي للفرد وعدم وجود نمو اقتصادي يُذكر.
- تسرب اليأس إلى نفوس الشباب؛ مما يدفع بعضهم إلى الالتحاق بالجماعات المسلحة.
وهذه الأوضاع تُظهر بوضوح أنَّ نجاح أجندة 2030 للتنمية المستدامة مرهون بقدرة المجتمع الدولي على وقف النزاعات، وإلا فإنَّ معايير التنمية ستتآكل أمام معاناة ملايين البشر في أماكن كثيرة من العالم.
الحروب والتنمية المستدامة
على الرغم من أنَّ أجندة 2030 تؤكد أنَّ القضاءَ على الفقر ومكافحةَ الجوع لنْ يتحققَا بمعزل عن السلام العادل والشامل؛ فإنَّ الصراعات تجعل جهودَ خفض معدلات الفقر والجوع -على مستوى العالم- بطيئةً للغاية؛ ففي مناطق النزاع هناك واحد من كل ثلاثة فقراء أمام واحد من كل تسعة في المناطق التي تشهد سلامًا واستقرارًا.
ثم إنَّ الأثر المدمر لهذه الحروب يمتد إلى أهداف أخرى؛ منها:
- الهدف (3) الصحة الجيدة والرفاه – ملايين يُحرمون من الرعاية الطبية.
- الهدف (4) التعليم الجيد – ملايين الأطفال خارج المدارس.
- الهدف (6) المياه النظيفة والنظافة الصحية – حرمان من مياه الشرب.
- الهدف (7) طاقة نظيفة وبأسعار معقولة – غياب الكهرباء والطاقة المتجددة.
لذلك يشدد البنك الدولي على أنَّ الأهداف الأممية أصبحت “أبعد عن متناول اليد”، لا سيما في ظل استمرار الحروب والنزعات في كثير من دول العالم.

مسارات الأمل والمبادرات الدولية
نعم، إنَّ المشهدَ سوداويٌّ نوعًا ما! غير أنَّ ثَمَّ حلولًا يمكنها معالجة الوضع الحالي متى توفرت إرادة دولية وتكاتف أممي واسع؛ ولهذا تدعو المؤسسات الإنمائية إلى تعزيز الشراكات وتوجيه الاستثمارات التنموية نحو المناطق المنكوبة، خاصةً في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية. كما أنَّ الاستراتيجيات المحلية المصممة وفق خصوصية كلِّ صراعٍ قد تسهم في التخفيف من وطأة الفقر.
ومن بين الحلول المطروحة:
- الاستثمار في مشروعات الزراعة المستدامة؛ لتعزيز الأمن الغذائي.
- دعم القوى العاملة بالتدريب والتوظيف؛ لتقليل فرص الانخراط في النزاعات.
- بناء شبكات أمان اجتماعي؛ لضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة.
- تعزيز الشفافية؛ لمكافحة الفساد في الحكومات المحلية.

وعلى ذلك يؤكد خبراءُ التنمية المستدامة ومسئولو المراكز القيادية في هذا المجال أنَّ الاعتماد على البيانات الدقيقة -مثل بيانات مؤشر الفقر ذي الأبعاد المتعددة– يساعد على تقديم المساعدات إلى الفئات الأشد تضررًا، وهم الأطفال والنساء وكبار السن.
أهداف التنمية ضد العنف
إنَّ الفقر في زمن الحروب ليس مسألة اقتصادية تنظر إلى الأرقام والاستثمارات فحسبُ، وإنما هي أزمة إنسانية شاملة، وتهدد بقاء واستقرار المجتمعات كلها؛ لأنَّ الصراعات تفتك بالمدن والموارد، وتقتلع جذور التنمية المستدامة، وتزرع مكانها حلقات مفرغة من العنف واليأس.
ولقد أثبتت التجارب أنَّ الاستثمار في التعليم والصحة والعمل اللائق لا يمكن أنْ يؤتي ثماره ما لم يُبْنَ على أرض آمنة مستقرة؛ لذا فإنَّ مسارات الأمل تكمن في بناء عقد اجتماعي جديد عالميٍّ، يُوازن بين وقف العنف وتحقيق أهداف التنمية، ويعيد صياغة الأولويات بحيث تُقدَّمُ العدالةُ الاجتماعيةُ وحماية الفئات الهشّة على أيِّ مصالح ضيقة.
ومما سبق ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ معالجة الفقر في زمن الحروب تتطلب جهدًا مشتركًا بين الحكومات والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية، جهدًا يعترف بأنَّ التنمية والسلام توأمانِ لا ينفصلانِ، فإمَّا أنْ يسيرَا معًا نحو مستقبلٍ مستدام، وإمَّا أنْ يتعثر أحدهما فيسقط الآخر؛ لذا تنشر المؤسسة الوعي بأهمية تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصةً الهدف رقم (16) السلام والعدل والمؤسسات القوية.




