علوم مستدامة

التعليم المستدام.. طريق المعرفة نحو مجتمع أكثر عدلًا وابتكارًا

التعليم المستدام

التعليم المستدام.. طريق المعرفة نحو مجتمع أكثر عدلًا وابتكارًا

في عالم تتزايد فيه تعقيدات الواقع بفعل النمو السكاني المتسارع، والتطورات التكنولوجية المتلاحقة، وتفاوت الفرص بين الأفراد، أصبح توفير التعليم الجيد مسارًا محوريًّا لبناء مجتمعات أكثر عدالة؛ فالتحديات الراهنة تفرض إعادة النظر في التعليم، وتوجيه أهدافه نحو تهيئة الأفراد للتفاعل الواعي مع بيئتهم، وتمكينهم من أدوات الفهم والعمل والمشاركة، ومن هنا برز مفهوم التعليم المستدام باعتباره مدخلا رئيسيًّا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال إعادة بناء العملية التعليمية على أسس توازن بين الإنصاف والجودة والارتباط بالواقع.

ما التعليم المستدام؟

التعليم المستدام هو نهج تعليمي يهدف إلى دمج مبادئ الاستدامة في جميع جوانب العملية التعليمية، من المناهج الدراسية إلى أساليب التدريس، وصولًا إلى بيئة التعلم، ويسعى هذا النهج إلى تزويد الطلاب بالمعارف والمهارات والقيم اللازمة لمواجهة التحديات الاجتماعية، والاقتصادية والبيئية الحالية والمستقبلية، والإسهام في بناء مجتمعات أكثر عدالة واستدامة.

المناهج الدراسية

فهو يُركّز على تنمية الإنسان من مختلف الجوانب، ويُعزّز قدرته على تحليل تلك القضايا، وصياغة حلول واقعية من خلال مناهج مرنة وتجارب تعليمية منفتحة على الواقع، ومع اتساع الفوارق بين الفئات وغياب تكافؤ الفرص في كثير من البيئات التعليمية، تزداد الحاجة إلى رؤية تلبي متطلبات هذا التنوع، وتمنح الجميع فرصًا متكافئة للنمو، بصرف النظر عن خلفياتهم الثقافية أو الجغرافية.

مسارات جديدة

ومن هذا التصور يتبلور توجه تعليمي جديد يُعلي من شأن القيم، ويستجيب لتحولات الواقع، ويفتح المجال أمام مسارات مرنة قادرة على مواكبة متطلبات الحياة وسوق العمل في وقت واحد؛ فالنماذج التقليدية لم تعد كافية لتلبية تطلعات الأفراد في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، حيث تحررت المعرفة من حدود المؤسسات الأكاديمية، وتنوعت مسارات المهن، وتشابكت التخصصات وتداخلت.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية بناء منظومات تعليمية مرنة، قادرة على الاستجابة لاحتياجات السوق والمجتمع معًا، ويقدم التعليم المستدام بدائل عملية لهذا، من خلال برامج مهنية مزدوجة، ومسارات تدريبية متخصصة، وفرص تعلّم تعتمد على التفاعل، وليس الحفظ فقط، هذه النماذج تُهيّئ الأفراد ليكونوا أكثر جاهزية لسوق عمل دائم التغير، وأقل عرضة للتهميش أو الإقصاء.

التفاعل بدلًا من التلقين

تتسع اليوم الرؤية العالمية لفهم أعمق لطبيعة التعلّم، حيث لم يعد يُنظر إليه باعتباره عملية جامدة تدور حول الكتب والمحاضرات، وإنما أصبح مساحة حيوية تُحفّز الفضول، وتُشرك المتعلّم في التفكير والممارسة، ومن هذا المنطلق، بات التعلم التفاعلي يحتل موقعًا متقدمًا ضمن استراتيجيات التعليم المستدام، بفضل قدرته على تحويل المعرفة إلى تجربة حية.

التعلم التفاعلي

تعتمد هذه الأساليب على محاكاة الواقع، وتوظيف الألعاب التعليمية، والعمل الجماعي، والمشروعات التطبيقية؛ مما يجعل التعليم أكثر قربًا من عقل المتعلم واهتماماته، ويمنحه فرصة لاكتشاف ذاته، وتكوين رأيه، وبناء فهمه الخاص انطلاقًا من التجربة لا من المعلومة الجاهزة، وعندما يُطلب من الطلاب اتخاذ قرارات مستوحاة من مواقف اجتماعية أو اقتصادية واقعية، تتسع قدرتهم على إدراك التعقيدات، والربط بين الأسباب والنتائج، واستشعار علاقتهم بما يدور في محيطهم.

وبهذا يصبح التعلّم أداة لبناء المسئولية وتعزيز المشاركة، ويتحوّل الفصل الدراسي إلى فضاء لتجريب الحياة، وهذا يجعل من التعلّم تجربة واعية تُنمّي الفهم والتفاعل، وهو ما يشكّل جوهر التعليم المستدام، ذلك النموذج الذي يضع المتعلّم في قلب العملية التعليمية، ويمنحه دورًا مؤثرًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد تلقيها.

الفصول الدراسية

كيف يساعد التعلم المستدام على تطوير بيئة العمل؟

لا تتوقف رحلة التعلم عند نيل الشهادات الجامعية، وإنما تبدأ فصولها الأكثر عمقًا حين يواجه خريجو الجامعات واقع العمل بتحدياته المتغيرة ومهاراته المتجددة، وفي هذا السياق، يُعد التعليم المستمر داخل بيئة العمل امتدادًا طبيعيًّا لمفهوم التعليم المستدام، الذي يقوم على مبدأ التعلّم مدى الحياة، ويُعزز قدرة الأفراد على التكيّف مع التحولات المتسارعة في مجتمعاتهم؛ فبمجرد دخول الأفراد سوق العمل، تبدأ مرحلة جديدة من التعلّم، تتطلب مهارات ومعارف لم تكن جزءًا من المنهج الأكاديمي، وهنا تتجلى أهمية بناء منظومات تعليمية داخل المؤسسات تواكب هذه المتغيرات.

وتكمن قيمة هذا التعليم في كونه لا يقتصر على تطوير المهارات التقنية، وإنما يشمل أيضًا تعزيز التفكير النقدي، والتواصل الفعّال، والإبداع، واتخاذ القرار، وقد أظهرت التجارب أن بيئات العمل التي تتبنى برامج تعليمية مستمرة، تُسهم في بناء فرق أكثر اندماجًا، وتُحفّز روح المبادرة، وتقلّل من مظاهر الركود المهني؛ فعندما يُصبح التعليم جزءًا من الثقافة المؤسسية، تتحول بيئة العمل إلى مساحة تعلّم مفتوحة، تُعزز قيم المشاركة، وتُرسّخ مبدأ تكافؤ الفرص في التطور، بغض النظر عن العمر أو المنصب.

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن التعليم المستدام يمثل أحد المرتكزات الجوهرية لبناء مجتمع أكثر عدلًا وشمولًا؛ إذ لا يمكن تحقيق التنمية الحقيقية دون تعليم يعترف بالتنوع، ويستثمر في الإنسان بوصفه محور التغيير؛ فالتعليم الجيد، حين يتجاوز حدود التلقين، ويتصل بحياة المتعلم وبيئته وسوق عمله، يتحول إلى أداة للتحرر والتكافؤ، ويُسهم في ترسيخ مبادئ المشاركة والمساءلة والابتكار، وهي جميعًا شروط لا غنى عنها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى