الذكاء الاصطناعي يتنبأ بسرطان الثدي.. تقنية جديدة تتفوق على الطرق التقليدية

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بسرطان الثدي.. تقنية جديدة تتفوق على الطرق التقليدية
مع تصاعد التحديات الصحية عالميًّا -من ازدياد حالات سرطان الثدي إلى انتشار الأمراض المزمنة- تظهر الحاجة الملحَّة إلى اعتماد أدوات تشخيص أكثر دقة قادرة على اكتشاف الخطر في مراحله المبكرة قبل أن تتفاقم الأعراض. وفي قلب هذا المشهد، يبرز الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (الصحة الجيدة والرفاه)، الذي يؤكد أهميةَ الوقاية، وتحسين جودة الفحوصات، وتسهيل الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، وتمكين الأفراد من فهم مخاطرهم الصحية بوضوح أكبر.
وتعدُّ مشكلة التشخيص المتأخر لسرطان الثدي واحدة من أبرز التحديات الصحية في مجتمعاتنا، إذ يؤدي تأخر اكتشاف المرض إلى ضعف فاعلية العلاج وتعقيد مسارات التعافي. وفي هذا السياق، يتقدم الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم الأدوات الطبية الصاعدة، بقدرته على تحليل الصور والبيانات بدقة تتجاوز القدرات البشرية التقليدية.
وتأتي نتائج أولية صادرة عن فريق بحثي في جامعة هارفارد حول نموذج (Clairity Breast)، لتُقدِّم إضافة لافتة في هذا المجال؛ إذ يكشف النموذج عن قدرة متميزة على التنبؤ بخطر الإصابة بسرطان الثدي قبل ظهور أي أعراض، متفوقًا بوضوح على المؤشرات التقليدية المعتمدة في تقييم المخاطر.
تفوق في الكشف عن سرطان الثدي
توصي الجمعية الأمريكية للسرطان بأن تبدأ النساء ذوات الخطر المتوسط بإجراء فحص الماموجرام السنوي (نوع محدد من الأشعة السينية مصمم لتصوير أنسجة الثدي بدقة عالية) اعتبارًا من سن الأربعين. ولكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن النساء تحت سن الأربعين يشكلن الفئة الأسرع نموًّا في معدلات تشخيص سرطان الثدي، بما في ذلك الحالات المتقدمة، وهو ما يبرز الحاجة إلى تحسين دقة التقييمات الحالية وإعادة النظر في توقيت الفحوصات التقليدية.
وفي إطار السعي لسد فجوة الكشف المبكر وتحسين دقة التشخيص، تكشف النتائج الأولية لهذا الفريق البحثي عن نموذج متطور للذكاء الاصطناعي -يعتمد على تحليل صور الماموجرام فقط- قادر على التنبؤ بخطر الإصابة بسرطان الثدي خلال السنوات الخمس المقبلة بدقة تفوق الأساليب التقليدية بكثير، خاصة تلك التي تعتمد على كثافة نسيج الثدي وحدها.

ويتميَّز هذا النموذج بقدرته على التقاط أنماط دقيقة في أنسجة الثدي لا يمكن لمختصي الأشعة رؤيتها بالعين المجردة، مما يتيح تصنيفًا أدق وأكثر وضوحًا لمستويات الخطر بين النساء.
وتوضح الدكتورة كونستانس ليمان، أستاذة الأشعة بجامعة هارفارد وكبيرة الباحثين في الدراسة، أن طرق تقييم المخاطر المتبعة -مثل العمر، والتاريخ العائلي، والعوامل الجينية، وكثافة الثدي- لم تعد كافية للكشف المبكر بشكل موثوق.
قدرات متقدمة للكشف المبكر
يُعد نموذج Clairity Breast أول نموذج للذكاء الاصطناعي معتمد من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) يعتمد بالكامل على تحليل الصور. وقد جرى تدريبه على أكثر من 421 ألف صورة ماموجرام جُمعت من 27 منشأة طبية في أوروبا وأمريكا الجنوبية والولايات المتحدة.
اعتمد التدريب على صور لنساء أُصبن لاحقًا بسرطان الثدي وأخريات لم يُصبن خلال السنوات الخمس التالية، مما مكَّن النموذج من تمييز الأنماط الدقيقة والتغيرات الخفية في أنسجة الثدي المرتبطة بارتفاع مستوى الخطر. كما جرت معايرته على مجموعة اختبار مستقلة باستخدام شبكة عصبية عميقة قادرة على إنتاج توقعات دقيقة لاحتمالات الإصابة خلال خمس سنوات.

وأوضح الفريق البحثي أن نموذج الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على رصد تغيرات دقيقة في أنسجة الثدي لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، الأمر الذي يجعله نقلة نوعية في مستوى التحليل الطبي؛ لأنَّ هذا النموذج يفتح آفاقًا جديدة لاستخدام المعلومات الخفية داخل الصور الإشعاعية -تلك التي لم يكن بالإمكان استغلالها بالطرق التقليدية- ولا يكتفي بتحسين دقة التشخيص، مما يعكس التطور الكبير الذي صار الذكاء الاصطناعي يقدمه في المجال الطبي وتحسين كفاءة الخدمات الصحية وجعلها أكثر استدامة.
تحليل أدق لأنسجة الثدي يكشف تفاوت الخطر الحقيقي
وُضع نموذج الذكاء الاصطناعي أمام اختبار به مجموعة واسعة تضم أكثر من236 ألف صورة ماموجرام ثنائية الجانب من خمسة مراكز طبية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى8,810 صورة من مركز أوروبي واحد. وقد جُمعت بيانات كثافة الثدي التي يحددها مختصو الأشعة (ثدي كثيف مقابل ثدي غير كثيف)، إلى جانب نتائج الإصابة بسرطان الثدي خلال خمس سنوات، اعتمادًا على السجلات الطبية وسجلات الأورام.
وفي ذلك اعتمد فريق الدراسة على تصنيف مخاطر الثدي -وفقًا للشبكة الوطنية الشاملة للسرطان- إلى ثلاث فئات: منخفضة، ومتوسطة، وعالية. وعند تحليل النتائج باستخدام أداة الذكاء الاصطناعي تبيّن أن النساء في فئة “الخطر المرتفع” أكثر عرضة للإصابة بسرطان الثدي بأربعة أضعاف مقارنة بفئة “الخطر المنخفض”. وعلى الجانب الآخر أظهرت أدوات الكشف التقليدية فرقًا ضئيلًا للغاية بين الفئتين لا يتجاوز 0.5%، وهو ما يبرز مدى دقة الذكاء الاصطناعي في تقدير الخطر.

وحول ذلك قالت كريستيان كول، مديرة قسم الأشعة التشخيصية والتداخلية في مستشفى جامعة آخن (RWTH) الواقعة غرب ألمانيا: “تُظهر نتائج هذا التحليل واسع النطاق أن نماذج الذكاء الاصطناعي تخدم تصنيفًا أدق وأقوى لخطر الإصابة بسرطان الثدي مقارنة بالاعتماد على كثافة الثدي فقط”.
مستقبل تقييم خطر سرطان الثدي
علينا أنْ ندرك أنَّ التشريعات المرتبطة بكثافة الثدي -المطبقة في 32 ولاية أمريكية- تلزم مقدِّمي الرعاية الصحية بإبلاغ النساء بنتائج كثافة الثدي عند إجراء فحص الماموجرام، في محاولة لرفع الوعي بالعوامل المؤثرة في خطر الإصابة بسرطان الثدي. ورغم أهمية هذه الخطوة فإنها ليست كافيةً؛ إذْ لم تعد كثافةُ الثدي مؤشرًا دقيقًا للخطر.
لذا قدِّم الذكاء الاصطناعي تلك التقنية اعتمادًا على تقييم الخطر المستند إلى تحليل صور الماموجرام، وهو تحول حقيقي في منهجيات الفحص المبكر؛ وبذلك يمكن تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة بسرطان الثدي بدقة تتجاوز الأساليب التقليدية؛ مما يسمح ببدء الفحوصات في سن مبكرة عند الضرورة، بدلًا من الالتزام الصارم بالسنِّ المعتمد حاليًّا.
كما يؤكد فريق الدراسة أنَّ مستقبل الفحص يجب أنْ يُدمج معه تقدير الخطر المستند إلى الذكاء الاصطناعي؛ لما يوفره من معلومات أعمق، وألا يقتصر الفحص على تقييم كثافة الثدي فقط، ليساعد النساء على فهم مخاطرهنَّ الصحية بشكل أوضح وأكثر واقعية.
وإنَّ مثل هذه التطورات تمثل خطوةً مهمةً نحو تعزيز الوقاية، وإحدى الركائز الجوهرية للهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، وذلك عبر تمكين النساء من الحصول على تشخيص مبكر، ودعم نظم صحية أكثر عدلًا ودقة واستباقية.
وأيضًا يكشف هذا التقدم في استخدام الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن سرطان الثدي عن تحول جوهري في قطاع الصحة، من التشخيص المتأخر إلى الوقاية الاستباقية، وهو ما يتماشى مباشرةً مع أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف رقم (3) الصحة الجيدة والرفاه، الذي يسعى إلى تخفيف العبء عن الأنظمة الصحية.
وعلى ذلك ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ تعزيز هذه التقنيات يمثل خطوة محورية لبناء نظم صحية أكثر عدلًا وكفاءة، خصوصًا في الدول التي تعاني من محدودية الموارد والتشخيص المتأخر؛ لذلك تدعو المؤسسة إلى دعم تبنِّي هذه الأدوات الذكية، وتدريب الكوادر الطبية عليها، وتوسيع برامج الفحص المبكر لسرطان الثدي، باعتبارها استثمارًا مباشرًا في صحة المرأة، وفي مستقبل أكثر استدامة وقدرة على حماية الأرواح.




