علوم مستدامة

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع الطاقة وشبكات الكهرباء

الذكاء الاصطناعي

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع الطاقة وشبكات الكهرباء

أصبح قطاع الطاقة أحد أكثر القطاعات تأثرًا بمسار التحول العالمي نحو الاستدامة، في ظل ما يفرضه تغيُّر المناخ من ضغوط متزايدة على أنظمة إنتاج الكهرباء وتوزيعها. ومع تسارع الانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، تبرز شبكات الكهرباء باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في هذا التحول، ما يفتح الباب أمام أدوات رقمية متقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لدعم استقرار الشبكات ورفع كفاءتها.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه العالم قفزات غير مسبوقة في قدرات الذكاء الاصطناعي، القادر على تحليل كميات هائلة من البيانات وربطها بسياقها التشغيلي. ومع التوسع في رقمنة الشبكات الكهربائية عبر العدادات الذكية وأجهزة الاستشعار والنماذج الرقمية، باتت البيانات عنصرًا محوريًّا يعزز فرص توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير قطاع الطاقة، ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال نفسه حول أثر هذه التقنيات على قطاع الطاقة والشبكات الكهربائية ودورها العملي في مواجهة تحديات الشبكات الكهربائية.

أثر الذكاء الاصطناعي في تطوير قطاع الطاقة

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع الطاقة عبر منظومة متكاملة تمتد من التنبؤ الدقيق بإنتاج الكهرباء، إلى تحسين تشغيل الشبكات وصيانتها، وصولًا إلى إدارة الاستهلاك وخفض التكاليف. ويشمل هذا التحول مراحل التخطيط والتشغيل والاستخدام النهائي للطاقة ضمن إطار واحد مترابط. وفي السطور التالية نتناول هذه الأبعاد الثلاثة بوصفها ركائز رئيسية لدور الذكاء الاصطناعي في تحديث قطاع الطاقة وتعزيز كفاءته واستدامته.

الاحترار العالمي

التنبؤ الذكي مدخل لاستقرار الشبكات

يمثل التنبؤ أحد أبرز إسهامات الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، إذ تعتمد النماذج المتقدمة على دمج بيانات الطقس مع السجلات التاريخية للإنتاج والاستهلاك من أجل تحسين التخطيط التشغيلي للشبكات. وتُستخدم هذه النماذج على نطاق واسع في التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يسمح بموازنة العرض والطلب بدقة أعلى.

وتبرز في هذا السياق إحدى شركات تشغيل شبكة نقل الكهرباء في بلجيكا، التي طوَّرت أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي نجحت في خفض أخطاء التنبؤ باختلال توازن النظام بنسبة 41%، بما يسهم في الحفاظ على استقرار تردد الشبكة مع تزايد الاعتماد على مصادر متجددة.

من الصيانة التنبؤية إلى الإدارة اللحظية

ومع تطور قدرات التنبؤ، توسَّع دور الذكاء الاصطناعي ليشمل التشغيل اليومي للشبكات، فقد أسهم في إحداث نقلة نوعية في صيانة البنية التحتية الكهربائية عبر الانتقال من الصيانة الدورية التقليدية إلى الصيانة التنبؤية. فمن خلال تحليل بيانات الأداء، يمكن التنبؤ بالأعطال المحتملة في حقول طاقة الرياح وخطوط النقل قبل وقوعها، ما يقلل فترات الانقطاع ويخفض التكاليف التشغيلية.

كما تتيح الخوارزميات الذكية مراقبة الشبكات والتحكم فيها لحظيًّا، مع القدرة على إجراء تعديلات فورية استجابة لتقلبات الإنتاج أو الطلب، بما يعزِّز موثوقية الشبكات وأمنها التشغيلي.

إدارة ذكية للاستهلاك وخفض التكاليف

وعلى جانب آخر من المنظومة، يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى نقطة الاستهلاك نفسها، حيث شهدت أنظمة إدارة الطاقة المعتمدة على هذه التقنيات تقدمًا ملحوظًا في تحسين كفاءة الاستخدام. إذ تتعلم هذه الأنظمة أنماط المستهلكين، وتتكيف مع ظروف الطقس، وتأخذ في الاعتبار تغيرات أسعار الكهرباء، بما يسمح بتوزيع الأحمال بصورة أكثر كفاءة.

وفي هذا الإطار، طوَّرت شركة تكنولوجية بلجيكية متخصصة في حلول إدارة الطاقة باستخدام الذكاء الاصطناعي خوارزميات تعلم آلي للتحكم في شحن المركبات الكهربائية، أسهمت في خفض تكاليف الكهرباء بنسبة تصل إلى 30%، مع تعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي المتوقع للطاقة.

الذكاء الاصطناعي

وبالتوازي، تعمل شركة سويسرية متخصصة في مجال الكهرباء والأتمتة الصناعية على تطوير أدوات ذكية لإدارة ذروة الاستهلاك في المباني التجارية والصناعية، بما يساعد كبار المستهلكين على تفادي رسوم الطلب المرتفعة وتحسين كفاءة التشغيل. غير أن هذا التقدم التقني يرافقه عدد من التحديات التي لا يمكن تجاهلها.

تحديات تنظيمية وتقنية أمام التوسع

يواجه توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة مجموعة من التحديات التنظيمية والتقنية التي تتطلب معالجة متأنية، في مقدمتها تعقيد الأطر القانونية المنظمة لاستخدام البيانات وتباينها بين الدول، إلى جانب الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بآليات جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار بناءً عليها. وتكتسب قضايا أمن المعلومات وحماية الخصوصية أهمية خاصة في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حيوية، حيث ترتبط أي اختلالات محتملة باستقرار الإمدادات وسلامة البنية التحتية.

وفي السياق نفسه، يبرز الأثر البيئي المصاحب لتوسُّع تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث تصنيع المعدات الإلكترونية أو الاستهلاك المرتفع للطاقة والمياه في مراكز البيانات، ما يفرض ضرورة مواءمة التحول الرقمي مع أهداف الاستدامة البيئية. كما تمثل محدودية الشفافية في بعض نماذج الذكاء الاصطناعي تحديًا إضافيًّا، إذ تؤثر على وضوح آليات اتخاذ القرار وإمكانية المساءلة، في بيئة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الطاقي مع الكلفة الاقتصادية وجدوى الاستثمار.

وضمن هذا الإطار، يظل نجاح دمج الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة مرتبطًا بقدرة السياسات العامة والمؤسسات التنظيمية على تحقيق توازن دقيق بين تسريع الابتكار، وضمان الاستخدام المسئول للتقنيات، وتعزيز الثقة في الحلول الرقمية بوصفها أداة داعمة للتحول الطاقي المستدام.

تحول تدريجي في قطاع الطاقة

يؤكد تطور العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وقطاع الطاقة أن هذا التكامل يجري على نحو تدريجي، عبر إنجازات متراكمة وتحديات متجددة. ففكرة الشبكات ذاتية الإدارة بالكامل لا تزال بعيدة المنال، في ظل الحاجة إلى تعاون متعدد التخصصات، وأطر حوكمة واضحة، وتطبيقات مسئولة للتقنيات الذكية.

وفي هذا السياق، تستعد المفوضية الأوروبية لاعتماد خريطة طريق استراتيجية لرقمنة قطاع الطاقة وتوظيف الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2026، بهدف تعظيم الفوائد المتوقعة من هذه التقنيات، مع الحد من المخاطر المصاحبة لها.

وختامًا.. يعكس توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة كيف يمكن للابتكار أن يتحول إلى أداة داعمة للتنمية المستدامة، عبر تحسين كفاءة الموارد، وتعزيز أمن الإمدادات، وتهيئة البنية التحتية لاستيعاب مصادر الطاقة النظيفة. ومن هذا المنظور، ترى مؤسسة حماة الأرض أن الاستثمار في الحلول الرقمية الذكية يمثل مدخلًا مهمًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المرتبطة بالطاقة النظيفة والعمل المناخي والنمو الاقتصادي، بوصفه مسارًا توعويًّا وتحليليًّا يعزز قدرة المجتمعات على بناء مستقبل أكثر استدامة وعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى