علوم مستدامة

الورم الفطري.. معاناة صامتة تتطلب عدالة صحية واستجابة مستدامة

الورم الفطري

الورم الفطري.. معاناة صامتة تتطلب عدالة صحية واستجابة مستدامة

رغم التقدُّم الطبي عالميًّا لا تزال بعض الأمراض المدارية المُهمَلة، مثل الورم الفطري (Mycetoma) تمثّل تحديًا صحيًّا كبيرًا في الدول النامية؛ وهو مرض مزمن من أخطر الإصابات الجلدية التي تصيب الأنسجة والعظام، وغالبًا ما يؤدي إلى عواقب مرضية شديدة الخطورة في حال تأخّر التشخيص والعلاج.

ومن هذا المنطلق تسعى حماة الأرض إلى تناول قضية الورم الفطري وتداعياته الصحية والاجتماعية من منظور شامل، يُسلِّط الضوء على العلاقة بين العدالة الصحية والتنمية المستدامة، ويُبرز كيف يمكن أن يُؤدِّي الإهمال الدولي للأمراض المدارية إلى تعميق أوجه عدم المساواة بين الشعوب؛ فتابعوا القراءة.

ما الورم الفطري؟

يُعد الورم الفطري مرضًا مزمنًا ومُعديًا يُهاجم الأنسجة الموجودة تحت الجلد، ويمتد تدريجيًّا ليُدمّر الأنسجة العميقة والعظام، مخلّفًا تورُّمات وتشوّهات مؤلمة، وينتج عن أنواع مختلفة من البكتيريا أو الفطريات التي تخترق الجلد، غالبًا عبر الأشواك أو الأجسام الحادة الدقيقة.

ويظهر المرض أساسًا في البيئات المدارية وشبه المدارية التي تتسم بمواسم أمطار قصيرة وجفاف طويل، وهي بيئة مثالية لنمو الشجيرات الشوكية، التي تُعد من أبرز مسببات الإصابات الجلدية التي تؤدي إلى ظهور المرض، وهو متوطن في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وحتى أجزاء من أوروبا.

وتكمن خطورة الورم الفطري في تأخر التشخيص، مما يُفضي إلى تدمير العظام، وفي كثير من الحالات، إلى بتر الطرف المصاب. والأسوأ هو أنَّ المرضى -خاصة في المناطق الفقيرة- لا يجدون سوى أطراف صناعية محلية بدائية تُضاعف آلامهم الجسدية والنفسية، وتزيد من عزلتهم الاجتماعية.

ما الورم الفطري؟

أبحاث وتجارب

ورغم محدودية التمويل وتدهور البنية التحتية، يواصل مركز بحوث المايستوما في السودان أداءه البحثي في هذا الشأن، حيث أجرى تجربة سريرية لعلاج جديد يكافح مرض الورم الفطري، وقد أظهر نتائج واعدة نُشرت في مجلة “ذا لانسيت” الطبية.

وبحسب تصريحات الدكتور/ أحمد حسن فحل -مدير مركز بحوث المايستوما في جامعة الخرطوم- فإنَّ للعوامل البيئية والظروف المعيشية دورًا أساسيًّا في ظهور هذا المرض، لا سيما بين المزارعين والأطفال، وهو ما يلقي الضوء على ضرورة أنْ تتكاتف الجهود العالمية لمكافحة هذا المرض الخطير.

وتبقى الجراحة -في كثير من الحالات المتأخرة- الحل الوحيد رغم تبعاتها النفسية؛ لذا توضح الدكتورة/ بورنا نياوك أنوك -رئيسة مبادرة الورم الفطري- أنَّ الجراحة يجب أنْ تتم خلال الأشهر الستة الأولى من تاريخ المرض، لكنَّ التأخر في التشخيص وندرة الموارد يجعل المرضى يصلون إلى مراحل لا تُجدي معها سوى البتر.

وكذلك تشير رئيسة مبادرة الورم الفطري إلى التجربة السريرية الجديدة تُستخدم فيها أدوية مخصّصة لعلاج السل، وقد أظهرت استجابة وصلت إلى 70% من الحالات؛ مما يقلل الحاجة للجراحة. غير أنَّ نقص الأدوية والدعم الدولي يبقي المرضى عالقين في دائرة مؤلمة من التهميش والعجز.

منظمة الصحة العالمية والمايستوما

وحول هذا المرض نظّم المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط -يوم 16 يونيو الماضي- مؤتمرًا صحفيًّا أُعيد فيه تسليط الضوء على الورم الفطري بعد إدراجه عام 2016 ضمن قائمة الأمراض المدارية المُهمَلة. وأكّد المشاركون الحاجة المُلحّة إلى دعم الأبحاث وجهود اكتشاف علاج مناسب، لاسيما في البلدان الأكثر تضرّرًا مثل السودان، الذي يحتضن المركز البحثي الوحيد المتعاون رسميًّا في هذا المجال مع منظمة الصحة العالمية.

استجابة صحية عادلة

لا يمثّل الورم الفطري مجرد تحدٍّ طبي، بل هو صورة مُعبّرة عن فجوة العدالة الصحية. إنه مرض يكشف التفاوتات في الوصول إلى الرعاية، بين من يعيشون في قلب المدن وبين من تُركوا على هامش خريطة العالم؛ فلا يمكن الحديث عن تنمية عادلة أو استدامة حقيقية ما دامت أمراض مثل المايستوما تُهمل على هذا النحو.

ورغم التحديات تسعى منظمة الصحة العالمية إلى دعم الأبحاث في هذا المجال -خاصة بالتعاون مع المركز السوداني- وتعزيز التوعية الميدانية للعاملين في القطاع الصحي؛ من أجل تشخيص المرض مبكرًا، وتقليل حالات البتر المحتملة.

وكذلك تؤكد المنظمة أنَّ مواجهة الورم الفطري تتطلب نهجًا شموليًّا يشمل الوقاية، وتحسين الظروف المعيشية، ودعم البحث العلمي والابتكار. وتُدرج هذه الجهود ضمن خطة تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول 2030، في إطار أهداف التنمية المستدامة، وتحديدًا الهدف الثالث المعنيّ بالصحة الجيدة والرفاه.

وعلى ما سبق فإنَّ هذا الورم الفطري إحدى المفارقات الصارخة في عالم اليوم؛ عالم يمتلك التكنولوجيا والقدرة على تطوير لقاحات معقدة خلال شهور، لكنه يتجاهل أمراضًا تُدمّر حياة الآلاف في صمت! وإنَّ غيابَ التمويل وغيابَ الاهتمام الدولي بهذا المرض يُعدانِ فشلًا جماعيًّا في تحقيق أبسط مبادئ العدالة الصحية؛ لذا لا بُدَّ من إعادة النظر في أولويات الاستثمار الطبي والبحثي، من أجل أمن صحي منصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى