كيف يغير التمكين الاقتصادي للمرأة ملامح التنمية في المنطقة العربية؟

كيف يغير التمكين الاقتصادي للمرأة ملامح التنمية في المنطقة العربية؟
إنَّ قضية التمكين الاقتصادي للمرأة في الأعوام الأخيرة أصبحت تتصدر مشهد التنمية المستدامة؛ فهذا التمكين استثمار في طاقة خلاقة متى أُتيحت لها الأدوات، وأُعيد ترتيب الأولويات على نحوٍ أكثر إنصافًا واستدامة؛ ولذا تُدرك شعوب العالم -مع اتساع أفق أهداف التنمية المستدامة- أنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بإشراك المرأة في كل ميدان من ميادين الحياة.
واستنادًا إلى ذلك فإنَّ الحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة في المنطقة العربية لا ينفصل عن مستقبل التنمية المستدامة بأبعادها المختلفة، وهو مستقبل يُشكِّل عصبًا حيويًّا لإعادة رسم العلاقة بين الإنسان والموارد والسوق في زمن تتشابك فيه التحديات.
ومن هذا المنطلق، تسعى حماة الأرض إلى تناول موضوع التمكين الاقتصادي للمرأة في مجالات القوى العاملة وريادة الأعمال والصناعة؛ كي تُبرز كيف يمكن للنساء أنْ يشاركنَ في تشكيل اقتصاد عادل ومستدام؛ فتابعوا قراءة هذا المقال، واكتشفوا ذلك الدور المهم للمرأة العربية.
المرأة قوى عاملة معطلة
بخصوص مشاركة المرأة في القوى العاملة العربية تُظهر تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة والبنك الدولي أنَّ النساء العربيات يُمثِّلنَ -حتى الآن- أقلَّ من 20% من القوة العاملة في معظم دول المنطقة العربية، على الرغم من تفوقهنَّ الأكاديمي في مراحل التعليم الجامعي. وتُعد هذه النسبة من أدنى المعدلات على مستوى العالم؛ مما يكشف عن فجوة حادة بين ما تمتلكه النساء من كفاءة وتأهيل، وما يُتاح لهنَّ من فرص فعلية في سوق العمل.
إنجازات ريادة الأعمال النسائية
وبالرغم من ضعف تمثيل المرأة في إجمالي القوى العاملة العربية، فإنَّ مجال ريادة الأعمال النسائية في دول المنطقة العربية يشهد نموًّا لافتًا في السنوات الأخيرة، خاصةً في قطاعات التكنولوجيا، والصناعات الإبداعية، والأغذية، والخدمات.
ولوضع تصور عن حدود دور المرأة وما يمكن أنْ تقدمه في سبيل دعم الاقتصادات من خلال ريادة الأعمال النسائية، أظهرت دراسة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عام 2023 أنَّ تعزيز مشاركة المرأة في القطاعات الإنتاجية قد يُسهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي العربي بنسبة تتراوح بين 10 و30% خلال عقد واحد، إذا ما أُزيلت القيودُ القانونية والحواجزُ الاجتماعية، التي تقيد انخراط النساء في الحياة الاقتصادية الفاعلة.

ووفقًا لمقال حديث نُشر على موقع “World Economic Forum“، فإنَّ بعض دول المنطقة العربية تشهد ثورة صامتة يقودها رائدات أعمال أسسن مشروعات مبتكرة، وهي مشروعات ريادية تُحدث تغييرات في منظومة التجارة الإلكترونية والتقنية والخدمات، وبما يحقق أهداف التنمية المستدامة.
وتدعم هذه الرؤية بيانات تقرير “المرأة في العمل 2024” الصادر عن منظمة العمل الدولية، الذي أشار إلى أنَّ المشروعات التي يقودها نساء تحقق نِسَبَ نموٍّ مرتفعة مقارنةً بنظيراتها، رغم العقبات التمويلية. ويؤكد هذا الأداء قدرة النساء على إدارة الموارد بكفاءة عالية، وابتكار حلول اقتصادية ضمن بيئات تعاني من قيود ومعوقات؛ ومِن ثَمَّ تعزيز جدوى التمكين الاقتصادي للمرأة، وهذا بوصفها محركًا من محركات التنمية المستدامة في العالم العربي.
الصناعة وتمكين المرأة
ومن جانب ثالث، نجد أنَّ الصناعة أكثر ارتباطًا بالعمالة الذكورية، سوى أنَّ تطور التكنولوجيا والتحول إلى الاقتصاد الرقمي، قد جعلَا من دمج المرأة في القطاعات الصناعية ضرورة حتمية، لا سيما في مجالات مثل التصنيع المستدام، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الغذائية، وكذلك الصناعات الطبية.
و في هذا السياق تروج الإسكوا من خلال تعاونها مع المؤسسات الإقليمية -مثل الاتحاد العربي للمرأة المتخصصة– لبرامج تهدف إلى ربط التمكين الاقتصادي للمرأة بالإنتاج الصناعي، وذلك عبر توفير التمويل والتدريب وأدوات الوصول إلى الأسواق، في إطار استراتيجية شاملة تضم ريادة الأعمال الصناعية للنساء.
التمكين الاقتصادي للمرأة وفرص المستقبل
في هذه الجوانب الثلاثة السابقة -الصناعة، وريادة الأعمال، والقوى العاملة- نجد أنَّ المرأة تقف على مفترق طرق بين التحديات الراهنة والإمكانات غير المستغلة، وتقف أيضًا على أعتاب مرحلة حاسمة يمكن أن تُعيد تشكيل مستقبل الاقتصادات في المنطقة؛ فالحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة خيار استراتيجي لتحقيق النمو الشامل. وفي هذا الإطار تُجمِع التقارير الدولية على أنَّ تحويل طاقة المرأة إلى قوة إنتاجية فاعلة يتطلب حزمة من الإجراءات الجريئة، يمكن من خلالها فتح آفاق جديدة نحو اقتصاد أكثر عدالة وكفاءة.
ولتحقيق هذه القفزة، توصي هذه التقارير الدولية بعدة إجراءات؛ منها:
- إصلاح السياسات المالية؛ من أجل تمكين النساء من الحصول على التمويل دون قيود.
- تشجيع التعليم المهني والتقني للنساء، خاصةً في مجالَي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الصناعية.
- دعم بيئة ريادة الأعمال النسائية من خلال تسليط الضوء على نماذج نسائية رائدة من خلال شبكات توجيه وتبادل خبرات.
- سن قوانين منصفة تزيل التمييز بين الجنسين، وتمنح النساء فرصًا متكافئة في سوق العمل.

وختامًا، فإنَّ مؤسسة حماة الأرض ترى أنَّ التمكين الاقتصادي للمرأة لم يَعُد ترفًا تنمويًّا أو مطلبًا حقوقيًّا فحسب، بل بات ضرورة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصادات العربية على أسس أكثر عدالة وكفاءة واستدامة؛ فحين تُكسر الحواجز التي تُقيد طاقة النساء، يُفتح باب واسع أمام المجتمعات العربية للاستفادة من نصف قواها المعطَّلة، بما يُحدث تحوُّلًا جوهريًّا في كيفية توظيف رأس المال البشري، وتوجيه الابتكار نحو تحقيق تنمية أكثر شمولًا.
ولذلك، تظل المسئوليةُ جماعيةً: تقع على الحكومات مهمة تفكيك القيود القانونية والمالية، وعلى مؤسسات التعليم والتدريب تمكين النساء معرفيًّا ومهنيًّا، وعلى المجتمع المدني أنْ يُعيد تشكيل الوعي الجمعي بأهمية الدور الاقتصادي للمرأة، لا بوصفه تهديدًا للثوابت، بل بوصفه تجديدًا وتطويرًا.




